إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 10 مايو 2018 - 24 شعبان 1439هـ

بيْن يدي رمضان (3)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم ما يحققه القرآن لِتَالِيهِ وقارِئه -خصوصًا في الصلاة-: "انشراح الصدر"، واستنارة القلب بمعاني الإسلام والإيمان والإحسان التي يتضمنها القرآن، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر:22)؛ فجعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- وصف العبد المؤمن أن صدرَه منشرح بالإسلام، وهو هنا يشمل الدين كله، فإن معاني الإيمان الباطنة هي مِن حقائق الإيمان، وإذا أُطلِق الإسلام فإنه يشمل الإيمان ويشمل الدين كله.

وانشراح الصدر يعين العبد على تحمل مشاق الحياة وأذى الناس؛ ولذا سأل موسي ربه -عَزَّ وَجَلَّ- شرح الصدر عندما كلفه بالذهاب (إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طه:24-28)؛ فالدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد يقع فيها مِن أنواع الأذى مِن الكفار والمنافقين والمبتدعين والظالمين وكل مَن خالفك؛ فكيف يتحمل الإنسان هذه المصاعب؟ وربما ضاقتْ نفسه بأي درجةٍ مِن درجات الاعتداء والتجاوز في حقه؛ لكن المؤمن ذو الصدر الواسع المنشرح الذي يقتدي بأنبياء الله -عَزَّ وَجَلَّ- يكون مَثَله مع أنواع متاعب الحياة وأنواع الأذى الذي يصيبه كمَثَلِ رجل عنده قَصْرٌ واسع منيف ذو حديقة أوسع منه بكثير فألقى بعض الحاقدين داخل حديقة القصر بعض الأوراق أو بواقي الطعام مما يسميه الناس "زبالة"، والحديقة فيها مِن أنواع الأشجار والأزهار ذات الرائحة الطيبة التي تجعل -في حقيقة الأمر- هذه الفضلات مِن الطعام وغيره سمادًا جيدًا لهذه الأشجار المثمرة والأزهار ذات الرائحة الطيبة؛ هل ترون مَن بداخل القصر يتأذى بما يُلقى في حديقة القصر الواسعة بشيءٍ مِن ذلك؟! لا يتأذى -بحمد الله-؛ لأنه عنده مِن السعة ما يجعل مِن هذه الأشياء أشياء تافهة لا قيمة لها!

وكذلك الحياة بأَسْرِها مِن مرضٍ في بدن أو نقصٍ في مالٍ أو فقدٍ لأحد الأحباب؛ إنها كلها إلى زوال، وجميعها "لا تساوي عند الله جناح بعوضة"، كما قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)؛ فكيف نصل إلى هذه الحقائق مِن خلال القرآن؟!

ثم الصفة الثانية مِن صفات العبد المؤمن: "النور"؛ فهو منشرح الصدر ومستنير القلب، وهذا النور مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)، وهذا النور يجعله يرى حقائق الأمور، ويعرف الحق ويعرف الباطل، كما يشهد البداية والنهاية، ويشهد ما بيْن ذلك ضمن ملكوت السماوات والأرض الذي انفرد به الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ومَن نظر إلى ذلك وشاهده هان عليه كل شيء، (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام:75).

فمَن حصل له ذلك شعر بسعادةٍ عظيمةٍ على الدوام، وأبصر مواطن الاختلاف والافتراق، وجعل اللهُ له فرقانًا يُدرِك به الفرق بيْن الحق والباطل، والإيمان والكفر، والسُنَّة والبدعة، والصواب والخطأ؛ فيُوفق في عامة اجتهاداته، وأخطرُها ما يتعلق بمجموع الأمة أو بمجموع طائفة الدعاة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- وأهل السُّنة، فهذا النور عونٌ أيضًا لشرح الصدر، وسبب إضافي لسعادة القلب، ومعرفة الحقائق الإيمانية التي يرشد إليها القرآن.

ومِن أهم ما يدفعك إليه القرآن: أمر الدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فالناس قد سُلسلت شياطينهم، كا قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) (رواه البخاري ومسلم واللفظ له)، فإذا كان الشيطان يعجز أن يوسوس في رمضان بكثيرٍ مما يوسوس به في غيره فذلك يعينك في دعوتك إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فانتهز الفرصة، وكلٌّ منا ينبغي أن يكون داعيًا؛ ألم تسمع قول لقمان لابنه وهو يعظه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)؟! فكما أمره بالصلاة أمره بالدعوة، وهذا أمر يدلنا على أن كلًّا منا لابد أن يكون داعيًا إلى الله، وكما أمر الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).

