إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 مايو 2016 - 24 شعبان 1437هـ

المعارك الفكرية "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد: الاستحقاقات السياسية حديث الساعة:

فالاستحقاقات السياسية هي الحدث الأعلى صخبًا، والمستحوذ على اهتمام شرائح أكثر مِن الشعب المصري مِن كافة التيارات، فالجميع يترقب موعد قانون الانتخابات والطعون عليه، والجميع يتساءل عن موعد إجراء الانتخابات القادمة، وعن التحالفات، والقوائم والفرص، و...

وحتى الذين اختاروا سياسة "هدم الدولة!" -نسأل الله أن يهديهم إلى رشدهم وأن يردهم عن غيهم- وبالتالي فهم لن يشاركوا في الانتخابات، بل ولا في الدعوة السلمية بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا في أي شيء مِن هذا القبيل - ومع هذا فشغلهم الشاغل هو هذه الانتخابات؛ لأنهم مشغولون بتعطيلها ضمن مسلسل "هدم الدولة" الذي يتبنونه!

وفي ظل هذا الانشغال الدائم بهذه الأحداث يتعمد البعض أن يفجر كل يوم قضية فكرية جديدة تثير صخبًا وتصبح حديث الناس!

ويذهب المحللون مذاهب شتى في تفسير الارتباط بيْن هذه الزوابع الفكرية وبين تلك الاستحقاقات السياسية؛ هذا مِن جهة، ومن جهة أخرى في العلاقة بين تلك الزوابع الفكرية بعضها البعض، وفي هذا المقال نستعرض أهم معركتين فكريتين مثارتين الآن، ثم نتناول بالتحليل العلاقة بينها وبين الاستحقاقات السياسية.

وهاتان القضيتان هما:

أ- دعوات الاكتفاء بالقرآن أو إخضاع السُّنة للذوق!

ب- العلمانية المُفلسة، ومحاولة "فاشلة" لاستنساخ الدعوة لخلع الحجاب.

المعركة الفكرية الأولى: "دعوات الاكتفاء بالقرآن أو إخضاع السُّنة للذوق!":

الدعوات إلى حرق كتب التراث، وتكذيب كتب السنة والاكتفاء بالقرآن، وهي الدعوات التي يرددها كثيرون، وليس "إبراهيم عيسى" أو "البحيري فقط"، وإن كان الأخير قد تنصل مِن الدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن؛ لعدم قدرته على الدفاع عنها في مناظرته الشهيرة مع الشيخين: "أسامة الأزهري" و"الجفري"، وفرَّ منها إلى دعوى أنه يريد أن يخلِّص السُّنة مِن قيد الإسناد، وأن يعتمد على العقل، وكان صريحًا جدًّا حينما عطف عليه "الذوق!".

إذن فهو يريد إلقاء جميع قواعد علم الحديث المنبثقة مِن قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، ويجعل معيار القبول والرد لما نُسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذوق!

ولا يَخفى على عاقل أن هذا المعيار يمكن أن يمرِّر أخبارًا هي مِن رواية الفاسقين أو غير الأثبات الذين أُمرنا برد أخبارهم، بينما يرد أخبار الثقات العدول الذين جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الواحد منهم كافيًا لإقامة الحجة على قبائل بأكملها في أصول الدين وفروعه.

المعركة الفكرية الثانية: "العلمانية المفلسة ومحاولة فاشلة لاستنساخ الدعوة لخلع الحجاب!":

وهي فكرة سقيمة عقيمة تدل على أن العقل العلماني في غاية الإفلاس، فهم يعيشون على نتاج العلمانيين الأوائل، حيث كانت الثقافة الغربية "الوافدة" هي الجاذبة لكثير مِن عقول أبناء المسلمين؛ فأنتج هؤلاء هجومًا شرسًا على "الهوية الإسلامية" ما زالت الأجيال المعاصرة مِن العلمانيين تجتره وتعيش عليه!

وفي هذا الصدد لا بد مِن توضيح نقطتين:

الأولى: أن كثيرًا مِن رموز العلمانية الأوائل في العالم الإسلامي قد تابوا إلى الله؛ فكتم أتباعهم ذلك، ونَشرت الآلة الإعلامية كلامهم حال الانبهار بالغرب، ولم ينشروا بيْن الناس رجوعهم إلى حب إسلامهم وتمجيد تراثهم، وفخرهم بشريعتهم، ومن هؤلاء -على سبيل المثال-: "طه حسين"، كما بيَّن ذلك الأستاذ الدكتور "محمد عمارة" في كتابه: "طه حسين مِن الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام".

الثانية: أنه ومنذ فترة ليست بالقليلة أفلست العلمانية ولم تستطع اجتذاب عقول جديدة إلا فيما ندر، بينما اتجه معظم الشباب الجامعي إلى الاعتناء بالعلوم الإسلامية؛ إما بدراسة متعمقة حتى مِن غير خريجي كليات العلوم الشرعية أو بدرجات دون ذلك، مع وجود تنوع منهجي كبير لدى هذا الجمهور.

