إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 23 مايو 2017 - 27 شعبان 1438هـ

لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟! (2)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 فما زلنا مع بعض الأسباب والعوائق التي تحول بيننا وبيْن استثمار شهر رمضان والاستعداد المناسب له، وبيان علاجها.

3- طول الأمل:

أحيانًا يحدِّث أحدنا نفسه أنه إن لم يدرك الاجتهاد في شهر رمضان الحالي أو المقبل بعد أيام؛ فإن الفرص كثيرة برمضانات أخرى ستأتي وكأنه سيخلد إلى آخر الزمان، ولا يدرك أنه ربما يكون هذا آخر رمضان يدركه، والذي يوقعه في هذا هو طول الأمل وعدم استشعار مفاجأة الموت له، وقد تكلم المقدسي عن الموت وطول الأمل، فمما ذكره في ذلك: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) يَعْنِي الْمَوْتَ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وقال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحًا، وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عليه، وهان عليه جميع ما فيها.

وكان حامد القيصري يقول: كلنا قد أيقن الموت، وما نرى له مستعدًّا، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملًا، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفًا، فعلامَ تفرحون؟! وما عسيتم تنتظرون؟! الموت، فهو أول وارد عليكم مِن أمر الله بخير أو بشر!

فيا إخوتاه! سيروا إلى ربكم سيرًا جميلًا.

واعلم أن خطر الموت عظيم، وإنما غفل الناس عنه لقلة فكرهم وذكرهم له، ومَن يذكره منهم إنما يذكره بقلبٍ غافل، فلهذا لا ينجع فيه ذكر الموت، والطريق في ذلك أن يفرِّغ العبد قلبه لذكر الموت الذي هو بيْن يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا في ذلك. وأنفع طريق في ذلك ذِكْر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله، فيذكر موتهم ومصارعهم تحت الثرى.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (رواه البخاري).

واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان:

أحدهما: حب الدنيا،

والثاني: الجهل.

أما حب الدنيا، فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها؛ ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه مِن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل مَن كره شيئًا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيُمني نفسه أبدًا بما يوافق مراده مِن البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه مِن مال وأهل ومسكن وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر، فيلهو عن ذكر الموت، ولا يقدر قربه، فإن خطر له الموت في بعض الأحوال والحاجة إلى الاستعداد له سوَّف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيام بيْن يديك إلى أن تكبر ثم تتوب! وإذا كبر قال: إلى أن يصير شيخًا، وإن صار شيخًا قال: إلى أن يفرغ مِن بناء هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة، أو يرجع مِن هذه السفرة! فلا يزال يسوف ويؤخر، ولا يحرص في إتمام شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال، وهكذا على التدريج يؤخر يومًا بعد يوم، ويشتغل بشغل بعد شغل، إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرته، وأكثر صياح أهل النار مِن "سوف" يقولون: واحسرتاه! مِن "سوف".

وأصل هذه الأماني كلها: حب الدنيا والأنس بها، والغفلة عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ, فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه، ويستبعد قرب الموت مع الشباب، أوَليس يتفكر المسكين في أن مشايخ بلده لو عُدُّوا كانوا أقل مِن العشر؟ وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي وشاب، وقد يغتر بصحته ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، وإن استبعد ذلك فإن المرض يأتي فجأة، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدًا، ولو تفكر وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص مِن صيف وشتاء، وربيع وخريف، وليل ونهار، ولا هو مقيد بسن مخصوص مِن شاب وشيخ أو كهل أو غيره؛ لعظم ذلك عنده واستعد للموت.

وقد ورد الشرع بالحث على العمل والمبادرة إليه فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) (رواه البخاري)" (انتهى بتصرف واختصار مِن مختصر منهاج القاصدين).

وإذا طال الأمل ضعف العمل، ووقع التسويف، وتكرر على خاطر العبد: إن فاتني رمضان هذا العام فإني سأجتهد في رمضان المقبل... إلى آخر ذلك مِن الأماني والتسويف، وربما يضيع رمضان تلو رمضان حتى يفاجأ أحدنا بملَك الموت وانقطاع العمر!

