إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 21 فبراير 2017 - 24 جمادى الأولى 1438هـ

هل تتفقد طيرَك... ؟!

كتبه/ شحاتة صقر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهل تتفقد طيرَك؟!

هل تتفقد نفسك وزوجتك وأولادك ومَن تدعوهم؟!

إن نبي الله سليمان -عليه السلام- كان ملِكًا نبيًّا ولم تمنعْه كثرة مشاغله الدينية والدنيوية عن متابعة بعض جنوده، قال الله -تعالى-: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل:20-21).

وإن المتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يجد أن الإحصاء والمتابعة مِن هديه -صلى الله عليه وسلم- في عمله الدعوي؛ فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ) (رواه مسلم). وفي رواية للبخاري: (اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ مِنَ النَّاسِ)، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ رَجُلٍ.

وعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "نَزَلَ بِنَا ضَيْفٌ بَدَوِيٌّ فَجَلَسَ بِهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَامَ بُيُوتِهِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنِ النَّاسِ: كَيْفَ فَرَحُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَكَيْفَ حُزْنُهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَمَا زَالَ يُخْبِرُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالَّذِي يَسُرُّهُ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ نَضِرًا" (أخرجه بحشل في " تاريخ واسط، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة).

والمتابعة مِن أسس الإدارة الناجحة؛ فما هي المتابعة؟

إن المتابعة عملية منظمة ومخطَّطة ومستمرة، تتم بصفة دورية ومنتظمة لجمع وتحليل المعلومات والبيانات للأعمال والبرامج؛ لتحديد مدى توافق سير أنشطة العمل مع الخطة الموضوعة له؛ لبيان الوضع الحالي للعمل، ثم إعدادها وتوصيلها إلى إدارة العمل أو غيرها مِن الجهات المعنية؛ بغرض مساعدتهم على اتخاذ القرارات المناسبة لتنفيذ العمل بكفاءةٍ نحو تحقيق الأهداف المخططة.

إن أي عمل ديني أو دنيوي لا بد له مِن المتابعة حتى يؤتي ثماره المرجوة، فأصحاب المشروعات التجارية وغيرها إن أهملوا متابعة أعمالهم فقد يؤدي ذلك إلى انهيار تلك المشروعات، والداعية إن أهمل متابعة نفسه ومتابعةَ مَن يدعوهم؛ فقد يؤدي ذلك إلى تساقطهم، بل إلى تساقطه نفسه من قطار الدعوة والالتزام.

وقد يستصعب بعض الدعاة مسألة المتابعة، ويتخيل أن مجرد إلقائه لخطبة أو محاضرة أو كلمة أو خاطرة ثم انصرافه إلى بيته دون التواصل مع مَن ينصحهم قد يغير المجتمع، نعم، هذا الإلقاء مِن وسائل الإصلاح، فالداعية يرمي البذرة، وقد تثمر الكثير دون أن يتعاهدها بالسقي وغيره، فقد ييسر الله لهذه البذرة مَن يقوم بذلك، وقد تكون التربة صالحة لنمو تلك البذرة الصالحة وخالية مِن الآفات التي لو وُجدت لقضت على تلك البذرة في مهدها، ولكن ماذا لو توافرت هذه الظروف الملائمة ثم تعاهد الداعية بذوره التي يضعها بعناية في مكانها المناسب ويتابعها كمزارع محترف يحسن صنعته ويتوكل على الله -سبحانه وتعالى-؟! إن النتيجة في الغالب أن يكون التوفيق حليفه.

فها هنا نموذجان: رجل يرمي نوى التمر في أي أرض، ثم بعد فترة يمر على تلك الأرض فقد يجد فيها بعض النخيل، نعم، ولكنه أيضًا قد لا يجد فيها إلا بعض الحشائش الضارة، فربما يقوم البعض باستئصال نخيله -إن كان هناك نخيل- ويزرع مكانه النباتات المخدِّرة، فشتان بيْن هذا وبين فلاح ماهر يُحسن الحرث والبَذْر فيضع النوى في مكانه المناسب، ويُحسن السقي والتسميد وغيره، ويقاوم الآفات التي تحاول النَّيْل مِن زرعه، وهو مع كل ذلك يتوكل على الله -سبحانه وتعالى-.

وهناك بعض الدعاة يهملون المتابعة وهم مع ذلك يستعجلون الثمرة، وينسَوْن أن النجار لا يَدُقّ المسمار مِن ضربةٍ واحدة بالمطرقة إلا إذا كان يحاول إدخال المسمار في عجين مثلاً، أما إن كان يتعامل مع حديدٍ أو خشب أو جدار مِن الطوب مثلاً؛ فإن الأمر يحتاج مِن النجار إلى تكرار الضرب على المسمار، مع ملاحظة أن المطرقة قد تصيب النجار أثناء ممارسته لعمله، وأن المسمار قد ينثني أثناء عمل النجار؛ فماذا يفعل النجار عندئذٍ؟ إن النجار يُخرج ذلك المسمار، ثم يصلح هذا الانثناء، ثم يحاول إدخال المسمار مرةً أخرى.

إن الداعية يتعامل مع نفوسٍ بشرية متفاوتة، فمِنها مَن هو كالعجين مع المسمار؛ سريع الاستجابة للحق، ومنها مَن هو كالخشب، ومنها مَن هو كالصخر الصلب؛ فعلى الداعية أن يراعي الفروق الفردية بيْن الناس، وعليه إن فشل مرةً -أو مرات- ألا ييأس، بل يعاود المحاولة، ويحاول إصلاح المسمار إذا انثنى ثم يحاول إدخاله مرةً أخرى.

إن الداعية أثناء عمله الدعوي ينبغي أن يتابع حجم استفادة المستهدفين مِن هذا العمل، ومدى تأثرهم به، ومدى إقبالهم عليه، وهل يساوي الجهد والمال المبذولين النتائج المتحققة أم لا؟

وهو مع أخذه بالأسباب يدعو الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقه في عمله الدعوي، وأن يجعله هاديًا مهديًّا، وأن يرزقه الإخلاص وأن يتقبل منه عمله.