المهم أن هذه العلمانية "المفلسة" قد حاولت استنساخ حركة "سعد زغلول" في نزع "النقاب" مِن على وجه "هدى شعراوي!"، غير أن هذا "الاستنساخ" وُلد ميتًا؛ لعدة أمور يمكن أن تتضح مِن خلال عرض الفكرة القديمة التي أرادوا استنساخها.

القصة الأولى لمظاهرة خلع الحجاب:

رغم قِدَم الخلاف في: هل يجب على المرأة ستر جميع بدنها أم يُستثنى الوجه والكفان مِن هذا الوجوب ويكون حكمهما الاستحباب؟ إلا أنه كان يُسمى فقهيًّا بـ"الخلاف في حد عورة المرأة"، وكان أحيانًا يسمى هذا الزي المستجمع للشروط: "حجابًا"، وقلما ترد كلمة "نقاب" اللهم إلا في نهي المُحْرمة أن تنتقب، وهذا في حد ذاته أحد أدلة شيوع ستر الوجه في زمن النبوة، وأن الشرع منع المحْرمة "دون غيرها" مِن إحدى صور تغطية الوجه "وهي النقاب"، مع بقاء مشروعية الإسدال للمحرمة.

المهم أنه مع وجود هذا الخلاف فقد شاع في مصر "الحجاب المتضمن ستر الوجه والكفين"، واشتهر هذا بين الناس باسم "الحجاب".

ثم كانت "موجات التغريب" التي استهدفت -في جميع أطوارها- تعرية جسد المرأة ككل، وإعطائها الحرية الجنسية، وقصر مفهوم الزنا عند مفهوم الحرية الشخصية! وقاد هذه الحملات بعض النصارى، مثل: "لويس عوض" وبعض العلمانيين المتبجحين، مثل: "أحمد لطفي السيد"، بينما تَصدَّى لها في بداية الأمر: "قاسم أمين"، ثم عاد مِن فرنسا ليكتب في إطارها العام، ويناصِر الدعوة لما يسمى بـ"تحرير المرأة!" بحيث يظن القارئ أنه يتفق تمامًا مع كل فحواها مع عدم تصريحه بمصادمة المعلوم مِن الدين بالضرورة، وإن كان لا يرد على قائليها.

وفي هذه الأثناء كانت الريادة الدينية للشيخ "محمد عبده" -رحمه الله-، والذي كانت له جهود جيدة في تجديد دماء الدعوة إلى الله؛ إلا أن الثغرة الرئيسية التي أُتيَ منها، هي: وضعه لموافقة الغرب كأحد أهم المرجحات عند مسائل الخلاف!

ولما كان الغرب يريد مِن المرأة العري؛ لم يجد الشيخ "محمد عبده" أكثر مِن الانتصار للقول بأن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة، بل لم يكن يشير إلى أن القائلين بأنهما ليسا بعورة يرون أن سترهما مستحب.

ومِن هنا التقط "قاسم أمين" الخيط ليجد لدعوته سندًا دينيًّا، وكأن مشروع حياته هو "كشف وجوه المسلمات" ليس إلا! وأن هذا مِن باب التخفيف عن المرأة! لا سيما وأنها خرجت للدراسة والعمل والثورة، وأخيرًا "تمثيل مصر في المؤتمرات الدولية".

وكان "سعد زغلول" يريد أيضًا أن يعطي للغرب صورة أن مصر المستقلة ستكون أقرب إلى الغرب مِن "مصر العثمانية"، ومِن ثَمَّ هَمَّ برفع "البرقع" عن وجه زوجته "صفية زغلول"؛ إلا أنه تراجع في النهاية حتى استطاع رفعه مِن على وجه "هدى شعراوي" في بداية مؤتمر أُعد لاستقباله بعد عودته مِن تمثيل مصر في فرنسا.

ومِن هذا السياق تتضح الفروق الجوهرية بيْن قصتي خلع الحجاب قديمًا وحديثًا، ومنها:

1- أن الأجواء كانت مُفعمة بآمال استقلال وتقدُّم، وهي فترات تطيش فيها الأحلام، وأن مَن أقدم على هذا؛ رموز هذا الحراك.

2- أن الذي تم خلعه في المرة الأصلية هو "البرقع" وليس "كل الحجاب"، وأن هذا وإن جاء خلال زخم ثوري أُشرب ثوب العلمانية قسرًا "وإلا فإن المنبر الرئيسي لثورة 1919م كان هو منبر الأزهر"، لكنه استند إلى رؤية شرعية فيها جانب مِن الصواب، وهي وجود الخلاف في حكم ستر الوجه والكفين؛ إلا أن ثَمَّ خطأ فادحًا بإهمال أن سترهما لا يقل عن الاستحباب، وبالتالي لا يجوز النهى عنه، بل يستحب الترغيب فيه.

