إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 10 يوليه 2016 - 5 شوال 1437هـ

فاستقم كما أمرت

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الاستقامة على طاعة الله منة عظيمة، وكرامة مِن الله -تعالى- لعبده المؤمن، بل "إن الاستقامة أعظم كرامة" كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والمؤمن يتقلب في مراحل عمره بيْن أنواع العبادات والقربات لله -عز وجل-، فما أن يفرغ مِن عبادة إلا ويشرع في عبادة أخرى (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح:7-8).

فليس شأن المؤمن أن يعبد الله في حال دون حال أو وقت دون وقت؛ كأن يجتهد في طاعة الله في رمضان ثم يعود لسيرته الأولى بعد انقضاء رمضان، فإن رب رمضان هو رب شوال ورب سائر العام، وقد قيل لبِشر الحافي -رحمه الله-: "إن أناسًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون فيه، فإذا انسلخ رمضان تركوا ذلك!"، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!".

والمؤمن لا يغتر بالساقطين مِن حوله، والمتكاسلين عن طاعة الله -تعالى- ولو كانوا كثرة، فإن الأسوة إنما تكون في الخير وليس في الشر، والعبرة بموافقة شرع الله -تعالى-، يقول الله -عز وجل-: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام:116)، وقال وهب بن مُنَبِّه -رحمه الله-: "مَرَّ رَجُلٌ عَابِدٌ عَلَى رَجُلٍ عَابِدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ فُلانٍ، أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِهِ وَمَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، فَقَالَ بِعَجَلٍ: لا تَعْجَبْ مِمَّنْ تَمِيلُ بِهِ الدُّنْيَا، وَلَكِنِ اعْجَبْ مِمَّنِ اسْتَقَامَ" (حلية الأولياء)، وقال بعض السلف: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا"، وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "إذَا رَأَيْتُمْ الْيَوْم شَيْئًا مُسْتَوِيًا فَتَعَجَّبُوا".

والعاقل يعلم أنه إنما خلق لحكمة وغاية، وهي عبادة الله -تعالى- وطاعته: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163)، والله -عز وجل- لم يجعل نهاية وحدًّا لطاعة العبد وعبادته لربه إلا انتهاء عمره وانقضاء أجله؛ يقول -جلَّ وعلا-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، وقال -تعالى- على لسان عيسى -عليه السلام-: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (مريم:31).

والاستقامة هي لزوم طاعة الله -تعالى-، وقد أمر الله بها صفوة خلقه وعباده، فقال لنبيين ورسولين من رسله الكرام موسى وهارون -عليهما السلام-: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (يونس:89)، وأمر بها نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في غير ما آية في كتابه الكريم كما في قوله -تعالى-: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى:15)، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) (فصلت:6)، وقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (هود:112-113).

وكذلك أمر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وحض عليها: فعن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، واسْتَقِيمُوا يُستَقَم بِكُمْ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، وعن سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ قُلْ لِي في الإِسلامِ قَولاً لاَ أَسْأَلُ عنْه أَحداً غيْركَ. قَالَ: (قُلْ: آمَنْت باللَّهِ: ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). (لَنْ تُحْصُوا): أي لن تحصوا وجوه الاستقامة كاملة.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: (وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) (رواه مسلم). والمقصود بالسداد: الامتثال والموافقة للشرع على التمام؛ فإن لم يكن فالمقاربة والاقتراب مِن ذلك ما أمكن كما أمر -صلى الله عليه وسلم-: (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا).

وفي قول الله -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ... ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جميع القرآن آية كانت أَشَدُّ وَلا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ"؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قيل له: قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) (رواه الترمذي والطبراني، وصححه الألباني).

وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي قال: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ السَّرِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم -"يعني في المنام، وهذا على سبيل الاستئناس لا الاستدلال بالرؤى والمنامات"- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ)، قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي شَيَّبَكَ، قَصَصُ الأَنْبِيَاءِ، وَهَلاكُ الأُمَمِ؟، قَالَ: لا، وَلَكِنْ قَوْلُهُ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (رواه البيهقي في الشُّعب).

فأمر الله -عز وجل- النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أن يستقيمَ هو ومَن تابعَه، وأن لا يجاوزوا ما أُمِروا به، وهو الطغيان، وأخبر -تعالى- أنه بصير بأعمالهم، مطلع عليهم، والطغيان أصله التعاظم والجراءة، وقلة الاكتراث، والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به، قال الله -تعالى-: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) (طه:81).

