إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 02 يونيو 2016 - 26 شعبان 1437هـ

مِن نور السُّنة... (قبْل أن تخرج مِن بيتك)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِيَدِهِ رَايَتَان: رَايَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، وَرَايَةٌ بِيَدِ شَيْطَانٍ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُحِبُّ اللهُ اتَّبَعَهُ الْمَلَكُ بِرَايَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الْمَلَكِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ, وَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُسْخِطُ اللهَ اتَّبَعَهُ الشَّيْطَانُ بِرَايَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الشَّيْطَانِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر).

المعنى العام:

ما مِن خارج يخرج مِن بيته في أي وقت إلا وعند بابه رايتان: راية بيد ملَك، وراية بيد شيطان، فإن كان الخارج قد خرج لما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، فيتبعه الملَك برايته يسدده ويعينه، ولا يزال تحت رايته يسدده ويوفقه، ويأمره بالخير ويحذره مِن الشر حتى يرجع إلى بيته، وإن كان قد خرج -عياذًا بالله- لما فيه سخط الله وغضبه اتبعه الشيطان برايته؛ فلم يزل تحت راية الشيطان يخذله ويؤزه للشر أزًّا حتى يرجع إلى بيته.

مِن فوائد الحديث:

1- في الحديث حض وتحذير؛ حضٌ على تحسين العبد نيته قبل أن يخرج مِن بيته، وأن يجمع نيته على الخير، وتحذير مِن نية الشر أو الخروج مِن البيت للشر.

2- وفي معنى هذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو؛ فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا) (رواه مسلم).

أي: لا بد مِن الغدو والرواح في هذه الدنيا؛ فهناك مَن يغدو لنجاة نفسه مِن غضب الله وعقابه والفوز بجنته؛ فيفوز بنفسه، ويسعد بها سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وهناك مَن يسعى لهلاك نفسه بتدنيها بالمنكرات فيغدو ويروح في شهوات نفسه وحظوظها بعيدًا عن مراضي الله -تعالى-.

3- مِن رحمة الله -تعالى- أن جعل في مقابل لمة الشيطان بالشر لمة لملك بالخير، وعاقبة اللمتين للعبد على حسب إيمانه، فإن كان إيمانه يجدده باستمراره؛ فالعاقبة الحميدة للمة الملك، وإن كان إيمانه ضعيفًا ويهمل أسباب زيادته فالعاقبة السيئة للمة الشيطان -عياذًا بالله-.

4- في الحديث إرشاد عظيم منه -صلى الله عليه وسلم- للعبد بتحسين نيته قبْل أن يغدو مِن بيته، وهذا مِن كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- بأمته.

ومِن إرشاداته أيضًا قبْل الخروج مِن بيتنا لنكون موفقين مسددين، وفي رعاية الله وحمايته:

أ- صلاة الفجر في جماعة: عن الزهري قال: أَمَرَ الْحَجَّاجُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا، فَقَالُ لَهُ سَالِمٌ: أَصَلَّيْتَ الصُّبْحَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: نَعَمْ، فَقَالَ: انْطَلِقْ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَتْلِهِ؟! قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهو فِي جِوَارِ اللهِ يَوْمَهُ) فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَ رَجُلًا قَدْ أَجَارَهُ اللهُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَعَمْ. (رواه الطبراني، وقال الألباني: صحيح لغيره).

وفي رواية عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَهُ ذِمَّةُ اللهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ ذِمَّتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّتَهُ طَلَبَهُ اللهُ حَتَّى يُكِبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره). أخفر الرجل في ذمته: أي نقض عهده.

ب- دعاء الخروج مِن المنزل: عن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج مِن بيته قال: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ، أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

ولا شك أن هذا فضل عظيم لمن يريد الهداية والكفاية والوقاية، وكلنا ذلك الإنسان؛ فلنحرص على تعلم هذا الدعاء والعمل به.

ج- وليسعك بيتك: فإن علمتَ مِن نفسك شرًّا؛ فاحبس نفسك عنه، ولو بجلوسك في بيتك تطهيرًا لها مِن الشر بالتخلية والتحلية حتى تطيب وتعمل الخير، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ) قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا) قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: (تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ) (رواه مسلم).

د- قراءة حزبك مِن القرآن: والأفضل أن يكون قبْل الخروج مِن البيت أن تقرأ وردك مِن القرآن بتدبر وحضور قلب؛ فإنه نور وهداية وشفاء لما في الصدور، وقد كانت هذه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طرأ عليه حزبه مِن القرآن، فقد روي مِن حديث أوس بن حذيفة الثقفي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَلَيْنَا اللَّيْلَةَ قَالَ: "إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ" (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وضعفه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرنؤوط).

هـ- صلاة ركعتين قبْل خروجك مِن المنزل: ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَمْنَعانِكَ مَخْرَجَ السُّوْءِ، وَإِذَا دَخَلْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَمْنَعانِكَ مَدْخَلَ السُّوْءِ) (رواه البزار والبيهقي، وحسنه الألباني).

والله -تعالى- أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.