إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 15 مايو 2018 - 29 شعبان 1439هـ

بيْن المطرقة والسندان!

كتبه/ شريف طه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان يوم الاثنين الماضي ثقيلًا على نفس كل مسلمٍ وعربيٍ؛ شعرنا جميعًا بالذل والعار والهوان، ونحن نرى "إيفانكا ترامب" تفتتح السفارة الأمريكية في القدس، وهو ما يُعد اعترافًا صريحًا بحق إسرائيل في القدس الشرقية إضافة للقدس الغربية التي لم تعد محلًا للنقاش أصلًا!

تأتي هذه الخطوة ضمن مشروع تم تداوله إعلاميًّا حول صفقة يتم مِن خلالها تصفية القضية الفلسطينية، والاعتراف بإسرائيل وحقها في جميع فلسطين باستثناء "غزة" التي يُراد أن يُخنق الفلسطينيون فيها، وهو ما تم الترويج له تحت مسمى: (صفقة القرن!).

الألم اعتصرنا أكثر ونحن نرى ردود الفعل العربية المخزية والمهينة، لم يكن شيء يدعو للتفاؤل سوى هؤلاء الأبطال الذين يتظاهرون على السياج الفاصل، يحاولون بث الروح في جسدٍ مثخنٍ بالجراح.

لم يكن هذا اليوم وليد اللحظة، بل تم الإعداد لهذا على مدار عقودٍ طويلةٍ، ولكني أركِّز الكلام على السنوات السبع الأخيرة، والتي حدثت فيها تطورات متسارعة عجَّلت بهذه الخطوة التي كانت مؤجلة.

إفلاس النظم العربية، وعجزها عن تقديم أي أمل لشعوبها، وغياب التنمية والعدالة ساعد على انفجار الأوضاع في عامة هذه الدول، ووضعت كل هذه الأنظمة تحت ثلاث مطارق:

الأولى: مطرقة الثورات الشعبية؛ فتحت ضغط الأزمات الاقتصادية الطاحنة، وأزمات المياه التي يتم تسييسها، تشعر الأنظمة بتهديدٍ شعبيٍ دائمٍ.

الثانية: مطرقة الدواعش والجماعات المتطرفة التي تم الإفساح لها، وغض الطرف عن تمويلها وتحركاتها.

الثالثة: مطرقة إيران وأذرعها في المنطقة، ولا يخفى على أحدٍ الدور الغربي في دعم الثورة الإيرانية سواء في وجودها، أو في صراعها مع العراق، كما كشفت فضيحة (إيران جيت)، والتي كشفت عن تهريب سلاح أمريكي لإيران عن طريق إسرائيل، وتمويل جماعات الكونترا المتمردة في نيكاراجوا بأموال هذه الصفقة، وما جرى بعد ذلك مِن تحالفٍ واضحٍ مع الأمريكان في احتلال أفغانستان والعراق، أطلقت يد إيران في المنطقة، وكان الاتفاق النووي الغربي - الإيراني بمثابة اعترافٍ ضمنيٍ بإيران كقوةٍ إقليمية لها حق التدخل في المنطقة العربية.

الخلاصة: أن الأنظمة العربية وقعتْ بيْن هذه المطارق، وسندان إسرائيل، وللأسف؛ فإننا يجب أن نعترف أن أغلب الدول العربية صارتْ ترى في إسرائيل حليفًا ممكنًا ضد إيران والجماعات المتطرفة، باعتبار الأخيرتين تمثلان تهديدًا صريحًا ومباشرًا.

التهمت التهديدات الثلاثة عددًا مِن الأنظمة العربية: العراق على يد إيران، ودبت الفوضى في ليبيا، وسوريا؛ مما مكَّن الجماعات المتطرفة والمليشيات الإيرانية مِن العبث بمقدرات هذين البلدين، وبقيت أنظمة الخليج ومصر تحت التهديد الإيراني والجماعات المتطرفة، وتهديد الأزمات الاقتصادية والمجتمعية، وفي سبيل الحل تروج الدعاية الضخمة لقبول التحالف مع  إسرائيل ضد هذين العدوين! لذا مِن الغريب جدًّا أن تستثمر هذه القوى (إيران والجماعات المتطرفة) الأحداث لصالح مشاريعها التدميرية، والتي كانت سببًا مباشرًا فيما آلت إليه المنطقة.

مجتمعاتنا بحاجة إلى أن يُعاد بناؤها، والتصالح مع هويتها الحقيقية، وأن تُسد هذه الفجوات الهائلة التي تمثِّل تهديدًا وجوديًّا؛ فمع مصادمة الهوية، وغياب التنمية والعدالة، وانتشار الفساد بمعدلاته العالية، وغياب منظومة الحكم الرشيد؛ سنظل نعاني بيْن المطرقة والسندان.