إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 مايو 2016 - 24 شعبان 1437هـ

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- في كتابه الكريم: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110).

وما أحوجنا إلى تدبر هذه الآية الكريمة على وجوه قراءتها التي كلها حق ومِن عند الله؛ فكل وجه مِن وجوه قراءتها، وكذا وجوه تفسيرها، فيه ما فيه مِن الفوائد العظيمة التي يحتاجها السائرون إلى الله على طريق الرسل المحفوف بالمكاره والآلام؛ فلنستعرض أولاً ما ورد من وجوه القراءة، وما فيها من وجوه التفسير، ثم نذكر فوائدها.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وفي قوله: (كُـذبُوا) قراءتان: إحداهما: بالتشديد (كُـذِّبُوا)، وكذلك كانت عائشة -رضي الله عنها- تقرؤها. قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) قال: قلتُ: أكُذِبُوا أم كُذُبُوا؟ فقالت عائشة: (كُذُبُوا) فقلت: قد استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، فما هو الظن؟ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلتُ لها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)؟! فقالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلتُ: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر النصر (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) ممن كذبهم مِن قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك. حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة: فقلتُ: لعلها (قَدْ كُذِبُوا) مخففة؟ قالت: معاذ الله! انتهى ما ذكره.

وقال ابن جريح: أخبرني ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) خفيفة. قال عبد الله -هو ابن مليكة- ثم قال لي ابن عباس: كانوا بَشَرًا! ثم تلا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ) (البقرة:214). قال ابن جريح: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة: أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن مَن معهم من المؤمنين قد كذبوهم، قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا) مثقلة؛ للتكذيب.

وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى – قراءة - أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)، فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) تقول: كذبتهم أتباعهم، إسناده صحيح أيضًا.

والقراءة الثانية: بالتخفيف، واختلفوا في تفسيرها: فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- ما تقدم.

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- فيما رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قرأ: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.

وهذا عن ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم-، مخالف لما رواه آخرون عنهما؛ أما ابن عباس: فروى الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس في قوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك (فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ).

وكذا روي عن سعيد بن جبير، وعمران بن الحارث السلمي، وعبد الرحمن بن معاوية، وعلي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس بمثله.

وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري، قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف؟! فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا). قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كَذَبوا، قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلاً يُدعَى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلاً!

ثم روى ابن جرير أيضًا من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني!

وهكذا رُوي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك، وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف، حتى إن مجاهدًا قرأها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) بفتح الذال. رواه ابن جرير، إلا أن بعض مَن فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم مَن يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظن الكفار أن الرسل قد (كُذِبَوا) مخففة، فيما وعدوا به من النصر.

وأما ابن مسعود؛ فقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل، عن جحش بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يقول في هذه الآية: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) مِن إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم (قد كُذِبُوا) مخففة.

فهاتان روايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم-، وقد أنكرت ذلك عائشة -رضي الله عنها- على مَن فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير ووجَّه المشهور عن الجمهور، وزيف القول الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه. والله أعلم" (انتهى كلام ابن كثير).

فيتحصل من ذلك أن قوله -تعالى-: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) يقرأ على وجهين كلاهما ثابت بلا شك:

الوجه الأول: (كُذِبُوا) وهي قراءتنا المشهورة "قراءة عاصم، وحمزة، والكوفيين وخلف، وأبو جعفر"، وعلى هذا الوجه فله ثلاثة أوجه في التفسير:

الأول: أن الرسل قد ظنت أنها قد كُذِبت، وهذا هو الثابت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود -رضي الله عنهم-، حيث قال ابن عباس: "كانوا بشرًا"، وقال: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ) (البقرة:214).

وهو يوضح معنى الظن هنا عند ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأنه مجرد الخواطر التي تطرأ على القلب ولا تستقر، وهو من جنس ما وقع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في فترة انقطاع الوحي حين هم أن يتردى من فوق جبل، وهذه كلها عوارض البشرية التي تقع للرسل حتى يكونوا قدوة للمؤمنين في دفع هذه الخواطر؛ فهي ظنون مرجوحة مطرودة يجاهدها المؤمن ليصل إلى علم اليقين وحق اليقين، والرسل تصل بعدها إلى عين اليقين؛ حتى إذا وقعت هذه الظنون في نفس المؤمن لشدة الحال لم يقنط من رحمة الله، ولم يخدعه الشيطان عندها أنه قد زال إيمانه، بل هذه طبيعة القلب البشري ومجرد ورود الخواطر لا يمكن منعه ابتداءً، ولا يحاسب عليه الإنسان ما لم يصل إلى الشك، أو أن يظن الظن الراجح بالاعتقاد الفاسد، وهذا الذي أنكرته عائشة -رضي الله عنها- أن تكون الرسل قد ظنت، أي: غلب على ظنها أو اعتقدت ذلك في ربها أو حتى شكت، وهذا مما لا نزاع فيه بين أحد مِن أهل السنة وأهل الإيمان -إن شاء الله-.

