إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 07 يونيو 2016 - 2 رمضان 1437هـ

رمضان... مركب النجاة!

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعندما يقترب موعد حضور غائب أو مسافر، حبيب إلى قلوبنا؛ فلا شك أننا نأخذ أهبة الاستعداد لحسن استقباله، ونهيئ النفس والبدن للقائه، ويرتدي الصغار أجمل الثياب، وتحمل وجوه الجميع الابتسامة الصافية تعبيرًا عن صدق الحنين إلى لقياه.

وكلما عظمت منزلة هذا العائد إلينا بعد غيابه كلما كان الاستعداد أكبر وأعظم.

و"رمضان" يغيب عنا أحد عشر شهرًا ويعود إلينا محملاً بالبركات والخيرات، والمغفرة والرحمة.

يعود إلينا ليؤلف بيْن قلوبنا ويصلح ذات بيننا.

لينشر بيننا المودة والرحمة، والتسامح والتغافر.

فكيف لا نهيئ أنفسنا لاستقباله؟!

وكيف لا نحسن لقاءه بعد هذا الغياب؟!

وهو مع ذلك ضيف نبيل، وزائر عزيز؛ لا يأتينا فجأة، بل يعلم الجميع موعد حضوره؛ فيقبح جدًّا مع ذلك أن نفرط في حقه علينا!

وكثير مِن الناس ينتبهون بالفعل إلى موعد قدوم رمضان ويستعدون له، ولكن على قدر هممهم ومساعيهم، وصدق الله -تعالى- إذ يقول: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (الليل:4).

فمِن الناس مَن يستقبل رمضان بفتح الجيوب وخزائن الأموال، ويرصد له الميزانية الضخمة؛ رغم أنه حقيق أن يكون شهر التوفير والاقتصاد، وشهر تزكية النفس بترك فضول الطعام والشراب والمباحات، والاعتناء بحاجات القلب والروح والنفس التي لا يسعد المرء إلا بتحقيقها - بل مِن الناس مَن يقترض ويدمن ذلك كل عام أو يدخل في جمعيات ونحوها؛ ليفي بحاجات هذا الشهر الطارئة والغريبة عليه التي فرضتْ نفسها رغمًا عن الجميع لتكون مع رمضان جنبًا إلى جنب؛ فأصبح رمضان في حس البعض ما هو إلا لهو ولعب، وسهر وسمر، وخيام رمضانية -زعموا!-، وولائم أسطورية للأقارب والأصهار والأصحاب تَنتهك الأموال انتهاكًا، وربما أوغرت الصدور إن لم تكن كذلك!

- ومِن الناس مَن يستقبل رمضان بفتح الأفواه التي تُملأ مِن أول الإفطار بأصناف المأكول والمشروب حتى يكاد البعض أن يستلقي عاجزًا عن الحركة؛ ليس مِن جهد الجوع في زمن الصيام، ولكن بسبب التخمة والشبع المفرط الذي هدَّ الجسد وأوهنه عن الحركة والقيام؛ فعلى الموائد أصناف لا تنتهي من أشهى المأكولات والمشروبات، وما لذ وطاب مِن الحلويات والعصائر التي تصير جميعها إلى طريقها المعروف الذي لا يخفى على أحد، وربما تلفتْ كميات كبيرة مِن هذه الأشياء في البيوت والدور دون أن يفكر أحد -إلا مَن رحم الله- بتوزيعها على الفقير والمسكين والمحتاج قبْل تلفها؛ اكتفاءً ببذل هؤلاء للصدقات وبموائد الإفطار التي ربما جلس عليها مَن لا يحتاج!

- ومِن الناس مَن يستعد لرمضان ويستقبله بلهفة وشوق بفتح الأعين والآذان أمام المسلسلات والبرامج واللقاءات التي تقتل رمضان والطاعة في نفوس الصائمين والعابدين إذا انشغلوا بهذا اللهو الماجن في أشرف الأزمان.

- ومن الناس مَن يرى في رمضان موسمًا محدودًا للطاعة والقرب مِن الله أو محطة مِن المحطات، فيعبد الله في رمضان ثم يعود بعد ذلك إلى نقطة البداية وإلى ما كان عليه قبل رمضان؛ ورمضان ليس كذلك، بل هو نقطة انطلاق وارتقاء.

فما فرض الله صيام رمضان إلا لأجل أن يكون زادًا باقيًا (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)، وليس زادًا محدودًا أو محصورًا في الأيام المعدودات؛ فرمضان ليس مِن أجل رمضان، وإنما هو مِن أجل بقية العام، بل بقية العمر بأكمله إن أُحسن استغلاله؛ لأن الغرض مِن فرض صيام رمضان بهذه الكيفية والتتابع في هذه الأيام المعدودات هو أن يذوق العبد لذة القرب مِن الله، وحلاوة مناجاته وطاعته؛ فإن مَن ذاق طعامًا طيبًا ود أن لو لم ينقطع عنه؛ فكيف بخير الزاد وأعظم حلاوة؟! والتي مَن ذاقها وعرفها في رمضان لم يفرِّط فيها، ولم يتركها في بقية عامه، بل عمره وحياته.

- فقلة مِن الناس "هم الذي هداهم الله واجتباهم بفضله ورحمته" فوعت ذلك، وأحسنت استقبال رمضان، وامتثلت أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله الشريف: (تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ, يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

هذه القلة هي التي تفتح القلوب لاستقبال رمضان، وتراه نفحة ربانية لا يشقى بعدها العبد أبدًا إن أصابته.

