إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 23 مايو 2018 - 8 رمضان 1439هـ

الأسباب الحقيقية للرزق (4)

(التفرغ للعبادة - كثرة الشكر - إنزال الشكوى والحاجة بالله -عز وجل-)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكما سبق الحديث، فإن الله -عز وجل- جعل للرزق أسبابًا مادية وأسبابًا معنوية، والأسباب المادية ثلاثة يتفرع عنها كل صور الرزق المادية؛ ألا وهي: (التجارة والصناعة والزراعة)، والناس جلهم مشغولون بفنون الرزق في هذه الأسباب بفروعها. وكما قلنا قبْل: إن أكثر الناس يغفُل عن الأسباب المعنوية، والتي هي إن شئتَ قل: هي الأسباب الحقيقية للرزق، وهي كثيرة، لكننا نقف على سبعةٍ منها هي أبرزها، ونذكرها تباعًا، وسبق الحديث عن أربعة منها، وهي: "تقوى الله -تعالى، والاستغفار، وصلة الرحم، والإحسان إلى الضعفاء" .

وفي هذه المرة نتحدث عن الأسباب الباقية، وهي: التفرغ للعبادة، و كثرة الشكر، وإنزال الشكوى والحاجة بالله -عز و جل-.

فأما التفرغ للعبادة:

فقد وعد الله مَن تفرغ له في العبادة أن يغنيه، وأن يملأ قلبه غنى وأن يملأ يده مِن الدنيا، وتوعد مَن انشغل بالدنيا وصارت همه وشغله حتى في عبادته أن يظل فقيرًا, فقير القلب وإن كثر المال في يده، ويظل لا يسُد فقره وإن كانت عنده الأموال الكثيرة! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ, تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

والتفرغ المقصود ليس هو الامتناع عن الأعمال والوظائف والأشغال، وإنما المقصود به هو تفريغ القلب لله -عز وجل- عند القيام بعبادة مِن العبادات، لا تشرك مع الله -عز وجل- فيها شواغل أخرى؛ فالصلاة -على سبيل المثال-: ربما يفرغ المصلي بدنه فيترك وظيفته وعمله لأجل الصلاة وهذا فرض وواجب، ولا يبارك الله في عمل يلهي عن الصلاة، ولكن ما فرَّغ قلبه لله -عز وجل-، فتراه يصلي وقلبه كله في أمواله وعياله ووظيفته ودنياه، فهذا لم يطبق: (يَا ابْنَ آدَمَ, تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي) أي: تفرغ لي، لا تدخل معي شريكًا. (أَمْلَأ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ)  ويكون هذا حالك في عبادتك مع ربك (مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا) يعمل ليل نهار ويأتي بالأموال (وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) فلا يُسد فقره، ويظل فقيرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ ولذلك كان مِن مفاتيح الرزق العظيمة أن تتفرغ لله وقت العبادة؛ فرِّغ قلبك، فرغ نفسك لربك وقت العبادة.

وأما كثرة الشكر:

فكثرة شكر الله على نعمه سبب عظيم مِن أسباب الرزق، وربما يقول قائل: هذا في حق مَن أُعطى النعم، لكني فقير ما أعطيت شيئًا!

والجواب: نقول لك إنك تحيا في نعمٍ مِن الله -عز وجل- لا تُعد ولا تُحصى؛ فعينك بكم تبيعها؟! وأذنك بكم تبيعها؟! وأنفك بكم تبيعها؟! ويدك بكم تبيعها؟! وغير ذلك مِن هذه النعم وغيرها الكثير، نعم تستحق منك الشكر لربك. قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)؛ لذلك كان الشكر سبب عظيم مِن أعظم أسباب زيادة الرزق، والآية هذه قاعدة، وأصل الشكر يزيد الأرزاق، وتركه يمحقها ويذهبها، فأكثر مِن الشكر لله -تعالى-، قل: الحمد لله، أنا أفضل مِن غيري, الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، واشكر فالشكر سبب لزيادة الأرزاق. قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ". ورحم الله مَن قال مِن آبائنا: "مَن يشكر الكريم زاده"؛ فكن على ذلك يفتح الله لك أبواب رزقه.

وأما إنزال الشكوى والحاجة بالله:

فهذا سبب مِن أسباب جلب الرزق، وعكسه مِن أسباب منع وسلب الرزق, فإياك أن تنزل حاجتك بالناس، فمِن الناس إذا نزل به الفقر أو الشدة أو الحاجة يجلس إلى غيره ويشكو، ويحكي وبعضهم ويقول: أنا (أفضفض) كما هي عند كثير مِن الناس، فيجلس إلى الخلق يشكو الخالق، فيُحرم الرزق بسبب ذلك, ولو أنزل حاجته بالخالق لكان ذلك سبب عظيم في الرزق، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى؛ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فاجعل شكواك إلى الخالق في صلاة أو في دعاء أو في مناجاة، وقل لربك ما شئت، ألقِ بكل حاجتك ومسألتك وفقرك بيْن يدي ربك، وقل: يا خالق، يا رازق، يا غني، يا حميد،  أنا لا أستطيع كذا وكذا، وأريد كذا وكذا؛ فإنه الغني الحميد الشكور الذي يستحيي -سبحانه- أن تقف على بابه منكسرًا طالبًا فيردك خائبًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). أما الخلق فلا قدرة عندهم على شيء، ولو أعطوك أعطوك بعضًا وعجزوا عن بعضٍ؛ أما الله فهو الغني الذي خزائنه لا تنفد.

وفي الختام: اعلم أن الأرزاق لا يُشترط أن تزيد عددًا وكمًّا، فهذا نوع مِن الزيادة؛ وإلا فالأعظم مِن زيادة الأرزاق عددًا وكمًّا، أن يبارك الله في قليلها؛ لأن الزيادة عددًا وكمًّا قد يُفتن بها البعض مِن الأغنياء.

نسأل الله -تعالى- أن يبارك لنا ولكم في الأرزاق.