عوائق الاستقامة:

- مِن عوائق الاستقامة كما بيَّنت الآية الكريمة: "الطغيان، والركون إلى الظالمين": فقد جمع الله بيْن الأمر بالاستقامة وبين التحذير منهما؛ لأن كلاً منهما يؤدي إلى زهد العبد في العبادة، وانحرافه عن الصراط المستقيم.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "جعل الله الدين بين لاَئين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا)". فلخَّص الدين كله في أمرين: "النهي عن الطغيان، والنهي عن الركون إلى الظالمين"، والطغيان هو: مجاوزة الحد إما في حدود الله أو في حقوق الناس، ومجاوزة العدل إلى الظلم، وكل مَن جاوز ما أمره الله به ولم يلتزم شريعته؛ فأطلق بصره إلى الحرام، واستمع إلى الحرام، وتناول الحرام، وأكل الحرام، ولم يصن جوارحه عن معاصي الله -تعالى-؛ فهو مِن الطغاة له نصيب مِن جزائهم.

- ومما يحمل على الطغيان أن يرى الإنسان في نفسه الاستغناء عن طاعة الله وعن عبادته أو يرى افتقاره إلى معصية الله وحاجته إليها: (كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى . إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق:6-8).

- ومن عوائق الاستقامة: "التوسع في المباحات، وفي فضول الحاجات": وقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يتوقون فضول الكلام والنظر، والطعام والشراب، وما سوى ذلك؛ خشية أن تؤدي إلى التفريط في حق الله -تعالى-.

قال بعض السلف: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَلِّمُنِي بِالْكَلامِ لَجَوَابُهُ أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ المَاءِ الْبَارِدِ إِلَى الظَّمْآنِ، فَأَتْرُكُ جَوَابَهُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ فُضُولاً"، وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْوَاهِبِيُّ: "مَنْ أَدْخَلَ فُضُولاً مِنَ الطَّعَامِ أَخْرَجَ فُضُولا مِنَ الْكَلامِ"، وخَرَجَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: "كَمْ مِنَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ قَدْ نَظَرْتَ الْيَوْمَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَ: وَيْحَكِ! مَا نَظَرْتُ إِلا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْكِ!".

وأما الركون إلى الظالمين:

فليس هو ما يشيعه الجاهلون مِن أنه مجرد مجالسة الكفار أو الظلمة ومخالطتهم لدعوتهم إلى الله -تعالى- مع الإنكار على ما يظهرونه مِن مخالفة للشرع، فقد غشي النبي -صلى الله عليه وسلم- مجالس المشركين يدعوهم إلى الله -تعالى-، وقد أمر الله رسولين كريمين بأن يذهبا بأنفسهما إلى شر الخلق فرعون وأمرهما بإلانة القول له، فقال -تعالى-: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:43-44).

وإنما الركون الذي حذر الله منه ونهى عنه هو: متابعة الكفار والظالمين على ظلمهم وباطلهم، والرضا به ومعاونتهم.

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "قَوْلُهُ -تَعَالَى-: (وَلا تَرْكَنُوا): الرُّكُونُ حَقِيقَةٌ الاسْتِنَادُ وَالاعْتِمَادُ وَالسُّكُونُ إِلَى الشَّيْءِ وَالرِّضَا بِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لا تَوَدُّوهُمْ وَلا تُطِيعُوهُمْ. ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَمِيلُوا إِلَيْهِمْ. أَبُو الْعَالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ. وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ".

وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "وَقَوْلُهُ: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لا تُدهنُوا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الرُّكُونُ إِلَى الشِّرْكِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلا تَمِيلُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ، أَيْ: لا تَسْتَعِينُوا بِالظَّلَمَةِ فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ بِبَاقِي صَنِيعِهِمْ (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ مَنْ دُونِهِ مَنْ وَلِيٍّ يُنْقِذُكُمْ، وَلا نَاصِرٍ يُخَلِّصُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ".

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مدار الاستقامة في الدين تدور على أمرين عظيمين هما: "حفظ القلب، وحفظ اللسان"؛ فمتى استقاما استقامتْ سائر الأعضاء، وصلح الإنسان في سلوكه وحركاته وسكناته، ومتى اعوجا وفسدا فسد الإنسان، وضلت أعضاؤه جميعًا، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ) (متفق عليه)، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني), وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- وفي قوله -تعالى-: (كَمَا أُمِرْتَ) بيان أن الاستقامة لابد أن تكون بميزان الوحي وموافقة الشريعة، أي استقامة موافقة لأمر الله لا تفريط ولا إفراط , بل امتثالا لأمر الله -تعالى- واجتنابًا لنواهيه على وجه الاستمرار على ذلك، ومعلوم أن أمر الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أمر لأمته إذا لم يرد التخصيص له. (انظر تفسير العلامة السعدي -رحمه الله-).

