إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 يوليه 2017 - 1 ذو القعدة 1438هـ

احفظ رمضانك ليوم حسابك (2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما سأل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قوله -تعالى-: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) (البقرة:266)، قال عن الآية: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ: "أَيُّ عَمَلٍ؟" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لِعَمَلٍ"، قَالَ عُمَرُ: "لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ" (رواه البخاري).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها مِن المثل بعمل مَن أحسن العمل أولاً، ثم بعد ذلك انعكس سيره؛ فبدَّل الحسنات بالسيئات -عياذًا بالله مِن ذلك-، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم مِن الصالح، واحتاج إلى شيءٍ مِن الأول في أضيق الأحوال فلم يحصل منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال -تعالى-: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ) وهو الريح الشديد، (فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ): أي أحرق ثمارها، وأباد أشجارها؛ فأي حال يكون حاله؟!" (تفسير ابن كثير).

فمَن حصَّل في رمضان الحسنات الكثيرة كهذا الغني -الذي ضرب به المثل في الآية- صاحب الجنة ذات النخيل والعنب -وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الأشجار-، وله ذرية صغار ضعفاء مِن البنات والغلمان؛ فكانت معيشته ومعيشة ذريته مِن ذلك البستان، فلما ضيع ما كان معه مِن الحسنات بعمل السيئات التي أضاعتْ عليه ثواب ما كان قدَّم في "رمضان" - كان حاله بذلك كحال صاحب هذا البستان عندما أصاب بستانه ريح فيها نار فأحرقته، فلم يعد يملك شيئًا، ولم يكن عنده قوة -لكبره- على أن يغرس شجره ثانية، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون به على أبيهم، فافتقر عند أشد الحاجة للبستان وشجره؛ عند كبر سنه وضعف ذريته.

وكذلك حال مَن ضيع ثواب "رمضان" العظيم الذي حصَّله باجتهاده في الطاعة في رمضان، ثم أضاعه بعده، فلم يجد هذا الثواب في صحيفة حسناته يوم القيامة أحوج ما تشتد حاجته إليه، فيا له مِن مثل لمَن يعتبر!

لذا ختم الله -تعالى- الآية بقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:266).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها، كما قال -تعالى-: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت:43)، وعن ابن عباس قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ): تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها" (تفسير ابن كثير).