إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 10 يونيو 2016 - 5 رمضان 1437هـ

(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، وأنزل عليه الوحي كتابًا وسنة؛ ليبني الإنسان بناءً شاملًا متكاملاً متوازنًا في نواحي حياته الأساسية.

والتي تتمثل في ثلاثة أركان:

الأول: الإيمان والعقيدة الذي يحقق له الفهم والإدراك لحقائق الحياة والوجود، وحكمة خلق الإنسان وعلاقته بربه وإلهه الذي لا شريك له، ومعرفة أسمائه وصفاته، وقضائه وقدره، وأمره ونهيه، وشرعه للفرد والأمة، والإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر.

الثاني: الإسلام وهو العمل عبادة ومعاملة.

الثالث: الإحسان وهو التزكية والسلوك والخُلُق، وهذه الأركان الأساسية هي جوانب شخصية كل إنسان؛ فإما أن تُبنى على الوحي، وإما أن تبنى على الظن والهوى؛ فيحصل الضلال والغي، قال الله -تعالى-: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:1-4)، وقال -عز وجل- عن المشركين: (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم:23).

فنحن بيْن حضارتين:

- حضارة الوحي المبنية على علومه وإدراكاته، وإراداته ومقاصده.

- وحضارة الظن والهوى المبنية على الشبهات الشيطانية المُزيّنة، وشهوات الغي التي يبثها الشيطان في نفوس البشر.

انطلق المسلمون في عهد النبوة والخلافة الراشدة، والقرون الثلاثة الأولى أعظم انطلاقة في تاريخ البشرية (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران:110)، لما بُني الإنسان على أركان حضارة الوحي، وعلت الأمة بنفسها في شعوب الأرض رحمة بها، ورغبة في الخير للعالم، ولم ينشغل الصحابة والتابعون وتابعوهم بعلوم حضارة الضلال والغيب التي اختلطوا بها وغلبوا شعوبها، بل قادوهم إلى أنواع العلوم والمعارف الإسلامية الصافية النقية التي تقبلها العقول والفِطر، وتزكو بها القلوب والنفوس.

ولكن سرعان ما بدأ النقص، وبدأت العلوم الأجنبية تنازع علوم الوحي في نفوس كثير من الناس في الجوانب الثلاثة: "العقيدة، والعمل، والسلوك"، وصارت عند البعض هدفًا مقصودًا وقمة عالية وأهمية، يدعون للوصول إليها.

فصارت الفلسفة والمنطق وعلم الكلام -الذي هو أهون مِن الفلسفة بلا شك- هو البديل في باب التصور والاعتقاد والفهم، وصار مَن لا يُحسنها مستنقصًا مستجهلاً عند أصحابها، ولم يستطع أكثر الناس المنسوبين للعلم مقاومة الاستغراق في دراسة هذه العلوم، كما قاومها القرون الثلاثة الأولى، و قد صاغ الشافعي -رحمه الله- منهجهم في قوله: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء مِن ترك الكتاب والسُّنة، وانشغل بعلم الكلام!".

وأما في مجال العمل: فقد صار التقليد المجرد حتى مع القدرة على الاجتهاد والنظر في الدليل هو المُعول عليه في المشارق والمغارب مع أن وجود الأئمة جعل الأمر محتملًا في بدايته، لكن وصل الأمر في النهاية إلى عصور الانحطاط العلمي والفقهي الذي قاد الأمة إلى تسلط العدو عليها؛ بسبب الشرك والبدع التي راجت؛ بسبب فقدان نور الوحي، واتباع كثير مِن المتأخرين الذين وقعوا في ذلك.

وأما في مجال السلوك والتهذيب: فصارت ألغاز الصوفية الفلسفية أو الرهبانية، ومقاماتها المحدثة كـ"السُّكر والدهش، والهيمان والفناء" ونحوها، هي القمة في هذا الباب، مع أن الناس لا يفهمونها، ولكن يتبعون الطُروقيين في طقوس عجيبة، وبدع مريبة باسم الاستسلام للشيخ المربي والولي المرشد، وعدم الاعتراض خشية الطرد والإبعاد، وتعددت البيعات، وتنوعت الأوراد والحضرات، وفقد التهذيب حقيقته!

