إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 09 سبتمبر 2016 - 8 ذو الحجة 1437هـ

مؤتمر "جروزني" بيْن الإقصاء والتفريق

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاء البيان الختامي لمؤتمر "جروزني" الذي عُقد برعاية روسيا الاتحادية -وريثة الاتحاد السوفيتي- التي ‏لها تاريخ في الماضي والحاضر في سفك الدماء ونشر الإلحاد في المسلمين "وفي غيرهم" بالحديد ‏والنار، ولها تاريخها في تدمير "جروزني" -خصوصًا- بسياسة الأرض المحروقة؛ فضلاً عن باقي القوقاز، ‏ولها تاريخها في انتهاك حقوق الإنسان -والمسلمين خصوصًا- بالقتل والتعذيب والاغتصاب، و"بوتين" -رجل المخابرات السوفيتي سابقًا- له النصيب الأكبر في ذلك، ولها تاريخها في دك وتخريب المدن ‏السورية على أهلها حتى صارت "حلَب" اليوم لا يسكنها إلا 3% مِن سكانها أو أقل!

وإذا ‏بروسيا -مرة واحدة- تصبح راعية لمؤتمر إسلامي يحدّد مَن هم أهل السُّنة والجماعة؟!

هل يتصور ‏عاقل حِرصُ روسيا الشديد على نشر المفهوم الصحيح للإسلام؟!

ثم كانت الآفة القاتلة الثانية، ‏وهي أن المؤتمر اقتصر في دعوته وبيانه الختامي على اتجاه بعينه، يحاول سرقة لقب "أهل السُّنة ‏والجماعة" مِن أهله، وأقصى -بالكلية- الاتجاه السلفي بكل أطيافه، حتى العقلاء الذين تم ‏دعوتهم -الذين يميلون إلى التعايش والتقارب بيْن الاتجاهات الإسلامية- لم يلتفت المؤتمر في بيانه ‏الختامي لدعوتهم وصوتهم الذي مثّله "شيخ الأزهر" في كلمته، والتي نص فيها على ما يعتقده ‏ويدعو إليه -وإن كان مِن الواضح أنه يجد ممانعة شديدة حتى في داخل مؤسسته- مِن أن "أهل السُّنة والجماعة" هم: "الأشاعرة - الماتريدية - وأهل الحديث"، فلم يُقصِ السلفيين الذين يدخلهم تحت اسم "أهل الحديث" كما نعلم ذلك منه شخصيًّا ونحمده عليه دائمًا.

ونحن نرى أن روح التعايش مع الاختلاف وتجنب الحِدّة في الحكم على المخالف -ما أمكن ذلك شرعًا- هو المنهج السلفي الصحيح، وهو الذي طبقه شيخ الإسلام "ابن تيمية" فكرًا وتطبيقًا، وهو القائد الروحي والمعلِّم المقدَّم عند كل الحركات السلفية المعاصرة، ورسالته في الرحمة بأهل البدع قد درسها تلامذته، وامتناعه عن التكفير إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وكذلك عنده التفسيق والتبديع، وقد يطلق القول بالكفر أو الفسق أو البدعة على اعتقاد أو قول معين، لكن لا يكفّر ولا يفسّق ولا يبدّع المُعَيّن إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وأصَّل لذلك مِن كلام الأئمة، كالإمام أحمد يحدّ شارب النبيذ المختلف فيه ولا يرد شهادته، أي لا يحكم بفسقه، وأئمة الحديث يحكمون على أقوال وعقائد بالبدعة، ويروون عن الثقات منهم إلا ما رأوه يوافق بدعتهم، والشافعي لم يرد شهادة أحد مِن أهل الأهواء إلا "الخطابية" -وهي فرقة مِن "الرافضة"-؛ لأنهم يستحلّون الكذب على مَن خالفهم، ولا يضر شيخ الإسلام "ابن تيمية" -كما لم يضر مَن سبقه مِن الأئمة- انتساب طوائف منحرفة له، لم تفهم كلامه أو طبقته تطبيقًا ضالاً، فلا يجوز أن يُحمَّل الأئمة وأهل العلم أخطاء وخطايا وانحراف مَن اتبعوهم أو انتسبوا إليهم.

وللأسف الشديد لم يراعِ مَن أعدَّ البيان الختامي أن عامة شباب الصحوة في كل الأقطار ينتسبون إلى مذهب السلف في الجملة، وأن إقصاءهم مِن أهل السُّنة والجماعة هو روح عدائية تبثّ الفرقة وتعمِّم الخلاف.

وأنهم حصروا "أهل السُّنة" في "الأشاعرة والماتريدية" رغم أن كل عاقل يجزم بأن الكِتابَ والسُّنّة وأقوال الصحابة الذين علّموا الناس الدين ونشروه في العالم خَلَتْ بالكلية مِن الفلسفة وعلم الكلام والمنطق اليوناني، كما خلت مِن مقامات "الفَناء والدهش والسكْر والهيمان" ونحوها كما يقولها متأخرو الطُرق، كما خَلَتْ مِن إلزام المكلَّف بعالِم بعينه يأخذ كلامه ويتعلم فقهه دون غيره مِن العلماء.