ولما لم تكن عائشة -رضي الله عنها- تعلم بهذه القراءة وتوجيهها الذي قاله ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- أنكرتها.

الوجه الثاني: أن بعض أتباع الرسل ظنوا أن الرسل قد كُذِبت، وهذا يحتمل أمرين:

الأول: أن أتباع الرسل من المؤمنين وقع لهم ما ذكر في الوجه الأول، وهو خواطر ووساوس دفعوها -بحمد الله-، وما استقرت في النفوس.

الثاني: أن يكون بعض أتباع الرسل قد فتنوا من شدة الحال، كمن يعبد الله على حرف، ومن يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.

والاحتمال الأول أظهر عندي؛ لأن الله وصف مَن قال: (مَتَى نَصْرُ اللّهِ) بالإيمان، فجعل -سبحانه- استبطاء النصر لا ينافي الإيمان؛ فدل على أنه -الذي وقع في نفوسهم- الخواطر؛ وليست الشكوك، ولا الظنون الراجحة، ولا اليقين بالأولى.

الوجه الثالث:

أن أقوام الرسل مِن الكفار ظنوا أن الرسل قد كذبت، وأنه لم يأتها شيء لما استبطأ النصر، وهو هنا الظن الراجح عندهم واعتقادهم الفاسد كما قالت "أم جميل" لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أبطأ عليه جبريل -عليه السلام-: "يَا مُحَمَّدُ مَا أُرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا . وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى:1-3)، وهو في الصحيحين دون تسميتها "أم جميل".

وأنتَ إذا تأملت أقوال السلف بمجموعها، وعلمت ما يجري في واقع الحال عند المحن والشدائد؛ وجدتَ أن مجموع أقوالهم يصف تفاصيل ما وقع لطوائف مختلفة ونوعيات متفاوتة كلها موجودة في الواقع.

ومَن فتَّش في نفسه وراقب خواطره، واستوعب كذلك ما يقع لإخوانه والناس حوله، خاصة عند الضربات المتتابعة والهزائم المتتالية التي قد تحل بالطائفة المؤمنة في مراحل مواجهتها الأولى مع الباطل، وشدة التفاوت بين القوة الظاهرة للباطل والاستضعاف الشديد للمؤمنين - علم فعلاً أن حقيقة الواقع هو مجموع أقوال السلف، وإن كان في نهاية الأمر بعض الأقوال أليق بظاهر الآية، لكن غيرها ملازم لها غير معارض؛ فأما قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا بشرًا" فيعني أن الرسل قد ظنت -أي جاءتها خواطر- أنها قد كُذِبت؛ ورغم أن هذا يضيق به البعض ويكرهه كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- لمسروق: "هو الذي تكره"؛ لظنه أنه مخالف لعصمة الرسل واللائق بهم، لكنه والله عند التأمل والتجربة مِن أعظم أسباب الراحة والطمأنينة لعباد الله المؤمنين؛ لأن لهم في الرسل الأسوة الحسنة، وورود الخواطر حتى بظن أن الوحي ما أتاهم أو أن النصر لن يأتي لا ينافي ما ثبت مِن عصمتهم، فإن الخواطر من عوارض البشرية لا دليل على امتناعها على الرسل؛ إنما المنع من الاعتقاد الباطل أو الشك.

أما ورود الخواطر التي يجاهدونها ويدفعونها؛ فأين في الكتاب والسنة أو الإجماع المنع من ذلك؟!

وقد ورد نحو مِن هذا في الكلام على هم يوسف -عليه السلام-، وأما كون هذا من أسباب راحة المؤمنين؛ لأن لحظات الشدة قد يكون معها هذه الخواطر، والتي يتفاوت الناس كثيرًا جدًّا في حجمها ومدتها وبقائها، فمنهم مَن تأتيه كوميض برق مفزع لصاحبه يزول بأسرع ما يكون، ويأتيه بعده برد اليقين ومطر الإيمان المتتابع الذي يثمر في أرض القلب أنواع الخيرات والثمرات الزكية، ويدرك به فضل الله عليه في التثبيت، وأنه لا يملك لنفسه شيئًا، وأنه والله لولا الله ما اهتدى.

وتأمل قول الله -عز وجل- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً . إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75).

ولا شك أن الركون إلى الكفرة في افتراء غير الحق على الله -عز وجل- هو من هذا الجنس من الخواطر، تزول ولا تستقر، يعرف بها المؤمن اتباعًا لرسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها الله كيف يشاء، ولا يزال دأبه في كل لحظة الالتجاء إلى الله -سبحانه-، والفرار منه إليه، داعيًا متضرعًا له بأن يثبت قلبه على دينه والإيمان به، وأن يصرِّف قلبه على طاعته -عز وجل-.

