إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 30 مايو 2017 - 4 رمضان 1438هـ

المسارعة إلى الخيرات في أزمنة النفحات

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن هذه الأمة الإسلامية أمة مرحومة، لها خيريتها وفضلها على جميع الأمم، اختصها الله -تعالى- بخصائص جليلة، ومِن أعظمها ما جعله الله لعباده مِن نفحات الرحمة ومواسم الطاعة؛ ليتزودوا فيها بما يقربهم إليه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني).

ومِن أعظم مواسم البر، وخير أيام العمر: "شهر رمضان"، وهو مِن أجلِّ النفحات، وأعظم العطايا والهبات (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة:185)، شهرُ الرّحمات والبركات، والحسنات والخيرات، وسكب العبرات، وإقالة العثرات، تُفتح فيه أبوابُ الجنّة وتُغلَق أبوابُ النّار، فيه ليلةُ القدر خيرٌ مِن ألفِ شهر، مَن صامه وقامه غُفر له ما تقدّم مِن ذنبه، ولله -تعالى- فيه عتقاءُ مِن النّار.

كان -صلى اللَّهُ عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدومه: (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، قال معلى بن الفضل -رحمه الله-: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم"، فالواجب على العبد أن يتقدَّم ولا يتأخر، ويمضي ولا يلتفت، ويطرق أبواب الخير، وما فتح له مِن بابٍ فليلزمه؛ ويدعو الله بالثبات.

وقال خالد بن مَعْدَان -رحمه الله-: "إذا فُتحَ لأَحَدُكُم بَابُ خيرٍ؛ فليسرع إليه فإنه لا يدري متى يُغلق عنه".

فقد جعل الله أعلى المنازلِ في الجنّات لأهل السبق في الخيرات، فقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الواقعة:10-12)، وقال -تعالى-: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة:148)، فاليومَ المضمارُ، والسباق إلى الجنةُ، فبالعفوِ تنْجونَ، وبالرحمةِ تدخلونَ، وبالأعمالِ تقتسمونَ المنازلَ، (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) (الإسراء:19).

طلب الجنة بدون سعي وعمل جنون وعبث.

قال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: "عمل كالسراب، وقلب مِن التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب! هيهات أنتَ سكران بغير شراب!".

فمَن تفرَّغ مِن هُموم الدنيا قلبُه؛ قلَّ تعبُه وتوفَّر مِن العِبَادة نصيبه، واتصل إلى الله مسيرهُ، وارتفع في الجنة مصيرُه، ومَن كثر في الدنيا همُّه، أظلم طريقُه، ونصَب بدَنُه، وضاع وقتُه، وتشتَّت شمله، وطاشَ عقلُه، وانعقد عن الذكر لسانُه؛ لكثرة همومه وغمُومه، وصار مُقيد الجوارح عن الطاعة؛ فاستعذ بالله مِن فضول الأعمال والهموم، فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومَن فاته رضا مَولاه؛ فهو محروم.

فيا نائمًا طول الليل… سارت الرفقة، وطلعت شمس الشيب، وما انتهت الرقدة، لو قمتَ وقت السحر رأيتَ طريق العباد قد غص بالزحام.

ويا أيها العاصي… ما يقطع من صلاحك الطمع، ما نصبنا اليوم شرك المواعظ إلا لتقع، فإذا عزمتَ على التوبة، قالت لك ملائكة الرحمة: مرحبًا وسهلًا، فإن قال لك رفقاؤك في المعصية: "هلم إلينا!"، فقل لهم: "كلا، ذاك خمر الهوى الذي عهدتموه قد استحال خلاً!".

إنما يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن في الأوقات الفاضلة، والأحوال الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم، وتساعدت القلوب، وعظم الجمع؛ فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله -تعالى-، مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة.