إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 03 مايو 2018 - 17 شعبان 1439هـ

بين يدي رمضان (2)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد جعَل اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- القرآنَ سببًا لحياة القلوب، وجعله مُؤَثِّرًا فيها؛ مِن التصديق والخشية وسائر أعمال القلوب، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83)، فذكر -سبحانه- في هذه الآية أثرًا في القلب، هو المعرفة بالله -سبحانه وتعالى-، وهي المعرفة المقترنة بالمحبة والشوق إليه -عَزَّ وَجَلَّ-، وخشيته -سبحانه وتعالى-، والتوكل عليه؛ (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ). 

فهذه المعرفة معرفة تؤثر في القلب؛ خضوعًا وانقيادًا ومَحَبَّةً وَوُدًّا لله -عَزَّ وَجَلَّ-، ويظهر لها أثرٌ في البدن؛ وهو دمع العين مِن أثر هذه المعرفة، وكما ذكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دمعَ العين مِن خشية الله في قوله: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)؛ فأعمال القلوب تُثْمِرُ دمعَ العين، كما تُثْمِرُ الخشية اقشعرار الجلد، وكل ذلك نابع مِن تلاوة آيات الله، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23).

فجعل -سبحانه- أثر القرآن في قلوب المؤمنين وفي أبدانهم أثرًا عظيمًا؛ فجعل الخشية ثمرة تلاوة الكتاب المتشابه الذي يُشْبِهُ بعضُه بعضًا، لا اختلاف بينه، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82).

و(مَثَانِيَ): أي: تُثَنَّى قراءته وتُكَرَّر، ومِن ذلك قَدْرٌ واجبٌ وهو: قراءة الفاتحة، "السبع المثاني" كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عنها: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، فهي مثاني؛ لأنها يُشْرَع تكرار قراءتها في كل ركعة مِن ركعات الصلاة.

ثم ذَكَرَ -سبحانه وتعالى- أثر قراءة الآيات في أبدان المؤمنين، وهو اقشعرار الجلد، وهو نابع مِن الخشية؛ إذ وصف المؤمنين بأنهم الذين يخشون ربهم، فالأثران في البدن: دمع العين واقشعرار الجلد. والأثران في القلب: المعرفة والخشية؛ كل ذلك مِن ثمرات الإيمان بالقرآن العظيم، وتلاوته مع التدبر، والقرب منه.

فشهر رمضان فرصة عظيمة لإحياء القلوب بهذا الكتاب المبارك، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:183-185).

وشهر رمضان "شهر القرآن" كما هو شهر القيام وشهر الصيام، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، وقال: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

(إِيمَانًا): أي تصديقا بما وَعَد الله -عَزَّ وَجَلَّ- مِن الثواب على لسان رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

(وَاحْتِسَابًا): أي إخلاصًا وإرادة لوجه الله -عَزَّ وَجَلَّ- وثوابه وفضله -سبحانه وتعالى-؛ فشهر رمضان شهر مغفرة وشهر توبة، وشهر تدبر ومدارسة للقرآن؛ فلتكن دروس العلم في رمضان حول القرآن وحول ما ينبته في قلوب المؤمنين مِن حقائق الإيمان: مِن حب الله -سبحانه وتعالى- ورجائه والرغبة فيما عنده، والخوف منه -عَزَّ وَجَلَّ- دون الخوف ممَن سواه، وكمال التوكل عليه، وشهود تدبيره أمر عباده، والافتقار التام إليه -سبحانه وتعالى- في حاجات الإنسان الدينية والأخروية والدنيوية؛ فالافتقار إلى الله -تعالى- مِن أعظم أسباب غنى الإنسان، وكذلك في شكر نعمة الله -سبحانه وتعالى- والصبر على بلائه، وشهود فضله -عَزَّ وَجَلَّ- في العطاء والمنع.

وهو -عَزَّ وَجَلَّ- إذا أعطى عبده المؤمن فقد أكرمه، وإذا مَنَعه أيضًا فقد أكرمه؛ فهو إنما يقيه شر الفتن في هذه الدنيا بما يحرمه أحيانًا؛ فحرمانه عين العطاء، ومنعه -سبحانه وتعالى- هو الجود؛ والمؤمن يرى ذلك بفضل الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

وحال قلب المؤمن هو الذي يشغله وهو الذي يسعى إلى إصلاحه، ولا إصلاح أفضل مِن إصلاح القرآن؛ فهو الذي يزكي الله به النفوس، وهو الذي يفتح به أغلاق القلوب: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)؛ فَمَن تدبر القرآن فتح أغلاق قلبه، تفتح أقفال قلبه ويزول ما فيها مِن الفساد، ويحل محلها الحكمة والإيمان، هذا كله بتدبّر القرآن.

ولتجعل لنفسك قدرًا تحافظ عليه مِن قراءة القرآن، ولا أقل مِن أن تختمه في الشهر، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لعبد لله بن عمرو بن العاص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ). قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟، قَالَ: (فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ)، قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: (فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ)، قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟، قَالَ (فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) (رواه مسلم)، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)؛ فتبيَّن بذلك أن المقصود مِن التلاوة هو التدبر فيما تدل عليه الآيات.

ويعينك على ذلك: قراءة التفسير، ومعرفة أسباب النزول، واستشعار الجو الذي نزلتْ فيه الآيات، والمجتمع النقي الطيب الذي تلقى هذه الآيات أول مرة بالاستجابة والقبول، واستحضار سيرة الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- مع الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

والقرآن ينقلك مِن هذه الحياة المادية السخيفة التي يتصارع الناس فيها على "الجُنَيْهِ والقِرْشِ"، وعلى أنواع التفاهات، ويتعاملون بالأخلاق السيئة مِن السِّبَابِ والشتم، والغيبة والنميمة والكذب، والحقد والحسد؛ يَنْقِلُك إلى صفاء حياة الأنبياء فترى شخصياتٍ نورانية عظيمة، وذلك إذا تدبرت حياتهم ودعوتهم إلى الله، وهذا مِن أهم صفاتهم وسماتهم.

ومِن أهم ما يدفعك إليه القرآن: "الصلاة والقيام في رمضان وفي غيره"، بل منه تأخذ قوة دافعة لباقي الشهور.