وترى في رمضان فرصة عظيمة ومنحة جليلة لا تفوَّت.

وتراه مركب النجاة.

فما أحوجنا إلى تلك النفحة... ونحن نصارع بالليل والنهار أمواج الفتن مِن الشبهات والشهوات، والظلمات والغفلة التي يُراد لها أن تُفرض على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها!

ما أحوجنا إلى تلك النفحة... وقد انتشرتْ بيننا الأمراض القلبية، وفشي الظلم والقسوة، والحقد والغل، والحسد والبغضاء، وفساد ذات البين (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

ما أحوجنا إلى تلك النفحة... وقد ظهر فينا مِن الأوجاع والأسقام والبلايا ما لم يكن في أسلافنا الذين مضوا مِن قبْلنا.

يأتي رمضان هذا العام وقد ازدادت الفجوة واتسعت الهوة بين فئام مِن الناس بسبب الجهل والهوى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

وسط كل تلك الأمواج.. يأتينا رمضان.

يأتي رمضان وهو يحمل لنا مركب النجاة وسترات الأمان -لمن أرادها- لنصل إلى بر الأمان.

إن بلوغ رمضان نعمة عظيمة؛ إذ يتيح لنا إدراك رمضان التعرض لرحمة الله -تعالى- التي جعلها الله في مقدور كل إنسان، فقط (تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ).

 فقد جعل الله أسباب المغفرة في رمضان كثيرة ومتنوعة:

- مغفرة في الصيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

- مغفرة في القيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ) (رواه أحمد والترمذي والنسائي، وصححه الألباني).

- مغفرة خاصة في قيام ليلة القدر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه).

- العتق مِن النيران بالليل والنهار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ لله -تَعَالَى- عُتَقاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- تفطير الصائمين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

- الاستغفار والدعاء في حال الصيام، وعند الفطر، وفي وقت السحر: فإن دعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره، وقد أمر الله بالدعاء وتكفل بالإجابة، فقال -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المُظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). فينبغي الإكثار مِن الذكر والدعاء، والتعرض لرحمة الله ومغفرته.

- ولأجل أن أسباب الرحمة والمغفرة كثيرة وعديدة في رمضان؛ فقد جاء الترهيب الشديد مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن أدرك رمضان فلم يغفر له فيه، فعن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال: صَعِدَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرَ فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قال: (آمِينْ)، ثُمَّ رَقِيَ أخْرَى فَقَالَ: (آمِينْ)، ثُمّ رَقِي عَتَبَةً ثَالِثَةً فَقَالَ: (آمِينْ)، ثُمً قَالَ: (أتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يغفر لَهُ فَأبْعَدَهُ الله، فَقُلْتُ: آمِينْ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَو ْأَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَه اللهُ، فَقُلْتُ: آمِينْ. قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَأبْعَدَهُ الله، قُلْ: آمِينُ، فَقُلْتُ: آمِينْ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره).

فما الظن بعبدٍ دعا عليه أشرف الملائكة جبريل -عليه السلام-، وأمَّن على دعائه أشرف الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!

كيف يكون حالة إلا أن يبوء بالخيبة والخسران، والبعد عن رحمة الرحمن -عز وجل-؟!

وما كان هذا الدعاء مِن سيد الملائكة، وسيد الخلق مع محبة الملائكة الخير للمؤمنين وتوليهم لهم واستغفارهم لهم، ومع شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحرصه على أمته؛ إلا لخبث مَن فوَّت هذه المغفرة والرحمة فلم يتعرض لها -بل أعرض عنها وزهد فيها!-؛ إذ أن الدواعي المعينة على هذه الرحمة والمغفرة متوافرة، والعوائق عنها منصرفة.

فإن الله -تعالى- مِن رحمته أعان العباد على طاعته ومرضاته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني). وفي رواية: (إِذا دخل شهر رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) (رواه البخاري). وفي رواية: (إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) (رواه مسلم).

ففتح الله لعباده أبواب السماء والجنة والرحمة ليلجوا إليه مِن أوسع الأبواب، وأغلق أبواب النيران حتى لا ينزعجوا، وصفد لهم الشياطين حتى لا تشوش عليهم، ثم مع ذلك يعتقهم مِن النار بقليل مِن الجهد والعمل (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) (البقرة:184).

فكيف مع كل ذلك لا يتعرض مَن فيه خير لرحمات الله ونفحاته؟!

وكيف يُعرِض عن ذلك وقد علم أنه على خطر أن تصيبه تلك الدعوة التي دعا بها جبريل -عليه السلام- وأمَّن عليها النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!

فرمضان إذن كالبحر؛ يمتلئ بالخير والكنوز، وأيضًا يمتلئ بالخطر مِن أسباب الموت والضياع، يمتلئ بالخير لمن أراد فيه النجاة، وبالخطر والهلاك لمن أبى إلا الكسل والإخلاد إلى الشهوات.

فهلم إلى مركب النجاة...

فهلم إلى الرحمة والمغفرة في رمضان...

إلى الصيام والقيام والذكر والقرآن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النُّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فيشفعان) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- هلم إلى صلة الأرحام وتفطير الصائمين والإحسان إلى الجيران.

ومِن أعظم ما يعين العبد على استغلال رمضان واستثماره:

- التضرع إلى الله والدعاء وطلب التوفيق منه والإعانة.

- ولزوم الصحبة الصالحة، وهجر صحبة السوء والفساد.

نسأل الله -تعالى- أن يتقبلنا في عباده المؤمنين، وأن يجعلنا مِن الصالحين والمصلحين.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.