وهذه الخواطر ليست شكًّا، بل هي مرحلة بين طمأنينة القلب التي سألها إبراهيم -عليه السلام- وبين الشك الذي نفاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن إبراهيم -عليه السلام- حين قال: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) (متفق عليه).

وهناك من المؤمنين من تتكرر عليه هذه الخواطر أكثر من ذلك، ويجد بسببها ما أن يخر من السماء أهون عليه من أن يتكلم به، ويظل مجاهدًا لذلك كثيرًا، وهذا صريح الإيمان كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعساه باستمرار الجهاد أن يصل إلى برد اليقين، ومهيمنية الصديقين -مراقبتهم لله-، فتنقطع عنه الوساوس والخطرات، ويلحق بمن سبقه من السابقين بالخيرات.

وإخبار القرآن عن وقوع الخواطر من الرسل وأتباعهم المؤمنين -على الوجهين من التفسير- يبرد في قلوب المؤمنين حر هذا الجهاد، ويثبِّت قلوبهم، ويبشرهم بأن هذا الذي وجدوه لا يدل على انتفاء الإيمان من قلوبهم -وهو أحب شيء إليهم-، وزواله وحصول ضده من الشرك أو التكذيب أكره عندهم من الحرق بالنار، بل إيمانهم -بحمد الله- باق، وعن قريب تزول هذه الخواطر، بل ويزول تسلط الأعداء، ويأتي نصر الله القريب.

وهناك صنف ثالث لا يعرف حقيقة الطريق، ويظن أنه لا يفتن، بل تكفيه دعوى الإيمان! فإذا جاءت المحن والفتن افتتن، وظن أنه (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا) (الأحزاب:12)، وأنه (غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ) (الأنفال:49)، وهذا النوع الذي في قلبه مرض، ولو تأملتَ الآيتين في الأنفال، وفي الأحزاب: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا) (الأحزاب:12)، لوجدتهما يذكران نوعين من الناس: "المنافقين" و"الذين في قلوبهم مرض"، فالمنافقون في الأصل يعتقدون أن الرسل قد كذبت أو عندهم شك في ذلك ابتداءً، وهذا مثل قول مَن قال ظنوا، أي: ظن الكفار أن الرسل قد كذبت، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم الذين كان إيمانهم وعبادتهم على حرف، فعند الفتنة افتتنوا، فهم في الأصل لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، ولكنهم عند الفتنة سقطوا فيه -والعياذ بالله-، ويدلك على ذلك قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11).

فهو دليل على أنه قبل الفتنة لم يكن منقلبًا، ولم يكن خاسرًا الدنيا والآخرة، وإنما خسر الدنيا والآخرة لما انقلب لما جاءته الفتنة، فكان عنده قبل ذلك إيمان ناقص ضعيف، لا يثبت عند المحن؛ لو شُكك لشك، ولو فتن لافتتن، وهو كحال مسلمة الأعراب -على قول جمهور المفسرين- أنهم لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، وكان في قلوبهم مرض، فهم مسلمون وليسوا بمؤمنين الإيمان الواجب.

وكذا مَن قال الله فيهم: (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا) (الأحزاب:14)، ولو كانوا قبل دخول الكفار عليهم المدينة -لو حدث- مِن نواحيها منافقين، لفرحوا بهم، ولما احتاجوا أن يسألوهم الفتنة -أي: الشرك-، بل كانوا يبادرون إليها، وأما هؤلاء فهم يؤتون الفتنة بعد توقف قليل (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا)، وهذه النوعية ضعيفة الإيمان موجودة في الصف المُسلِم، ووجودها في المراحل الأولى للدعوة خطر كبير عليها؛ لأن الأوائل هم الذين سيتصدرون بعد حين في قيادة الأمة، بل العالم؛ إمامة وعلمًا، ورواية ودراية، وتربية وتوجيهًا، ودعوة وجهادًا، وملكًا وسلطانًا، فلو بقيت الأمور بلا تمحيص لتصدر مثل هؤلاء؛ فحصل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فيقدر الله الابتلاء الذي يصل إلى حد اليأس من الناس ومن النفس، وحتى تأتي الخواطر السيئة لأهل الإيمان، وحتى تحصل الفتنة لهذا الصنف من الناس فيتخلف ويتراجع، ويفتن ويشك، وينسحب ويتساقط من الزلزلة؛ فيصفو الصف المؤمن، ويُعرف فيه مَن يصلح ومَن لا يصلح.

