إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 19 نوفمبر 2016 - 19 صفر 1438هـ

مفهوم الإدارة ومجالاتها وعلاقتها ببقية العلوم الإنسانية

كتبه/ أحمد عبد الحميد عنوز

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الباحث في علم الإدارة يجد أن مِن مقدمات ذلك العلم، تعريف (الإدارة)، وذلك شأنه شأن سائر العلوم التي تطورت وتداخلت مع غيرها؛ لذا مِن المهم الوقوف على تعريف العلم أولاً، ومجالات بحثه وتطبيقاته؛ حتى يمكن التركيز على الأهداف مِن دراسة ذلك العلم وترتيب أولويات الاهتمام به أو بغيره.

وتعريفات علم الإدارة تنوعت جدًّا بتنوع مجالاتها التطبيقية المختلفة، وهي تأتي بالأساس مِن واقع الخبرة العملية ممن تصدى للتنظير لهذا العلم، إلا أنه مع كثرة وتنوع التعريفات تجدها تدور حول أنه (العلم الذي يبحث في آليات الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة لتحقيق أهداف معينة)، ويمكن اعتبار ذلك تعريفًا مبدئيًّا يمكن إضافة تفاصيل أخرى إليه ليصبح أكثر دلالة على المراد مِن الإدارة في مجال بعينه دون غيره.

مِن التعريفات الغَرْبية للإدارة:

- وسيلة لتحقيق غايات محددة.

- تنفيذ الأشياء مِن خلال الناس لتحقيق أهداف محددة.

ومِن التعريفات العَرَبية للإدارة:

- عملية اجتماعية مستمرة، تعمل على استغلال الموارد المتاحة استغلالاً أمثل عن طريق التخطيط والتنظيم، والقيادة والرقابة؛ للوصول إلى هدفٍ محددٍ.

- نوع مِن أنواع الجهود البشرية التي تتسم بدرجةٍ عالية مِن الرشد؛ لإنجاز الأهداف التي جاء مِن أجلها ذلك العمل التعاوني.

- تنفيذ الأعمال بواسطة الآخرين عن طريق تخطيط وتنظيم وتوجيه، ورقابة مجهوداتهم.

- تنظيم وتوجيه وتنسيق ورقابة مجموعة مِن الأفراد داخل المنظمة لإتمام عمل معين، بقصد تحقيق هدف معين.

وكما ترى، فإن مجمل التعريفات للإدارة يدور حول كونها مجهودًا بشريًّا، وبقدر بذل الإنسان وعطائه في القيام بهذا المجهود فإنه يصير أكثر قدرة على تحقيق أهدافه؛ إلا أن مادية الجهد البشري لا ينبغي أن ينفصل عن اعتقاد القائم بالمجهود في أمور تخرج عن نطاق جهده وسعيه المبذول، وتؤثر في نتائجه تأثيرًا بالغًا؛ لا سيما إذا كان نطاق هذا العمل البشري يتعلق مباشرة بثمرات معنوية غير ملموسة ماديًّا: كهداية البشر واستجابتهم لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ودوام استقامتهم على الطاعة، ومقدار ما يقع في قلوبهم مِن التقوى والإخلاص والتوكل على الله -سبحانه وتعالى-.

لذا؛ فإننا إذا أردنا تحرير تعريف للإدارة المتعلقة بالعمل الدعوي -الذي يهدف إلى هداية الخلق، وإقامة الدين في نفوسهم ودنياهم- فينبغي إضافة عنصر "التوكل على الله" في تحقيق هذه الأهداف.

بالإضافة إلى ضرورة كون هذه الأهداف مباحة أو مشروعة في ذاتها، وكذلك لا ينبغي أن تخرج آليات تحصيل هذه الأهداف عن المشروعية أو الإباحة في أقل أحوالها.

وربما هذا مِن أهم ما يميز مجالات وأهداف وآليات الإدارة مِن منظور إسلامي، وهو البُعد الشرعي، أو ما يمكن التعبير عنه بالبُعد بالأخلاقي، إذا أردنا التوسع قليلاً في التعريف لـ"تجسير الفجوة" -إقامة الجسور- بيْن فلسفات الإدارة المادية والنفعية المحضة مِن جهة، والإدارة الإسلامية مِن جهة أخرى.

