إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 مارس 2018 - 26 جمادى الثانية 1439هـ

اتهام العلماء بالسكوت عن الحق والحيدة عنه باسم المصالح والمفاسد!

السؤال:

ما فائدة علم العالِم بالحق إذا كان الواجب عليه إظهاره أمام الظلم والظالمين ولم يقم بهذا الدور؟ وخاصةً إذا كان هذا العالِم مِن العلماء المعتبرين الذين كان لهم السبق إلى الصراط المستقيم، والذين يتم الاقتداء بهم، وما هو الواجب على الخواص والعوام تجاه هذا العالِم إذا حذا هذا الحذو؟ وهل يجوز لهذا العالِم السكوت عن الحق أو الحيد عنه أو الوقوف مع الظالم رغمًا عنه تحت مسميات المصالح والمفاسد أو مصلحة الدعوة، مع العلم بأن هذا الحق واضحًا جليًّا لا لبس فيه؟ وما حكم الله فيه؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأولًا: مراعاة المصالح والمفاسد، ومصلحة الدعوة، أمور شرعية دلَّ عليها الشرع؛ قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (البقرة:205)، وقال على لسان شعيب -عليه السلام-: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (هود:88)، وقال عن الخضر: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف:79).

فلا تجهل مع الجاهلين القائلين: إن مصلحة الدعوة صنم! أو المصالح والمفاسد طاغوت! فإن هذا إذا كان بغير اعتبارٍ لرتب المصالح والمفاسد؛ فيكفر بالله مِن أجل تحقيق مصلحة دنيوية أو سياسية.

 أما ما كان فيه مِن حرصٍ على الدين وإقامته، والنظر إلى ما هو أقرب إلى إقامته في الفرد والمجتمع؛ فهو واجب شرعي، أما الإنكار على الظلم والفساد فهو حسب الطاقة والقدرة، وربما حرُم إذا وُجد ضرر متعدٍ للغير، وأرجو أن تكلف نفسك نظرة بسيطة على كتابي: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وكتاب: "أدلة اعتبار المصالح والمفاسد وفقه الموازنات"، ونظرة على مقالات: "تأملاتٌ في النصيحة"؛ لعلك تدرك ما خفي عليك! كيف ومَن تتهم مِن أهل العلم لم يسكت، وأنكر، ولم يتابع قط على سفك دمٍ حرامٍ، ولا عرضٍ، ولا مالٍ، ولا حبسٍ بغير حق، وأرجو أن تراجع كتاب: "جامع بيانات الدعوة"، وكتاب: "موقف الدعوة مِن الأحداث"، كما أطلب منك نظرة بسيطة في دقائق مع قليل مِن الإنصاف على بيان "حزب النور" في تأييد الرئيس "السيسي".

المشكلة أنكم لا تفرِّقون بيْن اختيار حاكم والموافقة عليه "لأنه أقرب المتاح والممكن لتحصيل المقاصد" وبيْن المسئولية عن جميع  تصرفاته، فلو كان الأمر كذلك؛ لكان ابن عمر -رضي الله عنهما- مسئولًا عن الدماء -التي لا يعلم مداها إلا الله- التي أراقها الحجاج، إذ بعث بيعته لعبد الملك بن مروان، ولكان الإمام مالك وسفيان وأهل العلم في زمانهم مسئولين عن الدماء التي سُفكتْ في إقامة الدولة العباسية، إذ بايعوا أبا جعفر المنصور.

اللهم آتنا مِن لدنك رحمة، وهيئ لنا مِن أمرنا رشدًا.