إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 18 سبتمبر 2017 - 27 ذو الحجة 1438هـ

إني كنتُ مِن الظالمين!

كتبه/ أحمد شكري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحين يقف أحد الدعاة بيْن مجموعة مِن المسلمين ليذكرهم أن ذنوبهم وتقصيرهم في حق ربهم ودينهم هو أحد أسباب ما يتعرض له المسلمون في "بورما" وغيرها مِن أنواع الظلم والبلاء، فمِن الواجب عليهم أن يشعروا بالندم، وأن يبادروا بالتوبة، وأن يكون ما يتعرض له المسلمون في كل أنحاء الأرض حافزًا ودافعًا لهم إلى المبادرة للتوبة النصوح، وتغيير الهم ورفع الهمة.

لكن للأسف لا نجد هذا الأثر عند كثيرٍ مِن المسلمين!

ومِن السذاجة، بل مِن الانحراف: المبالغة في تقدير حجم الظلم أو عرض مجموعة مِن الصور الصادمة، ومقاطع الفيديو شديدة القسوة لاستفزاز مشاعر أولئك الغافلين الذين لا يتفاعلون مع الحدث كما ينبغي!

إن علاج ضعف التفاعل مع مثل هذه الأحداث لا يحتاج إلى تقارير صحفية أو تحليلات سياسية.

إن علاج هذا الضعف يحتاج إلى إعادة بناء منظومة عقدية وفكرية وتربوية متكاملة، فمثلًا: عقيدة الولاء والبراء، وأن المسلمين يد على مَن سواهم، وأنهم إخوة لا تفرقهم الأوطان، ولا القوميات، ولا العرقيات، ولا الأجناس، ولا الألوان... أقول قضية الولاء والبراء لا تُبنى بناءً صحيحًا بمجرد متابعة وسائل الإعلام، ونشر شيءٍ منها عبْر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تحتاج إلى بناءٍ راسخ أساسه الانطلاق مِن نصوص الكتاب والسُّنة، ولحمته وسداه عمق محبة الله -جلَّ في علاه-، وصدق الانتماء لدينه الذي لا يرضى دينًا سواه.

وكذلك الإيمان بالقضاء والقدر، وأن كل أحداث الحياة هي مِن تقدير الله، وقد قدَّرها بحكمةٍ ولحكمةٍ، وأن مَن سنن الله -تعالى- في معاملة المؤمنين أنه قد يسلط عليهم الكافرين تذكيرًا لهم بذنوبهم، وليسوقهم بذلك إلى التوبة والإنابة.

إن الإغراق في الانشغال بتفاصيل الأحداث، وتركيز النظر على أسبابها الظاهرة فقط، لا يخدم أبدًا مَن يريد تحقيق الإيمان بالقدر في الأمة، ولا يخدم مَن يريد تبصير الناس بسنن الله -تعالى- في معاملة عباده، ودلالتهم على فقه الاستفادة منها.

وهكذا في كل القضايا الفكرية والعقدية، وكذلك الجانب العملي في التفاعل مع قضايا الأمة؛ فلا نتوقع مثلًا أن تتحرك عموم الأمة وجموع الجماهير في عمل إغاثي مثلًا لمجرد خطبة حماسية عصماء، بل الأمر يحتاج إلى بناءٍ تربوي، ومتابعة دورية.

فاليوم دعوة للتفاعل مع حدثٍ عالمي، وغدًا حدث إقليمي، وبعد غدٍ حدث محلي... وهكذا في كل مرة يتحول بعض المسلمين مِن الغرق في اهتماماتهم الذاتية ومشاكلهم الشخصية إلى الاندماج في العمل العام.

ويتحول كذلك المشاركون في العمل العام مِن الرتابة والروتينية والانقطاع المتكرر، وضعف تحمل المسئولية إلى أن يصبح الجد في العمل العام خلقًا ثابتًا فيهم، كأنه يجري في دمائهم، ولا يتم كل ذلك إلا إن قام عليه مربون ربانيون، صابرون مصابرون مرابطون.

على كل حال تأتي مثل هذه الأحداث المروعة لتذكرنا بتقصيرنا في حق أنفسنا، وفي حق أمتنا، وتظهر أمامنا حجم التحدي الذي تواجهه أمتنا: "فكريًّا وتربويًّا"، قبْل ما تواجهه "سياسيًّا وعسكريًّا".

وعندما يقارن المرء بيْن حاله وبيْن ما ينبغي أن يكون عليه، لا يملك إلا أن يعود باللائمة على نفسه، وينطلق لسانه بدعاء ذي النون -عليه السلام-: "لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنتُ مِن الظالمين".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.