إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 25 نوفمبر 2017 - 7 ربيع الأول 1439هـ

مِن دلائل صدق الانتماء: "التضحية والوفاء"

كتبه/ وائل رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالتضحية أحد الركائز الأساسية للدعوة، وواحدة مِن أهم أركانها، والتضحية قرينة الوفاء، وهما وجهان لصدق الانتماء، فإن كان الداعية صادقًا في انتمائه لدعوته ضحى في سبيلها، وإن كان مؤمنًا بها اجتهد في الوفاء لها؛ فالتضحية وقود الدعوة، وكلما عظمت التضحيات كبرت مكاسب الدعوة، ودنتْ مِن تحقيق أهدافها، وتحصيل غاياتها.

والتضحية لغةً: مصدر ضحَّى، يُقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله، أي بذَلَهُ، وتبرع به دون مقابل.

واصطلاحًا: هي بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، ولأجل هدف أرجى، مع احتساب الأجر والثواب على ذلك عند الله -عز وجل-، والمرادف لهذا المعنى الفداء، ومِن معانيها: البذل والجهاد، والمروءة والثبات على المبدأ، والشجاعة والإحساس بواجب المرء تجاه المبادئ التي يحملها، والفكرة التي آمن بها واعتقدها.

والتضحية شعار أهل الحق، ودليل على صدق انتمائهم، ودافعًا لهم في صراعهم وممانعتهم لأهل الباطل؛ فهيهات أن تقوم للحق قائمة، أو يكون له وجود إلا بالتضحية والبذل، قال -سبحانه-: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج:40).

ومَن نذر نفسه لدينه ودعوته، تقلب بيْن تضحيات عدة، أعلاها وأسماها: التضحية بالنفس والمال؛ فالجود بهما أقصى غاية الجود، وهذا مما لا يخفى على عاقل، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111)، وقال -تعالى- مقدمًا المال على النفس: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41).

ومِن التضحية: العمل الدءوب، والتخلي عن الراحة، وإنفاق الوقت في سبيل نشر دين الله -عز وجل-، والتمكين له؛ وكيف لدعوةٍ أن تنهض أو أن تبقى إذا كان أبناؤها يقدِّسون راحة الجسم، والإخلاد إلى الدعة، ويؤثرون السكون؟!

وهل في مثل هؤلاء خير لدعوة أو فائدة لمبدأ أو فكرة؟!

إن الدعوة تريد مَن يعملون الليل والنهار لا يفترون، ولا يبالون بنَصَبٍ، وإنما يجدون راحتهم في خدمة مبادئهم؛ يرون سعادتهم في علوها وارتقائها، لها ينشطون، وفي سبيلها يتحركون ويجهدون.

لقد ضحَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- تضحياتٍ جسام، وكان قدوة لكل مسلم إلى قيام الساعة، وسار الصحابة -رضي الله عنهم- على هذا الطريق، فقدَّموا مِن أجل دينهم ما لم يَعرف التاريخ له مثيلًا، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وقد حوصر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون في الشِّعبْ ثلاث سنين، حتى أكلوا ورق الشجر! كل ذلك في رضا عن الله، وتضحية مِن أجل الإسلام، وقصة الطائف وما أصابه مِن أهلها -صلى الله عليه وسلم- معروفة مشهورة.

وما مِن صحابي مِن الصحب الكرام إلا وله قصة عجيبة في التضحية، والبذل بالنفس والمال، فقد أخرج أبو بكر -رضي الله عنه- ماله كله أكثر مِن مرة، وأخرج عمر -رضي الله عنه- نصف ماله، وتبرع عثمان -رضي الله عنه- لـ"جيش العسرة" وجهزه مِن ماله، وخرج الصحابة -رضوان الله عليهم- مِن دورهم وتركوها لكفار مكة، مهاجرين في سبيل الله -تعالى-.

وفي ظلال هذه المعاني عاشوا -رضي الله عنهم-، ومَن سار على نهجهم ودربهم مِن الدعاة والمخلصين لدعوتهم وبدعوتهم، تراها في قلوبهم وتملأ عليهم حياتهم، يحملون همها وينشغلون بها، ويضحون مِن أجلها.

ولا شك أن حاجتنا في مثل هذه الأوقات لهذا الخُلُق العظيم أشد ما تكون؛ فالثغرات تتسع على الدعوة يومًا بعد يوم، وتكثر المجالات الشاغرة التي تفتقر إلى مَن يقوم بها، ويتزامن ذلك مع قلة الموارد، وجفاف المنابع، وضيق ذات الدعاة مما يمثـِّل خطرًا على كثيرٍ مِن أهداف وبرامج الدعوة.

وفي المقابل: تزداد جهود أهل الباطل قوة، وتزداد مخططاتهم دقة، وتتعدد أنشطتهم لتشمل شتى الجوانب، ويذكرنا ذلك بشكوى عمر -رضي الله عنه- المُرَّةَ: "اللهم إني أشكو إليك جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة!".

فلن يرفع هذا الواقع إلا الصدق مع الله، ودليل الصدق الاستعداد، مع البذل والتضحية في كل جانب تحتاج إليه الدعوة؛ ولا سيما في هذا الوقت، وهو الوقت الذي يعظم فيه الأجر، ويزداد فيه الفضل؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم وغيره عن معقل بن يسار-رضي الله عنه- بلفظ: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ).

قال النووي في شرح مسلم: "المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد مِن الناس".

فشتان بيْن مَن يضحي وهو يرى ثمرة الجهد، وتلوح له أمارات النصر، وبيْن مَن يضحي وقد غابت عن ناظريه أمارات النصر ودلائل التمكين، قال الله -عز وجل-: (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد:10).