فلتكن دعوتك إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بما وصف الله -سبحانه-، وتجنب الغلظة والعنف؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ما أمكن ذلك وما شُرع ذلك، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (رواه مسلم)؛ فاجتهد أن تكون رفيقًا في دعوتك إلى الله؛ فالقرآن يجعل قدوتك وأسوتك حياة الأنبياء، بأن ترى دعوتهم وصبرهم وجهادهم في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وترى عاقبة أمرهم؛ تأخذ مِن ذلك دفعة عظيمة تسير بها في طريق الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة، وهذا الذي يهيئ الأمة أعظم تهيئة لمجاهدة أعدائها.

إن أُمَّةً لا تأمر فيما بينها بمعروف ولا تنهى عن منكر، ينتشر فيها الفساد والفسق، والفجور والتبرج وإضاعة الواجبات، وأعظم ذلك: إضاعة الصلوات، وإضاعة الزكوات، والفطر في رمضان؛ وإن أُمَّةً بهذه المثابة لا تستحق أن تنصر، بل تستحق أن يسلط عليها عدوها؛ لذلك ينبغي إذا وجدت مَن يرتكب منكرًا في نهار رمضان أن تدعوه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولا بد أن يتكلم بالحق كل مَن يعرفه وعنده الدليل من الكتاب والسُنَّة، وكل مَن يراه؛ فلو أن المفطر -مثلًا- عمدًا في نهار رمضان والذي يتبجح بذلك في طرقات المسلمين كلما لقيه مسلم قال: اتقِ الله أنتَ في رمضان، وفطر يوم مِن رمضان أعظم مِن عمرك كله، لا يعوضك أن تصوم العمر كله، وكما قال الإمام الذهبي: "وعند المؤمنين مقرر أن مَن ترك صوم رمضان بلا مرض؛ أنه شر مِن الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال" (انتهى)، فلتُذَكِّر مَن رأيته مفطرًا بذلك، وأنه لا يقضيه عنه صوم الدهر وإن صامه، وإن كان مأمور بالقضاء والكفارة، كما ورد عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلا كَفَّارَةَ) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني)، وفي لفظ: (مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ) (رواه البيهقي، والحاكم، وحسنه الألباني)؛ فيفهم منه بمفهوم المخالفة أن مَن أفطر عمدًا؛ فعليه القضاء والكفارة، كما قال أبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وكما روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا".

وحديث الذي جامع أهله في رمضان فقال: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: (وَمَا أَهْلَكَكَ؟) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (متفق عليه). وإذا كانت الكفارة باقية في ذمته كما دلَّ عليه أول الحديث، لأنه لما أعلمه بفقره أنه ليس عنده شيء لم يسقط عنه الكفارة؛ بل لما أتته الصدقة أمره أن يتصدق ليكفر عما ارتكب مِن جريمة عظيمة.

وكذلك إذا وجدت مَن يسب ويلعن ويطعن، وإذا وجدت مَن يكفر ويرتد كمَن يسب الدين أو يسب الله أو يسب الرسول، أو يستهزئ بالقرآن أو بالجنة والنار، أو يستهزئ بالصلاة أو بالصيام؛ فلا بد أن تنهاه عن الردة والكفر، وقل له قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة:65-66).

وليكن استدلالك دائمًا بآيات القرآن، واتل آيات القرآن على الناس؛ لا تقل لهم: الشيء الفلاني حرام وتسكت؛ فإذا سمعت -مثلًا- مَن يسمع المعازف فقل له: قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3)، أليس هذا لغوًا؟! وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55)، وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (لقمان:6). قُل له: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ: صَوْتُ مِزْمَارٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَصَوْتُ رَنَّةٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ) (رواه البزار، وحسنه الألباني).

فإذا سمع الإنسان الآيات وكتب الله له الهداية، كان ذلك مِن أعظم أسباب توبته إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فلا تقل له: الشيء الفلاني حرام، وهو لديه فكرة سيئة أصلًا عن الملتزمين؛ فهم يحرِّمون كل شيء -كما تقول لهم وسائل الإعلام الفاسدة!- وغير ذلك مِن أنواع التشويه!؛ فلا يكن كلامك بغير دليل، قُل: قال الله، وقال الرسول.