وبالتالي فيمكننا تعريف "إدارة العمل الدعوي" بكونها: "تنظيم آليات ووسائل التعاون على البر والتقوى؛ لتحقيق أهداف وغايات مشروعة بالاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية المباحة المتاحة؛ بالتوكل على الله -عز وجل-، والإحسان في أداء المهمات المختلفة عبْر عمليات التخطيط والتنظيم، والرقابة والتوجيه".

مجالات الإدارة الأساسية:

يمكن -بقليل مِن التجوّز- تقسيم الإدارة إلى إدارة خاصة، وأخرى عامة، بحيث تكون الإدارة الخاصة هي تلك المتعلقة بالأهداف الربحية ومضاعفة الثروة والموارد المالية، وهي ما يصطلح على تسميته بـ"إدارة الأعمال".

وتكون الإدارة العامة هي المتعلقة بالنفع العام للأمم، بحيث تضم الإدارة الحكومية وغير الحكومية كإدارة الأعمال المجتمعية والتطوعية والتنموية، وغيرها مِن الأنشطة غير الهادفة للربح.

ولما سبق؛ فإن المريد للاستزادة مِن العلوم الإدارية للانتفاع بها في مجال العمل الخدمي التطوعي -ومنه الدعوي- يحسن به أن يتوجه اهتمامه إلى علوم الإدارة العامة وتطبيقاتها؛ حتى لا يجد نفسه غارقًا في كومة كبيرة مِن المصطلحات والتطبيقات البعيدة عن نطاق اهتمامه الأصلي، مع الانتباه إلى كون الإدارة العامة تضم طيفًا واسعًا مِن النطاقات العملية تتفاوت قربًا وبُعدًا عن مجالات الإدارة التطوعية ذات الأهداف الدعوية.

علاقة الإدارة بالعلوم الأخرى:

مِن منطلق كونها جهدًا بشريًّا؛ فإن الإدارة لا تنفصل عن الخبرات المتراكمة في مجالات علوم اللغة والدين والاجتماع، وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا، والاقتصاد والسياسة والتقنية، وغيرها مِن العلوم التي تمثـِّل بمجموعها المنتج المعرفي والحضاري للإنسان؛ فإدارة البشر تحتاج إلى التعرف على دوافعهم النفسية وأنماطهم السلوكية، وأعرافهم المجتمعية وخبراتهم المتراكمة، وتجاربهم التاريخية في مجتمعاتهم الكبيرة (دولهم)، أو تلك الأضيق (أسرهم وقبائلهم وتنظيماتهم)، وكذلك علاقتهم بغيرهم مِن نفس بني جنسهم ودينهم ولغتهم، أو المختلفين عنهم فيما سبق، وكذلك تأثير الجغرافيا على تجمعاتهم البشرية وسلوكياتهم الاجتماعية والاقتصادية والموارد المتاحة لهم، والعلاقات -ومنها الصراعات- التي تنشأ مع غيرهم من المجتمعات التي تأتي مِن بيئاتٍ مختلفة تؤثر على أمزجتهم وأهدافهم، وسلوكياتهم الجمعية.

فأهل المدن يختلفون عن أهل البادية، وسكان الصحارى الحارّة يختلفون عن غيرهم مِن سكان المناطق الباردة، وذوي المهن الإنتاجية كالزراعة والرعي والصناعة يختلفون عن الشعوب التي تقاتل مِن أجل تحصيل مواردها بالاستيلاء على ثروات الغير، وسكان المناطق السهلية التي تأمن للأخطار الطبيعية يختلفون عمن يواجهون الظروف المناخية الصعبة أو الحيوانات المفترسة، والمجتمعات التي يمثِّل الدين مكونًا رئيسيًّا في ثقافتها تختلف عن غيرها مِن المجتمعات التي لا تقيم للدين وزنًا؛ فضلاً عن كون الدين نفسه -وهل هو دين حق أو مِن وضع البشر- يؤثر على عقليات وسلوكيات معتنقيه، وهكذا...

لذا كان مِن "أولويات المنشغل بالإدارة" التعرف على طبائع مَن يديرهم، ومكوناتهم الثقافية وعقلهم الجمعي، ومخاوفهم النفسية وتطلعاتهم المادية، وغير ذلك مِن العوامل التي تؤثر في طبيعة البشر واستجابتهم للتوجيه والإدارة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.