إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 08 مارس 2018 - 20 جمادى الثانية 1439هـ

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)

كتبه/ محمد صلاح الإتربي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) (الحشر:9)" (رواه البخاري). "فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ": أي أوهماه أنهما يأكلان حتى يأكل هو، وباتا جائعين!

هذا الذي فعله الأنصاري هو غاية الإحسان في قضاء الأخ لحاجة أخيه، وهي المرتبة العليا في ذلك، فإن مِن حقوق الأخ على أخيه: قضاء حاجاته، والقيام بها.

وقد ذكر أهل العلم أن ذلك درجات:

أدناها: أن تقضي لأخيك حاجته إذا طلبها منك، مع إظهار السرور بخدمتك له، وقد حثنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، فقال: (وَلَأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ , أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، وقال أيضًا: (مَنْ أَعَانَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ عَلَى حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ, ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ) (رواه ابن أبي الدنيا، وقال الألباني: حسن لغيره).

أما الدرجة الثانية: فهي أن تتفقد حاجة أخيك فتقضيها له دون أن يسألك، وذلك أن تنزله منزلة نفسك؛ فلا ترضى أن يكون في حالٍ لستَ فيها، ومِن ذلك ما فعله علي بن الحسين زين العابدين، حينما دخل على محمد بن أُسامة بن زيد يعوده في مرضه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال "عليّ دين. قال: وكم هو؟! قال: خمسة عشر ألف دينار -وفي رواية: "سبعة عشر ألف دينار"-. قال: هي عليّ!".

أما الغاية العظمى والدرجة العالية التي لا يستطيعها إلا مَن علت همته وزكت نفسه فهي: "الإيثار"؛ أن تؤثره بقضاء حاجته، وتقدمها على حاجتك، وهي الواقعة التي صدَّرتُ بها هذا المقال، والتي حق لصاحبها أن ينزل الله في شأنه قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين! وهذا ليس بعجيبٍ على الأنصار؛ فهم الذين آوى إليهم إخوانهم مِن المهاجرين؛ فقسَّموا الأموال والضياع بينهم.

وعلى هذا الدرب سار الأئمة مِن الرجال، فمِن ذلك ما قاله يحيى بن هلال الوراق: "جئتُ إلى محمد بن عبد الله بن نمير فشكوتُ إليه، فأخرج أربعة دراهم أو خمسة -أي فأعطاها له-، وقال: هذا نصف ما أملك! وجئتُ مرة إلى الإمام أحمد فأخرج إليَّ أربعة دراهم -أي فأعطاها له-، وقال: هذا جميع ما أملك!".

هذا هو درب المفلحين كما قال -تعالى- في ختام الآية: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ).

اللهم اجعلنا منهم.