وإذا وجدت متبرجة فقل: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33)، ونحو ذلك؛ فذكر بالقرآن؛ فإن القرآن يتذكر به مَن يخاف وعيد الله، ونحن نظن في كل مسلم ومسلمة أن في قلبه مِن الخوف مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- شيئًا -ولو كان شيئًا يسيرًا- يوقظ به في رمضان -بإذن الله- أضعاف ما يوقظ في غيره، والله المستعان.

تدبر القرآن، وإحياء القلب بما ينبت فيه مِن أسباب حياته، مِن أعمال القلب الواجبة التي هي الإيمان والخوف والرجاء، والإخلاص والحب والشوق إلى الله -سبحانه وتعالى-، واليقين بلقائه.

أهم ما تبحث عنه حين تقرأ القرآن حب الله -سبحانه- وحب الأنبياء، وحب الملائكة، وحب كل مَن يعبد الله -عَزَّ وَجَلَّ- مِن الصالحين الذين صبروا واحتسبوا، وشكروا نعمة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وكل ذلك تأخذه مِن القرآن؛ اجعل لنفسك نصيبًا منه، لا تضيعه، واجتهد في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

وكذلك من أعمال البر والخير في رمضان: الاعتمار، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) (رواه مسلم)، فإذا يسر الله لك ذلك فاجتهد أن يحضر قلبك فيها، وأن تؤدي هذه المناسك متوجها إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالاستجابة، ملبيًّا بقلبك قبْل أن يلبي لسانك، شاهدًا فضل الله -عَزَّ وَجَلَّ- ونعمته، طائفًا قلبك بأمر الله وشرعه كما يطوف بدنك ببيته الحرام، واجعل عمرتك تجديدًا لشباب قلبك وحياته.

وإذا لم يتيسر فحدث نفسك بها كما تحدث نفسك بالجهاد في سبيل الله، وبكل أنواع الطاعات، إذا يسر الله لك ذلك ورغبت إلى الله فتح الله لك مِن أبواب الرزق ما هو ضيق الآن، لكي تجد بفضل الله -سبحانه- أبواب الخير إليك سائرة كما تسير أنتَ إليها؛ فحدث نفسك، وادع الله أن ييسر لك، ولربما كتب لك وأنت جالس ثواب معتمر وحاج وأنت لم تحرِّك قدمك -بأنك أحببت هذه العبادة وقصدت إلى أدائها، ولكن عجزت عنها، كما يكتب لك ثواب المجاهد إذا حدثت نفسك بالجهاد ورغبت في الشهادة في سبيل الله، وإن عجزت عن أن تلحق بالمجاهدين!- وكذلك فكل حديث للنفس بالخير يُكتب لك به الأجر، وربما سبقت بعض العاملين: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (متفق عليه)

وعن أنس بن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟، قَالَ: (وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ) (رواه البخاري).

فإذا حدثت نفسك واجتهدت في أن تحصل مِن أبواب الخير ما تقدر عليه كُتب لك الأجر، كما أنك تستطيع أن تحصل كل يوم على حجةٍ وعمرةٍ؛ بأن تصلي الصبح في جماعة ثم تبقى إلى طلوع الشمس، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فأنتَ كل يوم كأنك أنفقت عشرات الآلاف في عمرةٍ أو حجٍ، وهي حجة تامة، والناس ينفقون في ذلك أموالا طائلة تستطيع أن تأخذ ثوابها كل يوم إذا جلستَ تذكر الله.

ومِن أهم الوصايا بيْن يدي هذا الشهر: تجنب الجدل، وتجنب المناقشات التي لا فائدة فيها، واجعل جدالك بالتي هي أحسن؛ يدور حول الآيات ودلالاتها والأحاديث وبيانها،  وتجنب ما يجر إليه الجدل مِن المراء المذموم، فإن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

فاللهم وفقنا في شهر رمضان المبارك إلى ما تحبه وترضاه، واجعلنا ممَن يصومه إيمانًا واحتسابًا فتغفر له، واجعلنا ممَن يقومه إيمانًا واحتسابًا فتغفر له، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، واغفر لنا يا رب العالمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.