نقول إنهم حين حصروا "أهل السُّنة والجماعة" في "الأشاعرة والماتريدية" وأتباع المذاهب الأربعة والصوفية، فإنهم يَدفعون مَن خلفَهم للأقوال المتشددة؛ فبدلاً مِن وجود مَن يَعُدّ "الأشاعرة" مِن "أهل القِبلة" ويُبيّن الفرق بيْن "النوع والعَين" في التبديع -والذي يعني عدم تبديع المُعَيَّن مع وجود الشبهة- ويعتبر "الأشعري" إمامًا مِن أئمة المسلمين، فسوف يتصدر المشهد -بدلاً مِن هؤلاء- مَن يرى إخراجهم مِن "أهل القِبلة" ولا يقبل التعايش معهم مع الاختلاف.

ولقد مرَّت الأمة بأزمنة الفتنة الحادة بيْن "الحنابلة" و"الأشاعرة"، يذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية"، كما مرت بأزمنة تعايش وهدوء مع ثبوت الاختلاف؛ فأي الأمرين تريدون؟!

فلا بد أن يعلم الجميع أن أسلوب القمع -المادي والمعنوي والفكري- هو أعظم أسباب انتشار التطرف والانحراف.

مع أنه لم يُفلح في تحقيق غرض الإبادة -التي تعرض لها شعب الشيشان على يد "ستالين"- أن تُمحى إرادتهم، بل وظلت الأجيال تتناقل عداوة الرّوس واستحالة التعايش معهم، الإسلاميون وغير الإسلاميين على السواء إلا الخونة والعملاء.

ورغم سياسة الأرض المحروقة في أفغانستان لم ينجح "الدُّب الروسي" في إنهاء المقاومة، بل انتصرت في النهاية، ورحل الاحتلال مخزيًا.

ورغم إبادة محمد علي لـ "الدرعية" والأفعال الفظيعة التي تمت في هدم الدولة السعودية الأولى لم تنته الفكرة منهجًا ودولة.

فالعقل والتاريخ -بعد الشرع- يؤكد أن البغي لا ينتصر، والظلم لا يدوم؛ فلماذا تختارون خيار الإقصاء والفرقة؟!

مع أننا نرفض الفوضى الفقهية والتلفيق بلا دليل؛ إلا أن الترجيح بالدليل إنما يكون لمن وصل إلى الاجتهاد ‏-ولو كان بدعيًّا في بعض المسائل كما هو مذهب طائفة مِن العلماء- أو لمن هو في مرتبة الاتباع وهو مَن ‏يأخذ القول بالحجّة، هذا المنهج لا يعد خروجًا عن إجماع الأمة، بل ويفتح أبوابًا للتقارب بيْن المختلفين، ‏خصوصًا مع نشر الخلاف على طريقة الأئمة مِن السلف.

ولا ننسى الدور العظيم الذي قام ‏به الإمام "الشوكاني" و"الصنعاني" في إحداث تقريب كبير بيْن "الزيدية" و"أهل السُّنة" في اليمن، حين ‏التزم منهج "أهل الحديث"، وقبلهم "ابن الوزير" -رحمه الله-، أما حين انتشر المذهب الجعفري على يد "الحوثيين" دخلت اليمن في ‏الحرب الأهلية.

ثم هل يطبق أحد منكم هذه القاعدة في التزام المذاهب الأربعة وعدم الخروج ‏عنها في الفتوى والعمل؟

فلماذا تأخذ لجان الفتوى ودور الإفتاء في مشارق الأرض ومغاربها اليوم بفتوى "‏ابن تيمية" في طلاق الثلاث ويجعلونها واحدة وهي خلاف مذاهب الأئمة الأربعة؟! وكذا في ‏الطلاق على قوانين الأحوال الشخصية، أخذت بذلك أيضًا؛ فلماذا يُضيّق الواسع طالما كان منضبطـًا بضوابط الشرع التي قررها الأئمة مِن أهل العلم؟

رابعة الآفات: اعتبار التصوف هو طريق السلوك الوحيد، نسألهم: هل تكفي كلمة "الصوفي" في رد خرافات الكثيرين؟ أو تكفي في إبطال عقائد "وَحدة الوجود" الصريحة وكذا "الحُلول" وصرف العبادة لغير الله، واعتقاد الضر والنفع في غير الله -سبحانه-، واعتقاد أن كرامات الأولياء تعني تدبير الكون -ولو بتفويض مِن الله!-؟!

هل مَن عمل بما في كتاب الأدب مِن صحيح البخاري وصحيح مسلم، وعمل بما في كتاب "الترغيب والترهيب"، و"رياض الصالحين" وهذّب نفسَه بما فيها مِن الأحاديث الصحيحة يكون ناجيًا عند الله؟

أسألك اللهم الهداية إلى الرشد.

نريد أن نبيِّن في خاتمة كلامنا أن اعتماد مذهب تشويه المخالِف بالكذب والزور كمن يدعي أن المذهب السلفي يقول بالتجسيم، والتشبيه، وأنهم حشوية، وأنهم يفسِّرون النصوص في صفات الله -عز وجل- بالمعاني الحِسّية كما يسمونها - أن هذا الكذب والزور لن ينطلي على أحد، ولن يقبله أحدٌ مع انتشار وسائل المعارف الحديثة، فلن يصلح ذلك كوسيلة للتشويه، وسينقلب على صاحبه -بإذن الله-.

ونسأل الله أن يؤلف بيْن قلوب المسلمين، وأن يجمع كلمتهم على الحق.

ونحب أن نشكر "الأزهر" في بيانه الإعلامي، ونخص "شيخ الأزهر" حيث أكّد على أن البيان الختامي خلا مما ذكره "شيخ الأزهر" مِن أنهم "الأشاعرة" و"الماتريدية" و"أهل الحديث"، وأنهم يرون أن منهج الأزهر وطريقته في عَدِّ كل هؤلاء مِن أهل السُّنة.