إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 أبريل 2018 - 7 شعبان 1439هـ

أبناؤنا ميدان جهادنا!

كتبه/ علاء عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأبناؤنا ميدان جهادنا في الحياة، وواجب علينا خوضه بكل ما أوتينا مِن قوةٍ وحرصٍ وإصرارٍ.

جهاد بمعني بذل الكثير مِن الجهود، بل أقصى ما نستطيع بذله في التربية والتعليم، والتقويم والمعايشة، والتزكية، وتقديم القدوة الحسنة لهذه النفوس الصغيرة الكبيرة، وهذه الأعين الممتلئة شغفًا لمعرفة الحياة مِن حولها.

جهاد حتى نسلِّم إليهم الدين الحق الذي أنعم الله علينا بوراثته مِن آبائنا وأجدادنا الأقربين والأبعدين -جزاهم الله عنا خيرًا-، وتسلمناه منهم وحملنا رايته -أو هكذا ينبغي أن نفعل-، فنسلمه لأولادنا ناصعًا جليًّا لا التباس فيه، ولا نقص؛ ليحمله أبناؤنا مِن بعدنا لمَن بعدهم حتى يأتي أمر الله، وكما تسلمنا مِن آبائنا وأجدادنا البلاد والأوطان، ومؤسساته بعد طول عناء منهم، وتعب وعرق ودماء، فالواجب علينا كذلك أن نحافِظ على هذه الأوطان لمَن بعدنا، وتأهيل هؤلاء الأبناء لتسلم الراية مِن بعدنا، وإعمار الأرض بالصلاح والإصلاح.

وإننا وإن كنا نواجه الآن الكثير مِن التحديات والمعوقات في الدين والدنيا، والمجتمع والدولة، والحياة والمعاش؛ إلا أنه يغلب على الظن أن أبناءنا وبناتنا الصغار الآن سيواجهون عاجلًا أو آجلًا تحديات أكثر، وعقبات أشد -إلا أن يشاء الله شيئًا آخر، ونسأل الله لنا ولهم المعافاة والتوفيق-؛ لذلك فالواجب علينا المجاهدة مِن أجل أمتنا، ومِن أجل أبنائنا؛ حتى نؤهلهم لتحدياتهم لا تحدياتنا، ولمستقبلهم -إن شاء الله- لا واقعنا، ولاتساع عالمهم لا ضيق رؤانا.

تأهيلهم لذلك جهاد واجب علينا جميعًا؛ جهاد واجب على الدولة لرعاية أبنائها، وتيسير سبيل الرفعة لهم، وتمكينهم مِن تحمل المسئوليات وبناء المستقبل بأيديهم، واحتلال مكانتهم اللائقة بهم، وواجب على الدولة أن تتيح لهم البيئة المجتمعية الصحية حيث يكرم الإنسان؛ لأنه يستحق ذلك، والبيئة العلمية المتوهجة التي تنير لهم عقولهم، وترفع عندهم مكانة العلم النافع وأهله، والمظلة العادلة التي تتيح لهم التنافس الشريف حيث يتقدم فيه المجيد لإجادته لا لاعتبارات أخرى فاسدة تعاقب مَن يستحق الدعم والتشجيع.

وجهاد واجب على الدعاة والمصلحين أن يتعاونوا ويتكاملوا لبذل أقصى ما يستطيعون -رغم المصاعب-؛ لنشر العلم والهدى بيْن الناس لكي يتوافر في كل جيل نقاط مضيئة هنا وهناك كالمنائر للسفن يهتدي بهم مَن زكى قلبه، ويسترشد بهم في ظلمات الجهل والخرافة وانحراف الفكر والسلوك وعبادة الدنيا.

ولكن أحق ما يوصف بالجهاد التربوي برأيي هو سعي الأبوين في محيط سلطتهما بالأسرة مع أبنائهم، فالأبوان هما خط الدفاع الأول، بل والأخير في كثيرٍ مِن الأحيان، وتأمين المستقبل الحقيقي لأبنائهم بزكاة نفوسهم وحفظ عقولهم، وحمايتهم مِن أمواج الفتن؛ هو وظيفة الأبوين الحقيقية التي ربما لا يقوم بهما غيرهما.

أهمس في أذنيك أيها الأب -الذي سحقته مصاعب الحياة- وفي أذنيك أيتها الأم -الكائن المضحي بقوته وحياته مِن أجل الأبناء-: إن أبناءكما هم ميدان جهادكما الحقيقي ومجال سعيكما الأكبر، فكل آية تحفِّظانها لابنكما، وكل قصة تربوية تحكيانها لابنتكما، وكل ساعة تقضيانها في مسامرتهم أو اللعب معهم أو سماع مشاكلهم ومغامراتهم الطفولية الساذجة، وكل قبلة حانية وضمة دافئة، ووقتكما الذي تقضيانه لمتابعتهم في فروضهم المنزلية -بنفسيكما- وكل صلاة خفيفة تصليانها مع أطفالكما في المنزل، وكل رحلة ترويحية تصطحبانهم فيها؛ كل هذه الأمور وغيرها إنما هي زرع يتبعه حصاد حلو -إن شاء الله-، وعلاقة وطيدة متينة تبنيانها مع الأيام، ونور تضعانه في طريقهم، ونفوس سوية تبنيانها، وخدمة جليلة لأمتكما تسديانها، وهي مع ذلك حلو الحياة لكما، واحتياج عند أولادك إن لم تملئانه بنفسيكما فسيبحث عنه الطفل عند غيركما، ولا أحد منا يدري مَن سيسد لديه أو لديها هذه الحاجة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6).

أبناؤك ميدان جهادك.