إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 21 مايو 2017 - 25 شعبان 1438هـ

لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟! (1)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلما علمنا باقتراب مجيئه دخلتْ علينا البهجة وأصابنا السرور، وصارت أنفسنا تُحدِّثنا بالاستعداد له قبْل حلوله، لكننا شغلنا عن ذلك كالعادة، ثم جاءنا الخبر حال انشغالنا أنه قد حلَّ بنا، فقمنا بمحاولة ترتيب أمورنا لكي نستثمر فرصة وجوده، لكن ما هي إلا أيام حتى أصابنا الفتور -إلا مَن رحم ربي-، وعُدْنا لانشغالاتنا السابقة مع محاولاتٍ ضعيفة العزم للاستفادة مِن وجوده، ثم فوجئنا بسرعة مرور أوقاته، فلما مضت مدة منه صرنا نُمنِّي أنفسنا أن الفرصة لا زالت باقية حيث لم يمضِ على مجيئه سوى عدة أيام، فلما بلغت مدة بقائه النصف صرنا نحدث أنفسنا بالاستفادة مِن أواخر المدة فهي أفضل الأوقات فيه، فلما صرنا في أواخر مدته صارت الأيام والليالي تنقضي يومًا بعد يوم، وليلة بعد ليلة، ونحن نحاول الاستفادة، لكن مع همةٍ ضعيفة، وقلوبٍ منشغلة!

فلما أيقنا أنه لم يبقَ مِن مدته إلا ساعات أو دقائق أصابتنا الحسرة على فواته، وربما سكبت أعيننا عبرات على سرعة انقضاء هذه المدة، وصرنا نحدث أنفسنا أننا إن عشنا حتى أدركناه مرة أخرى سيكون حالنا -إن شاء الله- أحسن واستقبالنا أفضل، ثم لما مضى وانقضى عُدْنا لسابق عهدنا وانشغلنا حتى علمنا باقتراب مجيئه مرة أخرى، فعُدْنا إلى سيرتنا الأولى في التقصير.

أخي القارئ الكريم، وأختي القارئة الفاضلة... هذا هو شهر رمضان، وذلك عهدنا قبْل حلوله وعند مجيئه، ولما صار هذا الحال متكررًا منِّي، وقد يلمسه غيري مِن نفسه؛ أحببتُ أن أقف على حل لهذه العويصة المتكررة، فأنصح بذلك نفسي وأنصح إخواني، فتساءلتُ هذا السؤال:

لماذا لم نستثمر فرصة وجوده؟!

ولعل قائلاً يجيب: لأننا لم نستعد له استعدادًا مناسبًا.

فيُقال: هذا حق، لكن لماذا لم نستعد له استعدادًا مناسبًا، فيتحول السؤال الأول إلى سؤال مركب، وهو:

لماذا لم نستثمر فرصة وجود رمضان؟!

ولماذا لم نستعد له استعدادًا مناسبًا؟!

وقد وفقني الله -تعالى- للوقوف على بعض أسباب ذلك، وبالوقوف عليها يمكننا أن نهتدي إلى العلاج، وبضدها تَتَبَيَّنُ الأشياء.

فمن جملة ذلك:

1- الرضا عن النفس:

إن أولى خطوات الإصلاح أن يشعر المرء بالتقصير، وأن يتفهم المريض أنه بحاجة إلى العلاج، لكن عددًا منَّا قد لا يتفطن إلى حجم تقصيره البالغ في حق الله -تعالى-، ولا يستحضر الكم الهائل مِن المعاصي التي ارتكبها أو الطاعات التي فرَّط فيها، وكأنه راضٍ عن نفسه.

إننا نوقن أن الإيمان يزيد وينقص، لكننا نتعامل مع أنفسنا كأنه لا ينقص، فلا بد للإنسان أن يكون صريحًا مع نفسه، وأن يَعرض نفسه على أوامر الله -تعالى- ليقف على مدى خطورة موقفه الحالي فيدفعه ذلك إلى التشمير عن ساعد الجد، وانتهاز فرصة وجوده في هذه الدنيا على وجه العموم، وفرصة استثمار مواسم الطاعات والقربات على وجه الخصوص.

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه" (صيد الخاطر 351).

وذكر ابن القيم -رحمه الله- في "مدارج السالكين" أن حسن الظن بالنفس يَمنع مِن كمال التفتيش ويُلَبِّس عليه؛ فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالاً! فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك.

فـعـين الرضا عـن كـل عـيـبٍ كَـليلَةٌ                كما أنَّ عين السُّخْط تُبدي المساويا

ولا يسيء الظن بنفسه إلا مَن عرفها، ومَن أحسن ظنه بنفسه فهو مِن أجهل الناس بنفسه.

وقال الغزالي -رحمه الله-: "ومَن أعجب بنفسه قَلَّ تشمره، وإنما يتشمَّر للعمل مَن يرى نفسه مقصرًا" (إحياء علوم الدين).

وقد ذكر الماوردي -رحمه الله-: "أن أول مقدمات إصلاح النفس ألا يسبق إلى حسن الظن بنفسه، فتخفى عنه مساوئ أخلاقه؛ لأن النفوس بالشهوات آمرة، وعن الرشد زاجرة، وقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (يوسف:53)" (أدب الدنيا والدين).

ثم قال: "وذهب قوم إلى أن سوء الظن بها أبلغ في صلاحها، وأوفر في اجتهادها؛ لأن للنفس جَوْرًا لا ينفك إلا بالسخط عليها، وغرورًا لا ينكشف إلا بالتهمة لها؛ لأنها محبوبة تجور إدلالًا، وتغر مكرًا، فإن لم يسئْ الظن بها غلب عليه جَوْرها، وتموَّه عليه غرورها، فصار بميسورها قانعًا، وبالشبهة مِن أفعالها راضيًا" (أدب الدنيا والدين).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وقال بعض العارفين: متى رضيتَ نفسك وعملك لله؛ فاعلم أنه غير راضٍ به، ومَن عرف أن نفسَه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!" (مدارج السالكين).

فإذا لم يرضَ العبد عن نفسه، واستشعر تقصيره وسعى في تداركه؛ دعاه ذلك إلى الإحسان لا سيما في مواسم الطاعات، مثل "شهر رمضان".

2- الانشغال بالدنيا عن الآخرة:

قال الله -تعالى-: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص:77).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ)، أي: استعمل ما وهبك الله مِن هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) أي: مما أباح الله فيها مِن المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقـًّا، ولنفسك عليك حقـًّا، ولأهلك عليك حقـًّا، ولزَوْرك عليك حقـًّا، فآتِ كل ذي حق حقه" (تفسير ابن كثير).

وليس المراد ترك الدنيا، بل المراد كما قال السعدي -رحمه الله-: "أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك" (تيسير الكريم الرحمن).

فالسعي للفوز في الآخرة هو الأصل وهو لا ينافي الانتفاع بما أباحه الله في الدنيا، لكن أن يَطغى طلب المباح على الأصل؛ فهذا اضطراب في السلوك؛ ينشأ عنه تكالب على الدنيا على حساب السعي للفوز في الآخرة، بما في ذلك اغتنام مواسم الطاعات والقربات.

- قال القرطبي -رحمه الله-: "ولقد أحسن مَن قال في تفسير قوله -تعالى-: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ): أي اطلب فيما أعطاك الله مِن الدنيا الدارَ الآخرة وهي الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء، والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنسَ أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:

نصيبك مما تجمع الدهر كله                         رداءان تُلوى فيهما وحـنوط

وقال آخر:

هـي الـقـنـاعـة لا تـبـغـي بـهـا بدلاً                              فـيها الـنعـيـم وفـيهـا راحـة الـبـدن

انـظـر لـمن مَـلك الـدنـيا بأجـمعـهـا                             هل راح منها بغير القطن والكفن؟"

- "يا أيها الغافل عن نفسه، المغرور بما هو فيه مِن شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أُخبرتَ بأن النار مورد للجميع إذ قال -سبحانه-: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم:71-72)، فأنتَ مِن الورود على يقين، ومِن النجاة في شك؛ فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه" (إحياء علوم الدين، بتصرف).

وها هو الإمام النووي -رحمه الله- يقول في "رياض الصالحين": "ولقد أحسن القائل:

إن لـلـه عـــبــادًا فـُــطـَــنـَـا                           طلَّقوا الدنيا وخـافـوا الفتنَا

نـظـروا فيها فـلَما عـلـمــوا                           أنـهـا لـيـســت لـحيٍّ وطـنَا

جـعـلـوها لـُـجـَّـةً واتـخــذوا                           صـالحَ الأعمال فيها سُفُنَا"

ذلك أن الأمر كما قال الله -تعالى-: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:64).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فيحتمل قوله -تعالى-: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) معنيين: أحدهما: أن حياة الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا تنغيص فيها ولا نفاد لها، أي: لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدرًا على هذا. الثاني: أن يكون المعنى أنها الدار التي لا تفنى، ولا تنقطع ولا تبيد كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا، فهي أحق بهذا الاسم مِن الحيوان الذي يفنى ويموت" (حادي الأرواح).

فإذا كان العبد حريصًا على علو درجته في الآخرة، زاهدًا في الدنيا؛ دعاه ذلك إلى الإحسان، لا سيما في مواسم الطاعات، مثل شهر رمضان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.