إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 - 28 ذو الحجة 1438هـ

مِن ثمرات "الحج"

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"رحلة الحج" رحلة إيمانية عظيمة، لها مِن الثمرات الإيمانية على قلوب الحجيج الكثير، أذكر بعضًا منها:

الثمرة الأولى: "ولادة جديدة":

مِن ثمرات الحج العظيمة أن الحجيج بعده يولدون ولادة جديدة إذا أدوه على ما أمر الله -تعالى-، وفعل رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهو الذي قال: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه)، وهو الذي قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ) (أخرجه ابن عبد البر، وقال الألباني: صحيح لغيره)، وهو الذي قال عن يوم عرفة: (أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره)، فإذا تأملنا هذه النصوص وغيرها علمنا كيف أن الحجيج يولدون ولادة جديدة!

الثمرة الثانية: "تربية أخلاقية":

ومِن ثمرات الحج العظيمة أنه يربي المؤمنين ويصلح أخلاقهم؛ إذ أن الله اشترط عليهم ذلك لقبول حجهم، فقال الله -تعالى-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة:197).

وهذا شيء مشاهد وملموس في الحج، فترى الكل يتحفظ عن الكلام السيئ والفعل السيئ، حتى تسمع مِن بعضهم مَن يتساءل: "قلت: كلمة كذا مِن السوء، فهل ضاع حجي؟!".

ولا أنسى هذه المرأة التي سألتني: أنها أثناء الطواف دفعها بعض الإخوة الأفارقة عن غير قصد، فسقطت على الأرض، ومِن شدة تألمها قالت لهم: هو أنتم كذا (كلمة سيئة)، وظلت هذه المرأة تبكي بقية الطواف، وإلى أن رجعتْ إلى الفندق وهي تبكي حتى سألتني: "هل ضاع حجي؟!" (انظر إلى أثر الحج في تحسين الأخلاق، وتربية المؤمنين).

الثمرة الثالثة: "توحيد الأمة":

ومِن ثمرات الحج العظيمة: توحيد الأمة الإسلامية، فهو مؤتمر سنوي يعلن للدنيا أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وإن اختلفت الألوان والألسن والأوطان؛ فكل هذا يذوب ويتلاشى أمام أعظم علاقة تربطهم، وهي وحدة العقيدة والشريعة، فالعقيدة يمثلها الشعار العظيم: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، والشريعة متمثلة في الشعائر الواحدة.

إن مشاهد التوحد المهيبة تطبيق عملي لقوله -تعالى-: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).

فهذه عبادة وشعيرة واحدة أدتها الأمة وفق أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فكانت الوحدة، فيا ليت الدعاة إلى الوحدة الإسلامية والتقارب بيْن المسلمين يعون هذا الدرس! ويستفيدون مِن هذه الثمرة مِن ثمرات الحج.

الثمرة الرابعة: "ترسيخ مفهوم العبودية":

ومِن ثمرات الحج العظيمة: أنه يرسِّخ مفهوم العبودية في نفوس المؤمنين، فالعبد مع سيده لا يملك مِن أمره شيئًا؛ فليس له إلا الطاعة والاستسلام.

وها هو الدرس العملي يظهر في الحج، فهو يرمى حجرًا بحجر، ويطوف حول حجر، ويتردد بيْن جبلين، وغير ذلك مِن الأعمال التي يبرهن بها المؤمن عن الامتثال والاستسلام؛ لأنه مقتضى العبودية.

قال أبو حامد الغزالي في أسرار الحج: "ولذلك وظف عليهم أعمالًا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول: كرمي الحجار بالأحجار، والتردد بيْن الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال العبودية؛ فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها، ولا اهتداء العقل إلى معانيها، فلا يكون الإقدام عليها إلا امتثالًا للأمر" (انتهى).

الثمرة الخامسة: "الإكثار مِن ذكر الله":

ومِن الثمرات العظيمة للحج: الإكثار مِن ذكر الله؛ فالحاج مِن أول لحظات الحج إلى آخره في ذكرٍ لله، ولكل حركة وعمل يفعله ذكر يختص به، ولو تأملتَ لوجدت ذلك مِن خلال الآيات القرآنية والأوامر الربانية للحجيج بالذكر قبْل وبعد كل عمل؛ فعرفات يوم ذكر ودعاء وتضرع، ومع ذلك اذا انتهى الحجيج منه أمروا بالذكر أيضًا؛ قال الله -تعالى-: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة:198)، وقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:199).

وإذا انتهى الحجيج مِن أعمال الحج العظيمة، ومكثوا في مِنى أيام التشريق أُمروا بالذكر كذلك، قال الله -تعالى-: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة:200)، وقال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (البقرة:203).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ) (رواه مسلم)، فالحجيج في ذكرٍ دائمٍ في أيام الحج، وهذا لا بد أن يكون له ثمرة وأثر عليهم بعد الحج.

وفي الختام: فإن ثمرات الحج أكثر مما ذكرنا، ولعلنا نقف عليها في مقالٍ آخر -إن شاء الله-.

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الحج إلى بيته الحرام، أيامًا عديدة وأزمنة مديدة.

والحمد لله رب العالمين.