إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 08 مايو 2018 - 22 شعبان 1439هـ

الأسباب الحقيقية للرزق (3)

 كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكما سبق الحديث، فإن الله -عز وجل- جعل للرزق أسبابًا مادية وأسبابًا معنوية، والأسباب المادية ثلاثة يتفرع عنها كل صور الرزق المادية؛ ألا وهي: (التجارة والصناعة والزراعة)، والناس جلهم مشغولون بفنون الرزق في هذه الأسباب بفروعها. وكما قلنا قبل: إن أكثر الناس يغفُل عن الأسباب المعنوية، والتي هي إن شئت قل: هي الأسباب الحقيقية للرزق، وهي كثيرة، لكننا نقف على سبعةٍ منها، هي أبرزها، ونذكرها تباعًا، وسبق الحديث عن السبب الأول والثاني، وهما: تقوى الله -تعالى-، والاستغفار، ونتحدث في هذه المرة عن السببين: الثالث والرابع، وهما: "صلة الرحم" و"الإحسان إلى الضعفاء".

فأما "صلة الرحم": فهذا السبب له ثمار طيبة، وآثار جميلة في حياة المسلم,.

ومِن هذه الثمار والآثار: أن الله -عز وجل- يوسع لك في رزقك, قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ, وَيُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ, فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمِدَّ اللَّهُ لَهُ فِي عُمُرِهِ، وَيُوَسِّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةَ السُّوءِ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).

فإذا وجدتَ الأرزاق قد ضاقتْ بك! فصل أرحامك وإن كانوا لا يصلونك؛ فصلة الأرحام مِن الأسباب التي يجلب الله بها الأرزاق، والأرحام هم كل قراباتك مِن جهة والديك، ولا يُشترط في الأرحام كونهم مِن الورثة ولا مِن المحارم، بل كل قراباتك مِن جهة والديك هم أرحامك، وصور صلة الأرحام كثيرة، وتختلف مِن ناسٍ إلى ناسٍ، ومنها: "زيارتهم وتفقد أحوالهم، وعيادة مريضهم، وإعانة فقيرهم، ونصرة ضعيفهم، واحترام كبيرهم ورحمة صغيرهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وكل ما يتفرع عن ذلك".

وأما السبب الرابع مِن مفاتيح أبواب الرزق العظيمة فهو: "الإحسان إلى الضعفاء"، وهذا سبب مِن أعظم أسباب الرزق، يفتح الله به الأرزاق وينصر الله به الأمم.

والضعفاء هم كل ضعيف متضعف، وأعظم هؤلاء: الفقراء والمساكين، والأيتام والأرامل، والمرضى والخدم، ونحو ذلك، فهؤلاء هم ضعفاء المسلمين، والإحسان إليهم سبب للرزق؛ فإن أردتَ أن يوسع الله لك في رزقك فأحسن إلى هؤلاء؛ كل على ما يناسبه، فالفقير الإحسان إليه يكون بإعانته، والخادم ربما يكون الإحسان إليه بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، والأرملة واليتيم يكون بتفقد أحوالهم والسعي في مصالحهم، والمريض يكون بعيادته والسؤال عنه، وهكذا...

إن ضعفاء المسلمين بهم تنزل الأرزاق على المسلمين، نعم والله! ربما الكثير منا يحتقر الفقراء والضعفاء وهؤلاء في الحقيقة سبب مِن أسباب أرزاقنا بقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: رَأَى سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه البخاري)، وقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فربما القرية التي تسكنها يرزقها الله -عز وجل- ويرزقك بسبب الضعفة الصالحين الذين يعيشون فيها؛ لذلك كان الإحسان إليهم سبب مِن أسباب الرزق، والإساءة إليهم سبب مِن أسباب منع الرزق، وفي قصة أصحاب الجنة عبرة! فالله حكى لنا في القرآن عنهم في إمساكهم وشحهم وبخلهم عن الإحسان إلى الضعفاء والفقراء، فعاقبهم الله -عز وجل- بأن أذهب أسباب رزقهم بالكلية وحُرموا مِن الرزق بالكلية، قال -تعالى-: (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ) (القلم:23-24)، فكانت العقوبة: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:19-20).

فالإحسان للضعفة سببٌ مِن أسباب أرزاقنا جميعًا؛ فلنحسن إليهم ليوسع الله لنا أرزاقنا.