4- شؤم المعاصي:

لقد تكلم ابن القيم في "الداء والدواء" عن عقوبات الذنوب والمعاصي، ومما قال: "ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبيّن الله، لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلًا، ولو اجتمعت له لذّاتُ الدنيا بأسرها لم تفِ بتلك الوحشة، وهذا أمر لا يحسّ به إلا مَن في قلبه حياة. وما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ، فلو لم تترك الذنوب إلا حذرًا مِن وقوع تلك الوحشة؛ لكان العاقل حريًّا بتركها.

وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشةً يجدها في نفسه فقال له:

إذا كنتَ قد أوحشتك الذنوبُ                          فــدَعـْها إذا شئـتَ واستأنسِ

وليس على القلب أمَرُّ مِن وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان".

ثم قال: "ومنها: أنّ المعاصي تزرع أمثالَها، ويولّد بعضها بعضًا حتى يعزّ على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إنّ من عقوبة السيئةِ السيئةَ بعدها، وإنّ مِن ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح، وتزايدت الحسنات. وكذلك جانب السيئات أيضًا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة، فلو عطّل المحسِن الطاعة؛ لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحسّ مِن نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتىّ يعاودها، فتسكن نفسه وتقرّ عينه.

ولو عطّل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة؛ لضاقت عليه نفسُه، وضاق صدره وأعيَتْ عليه مذاهبُه حتى يعاودها، حتى إنّ كثيرًا مِن الفسّاق ليواقع المعصية مِن غير لذة يجدها ولا داعية إليها؛ إلا لِما يجد مِن الألم بمفارقتها؛ كما صرّح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول:

وكـأس شـربـتُ عـلى لذة                             وأخرى تداويتُ منها بها

وقال آخر:

فكانـت دوائـي وهـي دائـي بعـينه                    كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبّها ويؤثرها حتى يرسل الله -سبحانه وتعالى- برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرّضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي ويحبّها ويؤثرها حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا، فالأول قوّى جندَ الطاعة بالمدد فصاروا مِن أكبر أعوانه، وهذا قوّى جندَ المعصية بالمدد فكانوا أعوانًا عليه".

فما أحوجنا إلى توبةٍ نصوح ينصلح بها حال قلوبنا فتقبل على الطاعات وتنفر مِن المعاصي؛ وإلا فإن مِن عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تكون حاجزًا للعبد عن الإقبال على طاعة مولاه لاسيما في مواسم الطاعات مثل شهر رمضان.

5- الكسل وضعف الهمة في الطاعات:

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) (متفق عليه).

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "وأما الكسل فهو عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة مع إمكانه، وأما العجز: فعدم القدرة عليه، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما تستحب الإعاذة منه".

ومِن جملة علاج الكسل: الصبر؛ فيحتاج العبد إلى الصبر على الطاعات؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية، ثم مِن العبادات ما يكره بسبب الكسل: كالصلاة، ومنها ما يكره بسبب البخل: كالزكاة، ومنها ما يكره بسببهما جميعًا: كالحج والجهاد.

ويحتاج العبد إلى الصبر على طاعته في ثلاثة أحوال:

- حال قبْل العبادة، وهي تصحيح النية، والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء.

- وحال في نفس العبادة، وهي أن لا يغفل عن الله -تعالى- في أثناء العبادة، ولا يتكاسل عن تحقيق الآداب والسنن، فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ مِن العمل.

- الحالة الثالثة بعد الفراغ مِن العمل: وهي الصبر عن إفشائه والتظاهر به لأجل الرياء والسمعة وعن كل ما يبطل عمله، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى أبطلها" (انتهى مِن مختصر منهاج القاصدين، بتصرف).

فمن ابتلي بالكسل ولم يصبر على فعل الطاعات ضاع منه عمره؛ لا سيما مواسم الطاعات، مثل شهر رمضان.