إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 12 نوفمبر 2016 - 12 صفر 1438هـ

الحقيقة والمجاز في صفات الله -تعالى- (6)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فالقائل إن زعم أنه -أي الله عز وجل- ليس له يد مِن جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق.

وإن زعم أنه -تعالى- ليس له يد زائدة على الصفات السبع؛ فهو مبطل، فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة.

أما الأول: فيقول: إن اليد تكون بمعنى النعمة والعطيّة، تسمية للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء، ومنه قولهم: "لفلان عنده أياد"، وقول أبي طالب لما فقد النبي -صلى الله عليه وسلم-:

يـا ربّ رُدَّ راكـِبـِي مــحـمـَّـدًا                         رُدَّه عليَّ واصْطَنِع عندي يدًا

وقول عروة بن مسعود لأبي بكر يوم الحديبية: "لولا يد لك عندي لم أجزِك بها لأجبتُك".

وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا، ومنه قول زياد لمعاوية: "إني قد أمسكت العراق بإحدى يدي، ويدي الأخرى فارغة"، يريد: نصف قدرتي ضبط أمر العراق، ومنه قوله -تعالى-: (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) (البقرة:237)، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.

وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه، قال الله -تعالى-: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) إلى قوله -تعالى-: (ذَ?لِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) (آل عمران:181-182)، أي: بما قدمتم، فإن بعض ما قدموه كلام تكلموا به، وكذلك قوله -تعالى-: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) إلى قوله: (ذَ?لِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) (الأنفال:50-51)، والعرب تقول: يداك أوكَتَا -أوكى القربة: شدّها بالوكاء (الرباط)-، وفُوكَ نَفَخ، توبيخًا لكل مَن جرَّ على نفسه جريرة؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه".

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ونحن لا ننكر لغة العرب التي نزل بها القرآن في هذا كله، والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وألحدوا في أسمائه وآياته تأولوا قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة:64)، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص:75)، على هذا كله، فقالوا: إن المراد نعمته، أي: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقالوا بقدرته، وقالوا: اللفظ كناية على نفس الجود مِن غير أن يكون هناك يد حقيقة، بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة في العطاء والجود، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي: خلقته أنا، وإن لم يكن هناك يد حقيقية، قلت له: فهذه تأويلاتهم؟ قال: نعم، قلت له: فننظر فيما قدمنا:

المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن مِن لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر:2)، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ) (آل عمران:173)، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) (التحريم:4).

أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد، وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنسِ، والجنسُ فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.

فقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) لا يجوز أن يُراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد، ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبِّر عن النعم التي لا تُحصى بصيغة التثنية.

ولا يجوز أن يكون "لما خلقت أنا"؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفاعل، كقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) (الحج:10)، و(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) (آل عمران:182، الأنفال:51)، ومنه قوله -تعالى-: (مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) (يس:71).

أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدّى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه، ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يُقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلَتْه يداك؛ لأن مجرد قوله "فعلت" كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يُرِد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة مِن غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم -إن شاء الله تعالى- أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.

وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز ألبتة مِن جهة نفس اللغة.

قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله -تعالى-: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) (ق:24)، وإنما هو خطاب للواحد.

قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: "أَلْقِيَا" قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألقِ ألقِ، وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد، ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليلي! خليلي! ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين -ورد عن العرب أن الواحد منهم قد يتخيل رفيقين، وهما غير موجودين بالفعل، كقول امرئ القيس: قِفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ- فقوله "أَلْقِيَا" عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه ألبتة".

ونستكمل باقي مقامات الرد في مقالات قادمة -بإذن الله تعالى-.