وأما الكفار والمنافقون فهم على ظنهم واعتقادهم الفاسد مِن البداية، لكنهم يرون في استبطاء النصر دليلاً على ظنهم، وهذه فتنة لهم ليزدادوا إثمًا وطغيانًا وكبرًا، ثم يأخذهم العزيز المقتدر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وأقرب الأقوال عندي إلى ظاهر الآية، أن الضمير يعود على أقرب مذكور "وهم الرسل"، وأنهم خطرتْ ببالهم هذه الخواطر التي ثبتهم الله عندها، وصرفها عنهم، ورزقهم برد اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، ثم جاء النصر فكان عين اليقين، نسأل الله أن يرزقنا ذلك باتباعهم والاقتداء بهم.

ومِن لوازم هذا القول: أن أتباعهم المؤمنين قد حدث لهم مثل ذلك، بل وزيادة عليه كما ذكرنا، ومِن لوازمه أيضًا: أن مَن فتن مِن هؤلاء الأتباع، ومَن كان مفتونًا أصلاً من الكفار والمنافقين، تأكد لديهم الظن الكاذب والوهم الفاسد، ظن السوء باضمحلال الدين وهزيمة المؤمنين هزيمة لا نصر بعدها، فجاء النصر بعد ذلك ماحقًا لعقائد المبطلين، ونجاة لعباد الله المؤمنين: (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

وأما قراءة عائشة -رضي الله عنها- وتفسيرها: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) أن الرسل ظنت أن أتباعهم كذبوهم -فهي قراءة ثابتة بلا شك، وهي قراءة نافع وأبي عمرو ويعقوب- والمعنى الذي ذكرته -رضي الله عنها- معنى حق أيضًا، وهو يكمل جانبًا آخر مِن صورة الموقف عند البلاء، وهو أن شدة الأمر تجعل كثيرًا من الناس يفتن حتى يظن الرسل أن أتباعهم الخُلَّص سيلحقون بالمنسحبين المفتونين، وأنهم يبقون وحدهم.

وهذا والله مِن أعظم المعاني؛ فهم عازمون على السير إلى الله، ولو كذبهم الناس كلهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) (متفق عليه)، فهم لا يستوحشون من قلة السالكين -بل وانعدامهم- ليكونوا بذلك الأسوة الحسنة لمن يأتي بعدهم من المؤمنين، حين يجدون مَن معهم يتركون الطريق ويتركون نصرة الدين، وتهمهم أنفسهم، ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية مِن إنكار القدر، فظن أن الأمور إنما تتم حسب تخطيط الكفار ومكرهم وليس بأمرٍ مِن الله وقدره هو مِن ظن الجاهلية.

وكذلك إنكار الحكمة في حصول التسلط العنيف والضربات المتتابعة مع أن المؤمنين على الحق والكفار على الباطل؛ فيحصل الريب والشك لطوائف، وكذلك ظن اضمحلال الدين، وكل هذا من ظن الجاهلية، وهو الله يقع مِن طوائف عند شدة المحنة، ونسأل الله العافية، فعندما يجد المؤمنون والدعاة والمجاهدون بعض مَن معهم يقع ويسقط في الفتن، يتذكرون حال الرسل الذين استيأسوا مِن إيمان قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم، ومع ذلك فهم عازمون على الثبات والسير في الطريق -ولو وحدهم!-، فيعزمون مثلهم على ذلك، وهذا مِن أعظم وأربح التجارات مع الله -سبحانه-؛ فهو يثاب هذا الثواب بعزمه على السير إلى الله وحده "ولو لم يقع ذلك"، لكن يقدر له ما يظن معه انسحاب كل مَن معه ليعزم على الانفراد لله ثم يأتيه النصر، فيجمع الله له خير الدنيا والآخرة.

وأما إنكار عائشة -رضي الله عنها- للقراءة الأخرى -وهي متواترة عندنا الآن-: فلأنها لم تسمعها مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم تبلغها من طريق تقوم بها الحجة عندها؛ فهي معذورة بعدم البلاغ، ففيه دليل على أن مَن أنكر شيئًا من الدين -بل ومِن القرآن- لم تبلغه الحجة به فهو معذور، ولا عذر لمن بلغته الحجة، والله أعلم.

وبهذا الجمع -بحمد الله- يتضح لك فائدة جمع أقوال السلف في تفسير الآية، وكذا جمع القراءات وتوجيهها، فكل منها يدلك على معنى حق من معاني الإيمان، ويتناول جانبًا من جوانب الواقع يعالج ما يقع في النفوس ويشفي به الله صدور المؤمنين، فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

وأما قوله -تعالى-: (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ) فقرئ: (نُجِّيَ) بالبناء للمجهول، وقرئ: (فَنُنَجِّيَ مَنْ نَشَاءُ) فالله هو الذي نجَّى مَن يشاء بفضله ورحمته ومنته، وجاء النصر في أشد لحظات المحنة، وهكذا كانت هذه السورة مِن المبشرات لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقرب الفرج والنصر والنجاة، وقد كان، ونزل بأس الله بالكافرين (وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

والحمد لله رب العالمين.