فكل إنسان -وإن أظهر الاستقامة- لابد وأن يوزن بهذا الميزان -ميزان الوحي-، قال بعض السلف: "لَوْ رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، وَيَمْشِي عَلَى الْمَاءِ؛ فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ وُقُوفُهُ عِنْدَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي"، ولما قيل للإمام الشافعي -رحمه الله-: كان الليث بن سعد -رحمه الله- يقول: "إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ؛ فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة" قَالَ الشّافِعِيُّ: "قصَّرَ الليْثُ رَحِمَهُ اللهُ! بَلْ إذا رَأَيتمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلى الماءِ، وَيَطِيرُ فِي الهوَاءِ؛ فلا تَغْترُّوْا بهِ حَتَّى تَعْرِضُوْا أَمْرَهُ عَلى الكِتَابِ وَالسُّنَّة!".

- وقوله -تعالى-: (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ): أي ومَن آمَن معك فليستقيموا أيضًا، والاستقامة -كما أمر الله- لا تقومُ بها إلا الأنفس المطهَّرة، والذوات النقية؛ ولذلك حصرها الله -عز وجل- في التائبين، وقد أمر اللهُ المؤمنين بالاجتهاد في تحصيلها مع الاستغفار مما يعرض مِن تقصير في طريق تحقيقها، كما في قوله -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) (فصلت:6).

وقد جعل الله للاستقامة أكبر الثواب، وأمَّن صاحبها مِن العذاب، وجعل لها أعظم الثمرات.

ومِن هذه الثمرات:

- سعة الرزق: قال الله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16)، وقال -عز وجل-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (الأعراف:96).

- الحياة الطيبة والأجر الحسن وصلاح البال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد:2).

- الرفعة في الدنيا قبل الآخرة: قيل لابن المبارك: "ابن عون -رحمه الله- بمَ ارتفع؟!" قال: "بالاستقامة".

- بشارة الملائكة عند الموت بانتفاء الخوف والحزن: قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت:30-32).

فالملائكة تتنزل عليهم عند الموت (أَلا تَخَافُوا) أي: مما تُقدمون عليه مِن أمر الآخرة. (وَلا تَحْزَنُوا): على ما خلَّفتموه مِن أمر الدنيا من ولدٍ وأهل، ومال أو دَين، فإنّا نخلفُكم فيه. (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ): فيبشِّرونهم بذهاب الشر وحصول الخير.

- تولي الملائكة للمؤمن المستقيم على دين الله -تعالى- في الدنيا كما تتولاه في الآخرة: كما دلت الآية الكريمة على ذلك: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ).

أسباب تحصيل الاستقامة:

- الاستعانة والدعاء والتضرع إلى الله -عز وجل-، كما علمنا -سبحانه- أن ندعوه في ركعة مِن ركعات الصلاة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:5-6)، وكان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فعلى العبد أن يعلم أنه لا غنى له عن توفيق الله ومعونته له طرفة عين أبدًا، وأن قلبه ليس بيده وإنما القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها -سبحانه- كيف يشاء، قال مُطَرِّفٌ بن عبد الله -رحمه الله-: "لَوْ أُخْرِجَ قَلْبِي فَجُعِلَ فِي يَسَارِي وَجِيْءَ بِالخَيْرِ فَجُعِلَ فِي يَمِيْنِي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُوْلِجَ قَلْبِي مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَكُوْنَ اللهُ يَضَعُهُ" (سير أعلام النبلاء).

- صحبة الأخيار والصالحين، والابتعاد عن الأشرار والفاسدين: وقد أمر الله -تعالى- صفوة الخلق -صلى الله عليه وسلم- بأن يحبس نفسه مع الرفقة الصالحة رغم أنه أفضل منهم، وأعظم منهم قدرًا وشأنًا؛ فأنزل الله عليه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28).

- حضور مجالس العلم والاستماع إلى الدروس المفيدة، والمواعظ النافعة؛ فكل ذلك يعين على الاستقامة على طاعة الله -تعالى-.

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الاستقامة على طاعته وعبادته، وأن يجنبنا الفتن كلها، ما ظهر منها وما بطن، وأن يهدينا إليه صراطا مستقيمًا.

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.