أما العلوم الخادمة: كـ"علم أصول الفقه"؛ فقد ابتعد أيضًا عن أصوله الإسلامية التي بيَّنها الإمام "الشافعي" كأحد أعظم مجددي زمانه، ودخل علم المنطق وعلم الكلام، وأنواع التعريفات والتقسيمات التي هدفها إشعار طلاب العلم بجهلهم وعجزهم عن الفَهم؛ فلا مصير لهم إلا باستمرار على رقة التقليد، واعتبار كلام المشايخ هو الشرع؛ مما يؤدي حتمًا إلى اعتقاد تناقض الشريعة، وعدم صلاحيتها للحياة.

كل ذلك أدى إلى التدهور الهائل في بناء الإنسان في الأمة، ومع الاختلافات السياسية والحروب الداخلية اقتلع الأعداء مِن الأمة بلدًا تلو البلد، ابتداءً مِن الحروب الصليبية ثم التتار ثم الفرنجة في الأندلس، ثم الاحتلال الغربي لأكثر بلاد الإسلام، والذي ما زلنا نعاني منه حتى اليوم.

ومِن رحمة الله بالأمة ما بشَّر به النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام مَن يجدد لها أمر دينها؛ فكان "مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأهل الحديث، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته، ثم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته الإصلاحية" مِن المجددين عبر الزمان"، وجاءت الصحوة الإسلامية المعاصرة بقلبها السلفي وحركتها الدعوية "وفي القلب منها الدعوة السلفية" تعيد للمسلمين روح الحياة في العودة إلى الوحي في الأركان الثلاثة لبناء الإنسان: العقيدة والعمل والسلوك، الإيمان والإسلام والإحسان.

فكانت دفعة قوية أثرت على المجتمعات الإسلامية، بل وغير الإسلامية، حتى صار الأعداء يخشون مِن تحول بلادهم إلى أغلبية إسلامية؛ فجاءت "المخططات" لتمزق الأمة وتقسِّمها، وتستغل أهل البدع: كالشيعة الروافض، والخوارج المتمثلين في جماعات التكفير المتعددة، وخاصة التي تتبع منهج الصدام والقتال مع أهل الإسلام باسم الجهاد، وبزعم محاربة الطواغيت والتي تشوه صورة أهل السُّنة؛ إضافة إلى هجوم علماني شديد الشراسة على الرموز والثوابت الإسلامية التي لم تكن قط محل نزاع: "كقضية تحكيم الشريعة، وحقيقة الولاء والبراء، وضوابط الحريات"، وكانت المنظمات التابعة للغرب التي تُسمي نفسها "منظمات المجتمع المدني"، معول هدم لكثير مِن القيم الإسلامية، والأخلاق، ونُظم المجتمع المستقرة منذ القرون الأولى، خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة وعلاقتها مع الرجل التي تتكامل ولا تتنافس، ولا تتعارض، في شريعة أهل الإسلام.

ثم كانت هجمة الشهوات المُغوية التي يَصعب مقاومتها إلا مَن رحم الله -عز وجل-، ومَن حاول الخروج منها وأراد التدين والالتزام، فقد مهدوا له نمطًا آخر غير الرجوع إلى الارتباط بنصوص الوحي.

وعادت العلوم الإنسانية الأجنبية هي محط تطلع كثير مِن الشباب؛ ليتميز عند أقرانه بإتقانها! ولا شك أنها لا بد وأن تأخذ مِن الإنسان عمرًا مِن دهره لا يستطيع معه أن يعود إلى الالتصاق والارتباط بنصوص الوحي!

وإذا علمنا أنه مطلوب منه بالإضافة إلى الناحية العلمية جانب "تربوي إيماني عبادي"، وجانب دعوي، وجانب اجتماعي، وجانب سياسي، وجانب سد احتياجات الحياة لنفسه وأسرته؛ علمنا كيف يكون الاهتمام بهذه العلوم على حساب جوانب أهم وآكد مِن الجوانب المطلوبة لتكوين الشخصية المسلمة المتكاملة المتوازنة التي لا تعاني مِن التشوهات والنتوءات والفراغات؟!

وخلاصة القول: أننا إذا أردنا الحفاظ على الصحوة الإسلامية وبقائها في دورها التجديدي لهذه الأمة؛ فلا بد مِن العودة للارتباط بنصوص الوحي في الأركان الثلاثة التي بيَّنها ربنا -سبحانه وتعالى- في حكمة إرسال محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعثه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة:2).

ورمضان فرصة عظيمة للعودة للقرآن، وللعودة للسُّنة الصحيحة الثابتة، ولبناء جوانب التزكية والإصلاح والتهذيب التي لا بد منها.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا في رمضان "وبعد رمضان" لما يحبه ويرضاه.