3- أن الغالب على نساء هذا الزمان هو الالتزام بالزي الشرعي دون معرفة المستند الديني، فخال على بعضهن ادعاء أن الحجاب أحد مظاهر تسلط الرجل على المرأة، بينما يغلب على هذا الزمان معرفة أن الحجاب "فريضة" كالصلاة -حتى عند غير المحجبات-، وبالتالي انبرت الكثيرات منهن للدفاع عن الحجاب "نسأل الله أن يهديهن للعمل بما علمن".

وفي هذا الصدد نريد أن نؤكد على فائدتين:

أ‌- في بداية فرض الحجاب على أمهات المؤمنين فوائد، منها: الحرص على الآداب الإسلامية بصفة عامة وليس مجرد ستر الجسد؛ فبدأ الله بضرورة عدم الخضوع بالقول، ثم أمرهن بأعلى درجات الحجاب "وهي القرار في البيت"، وهي واجبة في حق أمهات المؤمنين، مستحبة في حق باقي النساء، وأتى بالصلاة والزكاة في ذات السياق، ثم ختم بالأمر الجامع لذلك كله وهو طاعة الله ورسوله، فقال الله -سبحانه وتعالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (الأحزاب:32-33).

ثم بيَّن بعدها الحجاب الواجب على جميع المؤمنات بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59).

ب‌- يشيع بين الناس مفهوم خاطئ، وهو أن المتلبث بذنب ما يعرض عن سماع الأدلة على حرمته، بدعوى أنه متى استمع إلى تلك الأدلة لزمه الإقلاع عن الذنب، وهو لا ينوي ذلك، فمن ثَمَّ يفضِّل عدم معرفة تلك الأدلة ليبقى جاهلاً معذورًا.

وفي الواقع: إن مثل هذا الشخص يوقع نفسه في خطر داهم؛ إذ أن فعل المعصية ذنب، وأما إنكار أنها معصية فقد يكون كفرًا إذا كانت معلومة مِن الدين بالضرورة، وتجهيل النفس بالإعراض عن الحجة بعد وصولها ليس عذرًا، وهذا قد يحدث في قضية مثل قضية الحجاب، حيث تجد بعض المتبرجات هوى في نفسها في أن تسمع للدعوات الطاعنة في وجوبه، والحمد لله أن الغالبية العظمى مِن غير المحجبات قد فطنَّ إلى هذه السقطة الشنيعة "نسأل الله أن يهديهن إلى الحجاب، وأن يتوب علينا وعليهن".

المعارك الفكرية: "ملهاة عن السياسة" أم "ضرب في الأعماق"؟!

اختلفتْ في هذا السياق وجهات النظر في توصيف حال مَن يفتحون الملفات الفكرية في خِضَم استحقاقات سياسية كثيرة، فذهب الناس فيهما إلى أحد طريقين:

الأول: مَن يرى أنها "ملهاة".

الثاني: مَن يرى أنها "ضرب في الأعماق".

ولكلٍ وجهة نظره، نعرضها فيما يأتي:

مَن يرى أن الحرب الفكرية ملهاة عن الاستحقاقات السياسية:

يرى البعض أن الحرب الفكرية ملهاة عن الاستحقاقات السياسية يقوم بها الفريق الخاسر سياسيًّا، أو مِن بعض الأجهزة التي تتعمد وجود مباراة جانبية "مِن وجهة نظرهم" بيْن أي فريقين، وليكن بين الإسلاميين والعلمانيين، حتى لو كانت مؤسسة "الأزهر" -وهي المؤسسة الدينية الرسمية- داخلة في طرف الإسلاميين الذين يهاجمهم الطرف الآخر، وللمفارقة يصفهم بـ "الوهابية!".

وبناءً على هذا التوصيف يرى هؤلاء أن مِن الكياسة ألا نُعِير تلك المعارك المثارة اهتمامًا، وإلا سنكون كحال ذلك الرجل الذي يشاغله اللصوص بمثل قولهم: "انظر العصفورة!" ولما ينظر يسهل لباقي العصابة أن يقوموا بسرقته.

وإذا كان هذا رأي كثيرين ممن لم يتورطوا في مشروع هدم الدولة؛ فلا شك أن المتبنين لهذا المشروع أكثر قناعة بمؤامرة الملهاة، وأكثر إصرارًا على توصيف ما يحدث بأنه "ملهاة"، وأنهم لا ينبغي "أن يتكعبلوا" في هؤلاء على حد تعبير أحدهم.

ومِن أفحش ما يقع من هذا الفريق -بالإضافة إلى أصل فكرتهم في هدم الدولة- زعمه أن الهدم إنما يكون على رأس مَن يحكم، بينما الهدم لا يكون إلا على رؤوس الناس جميعًا، وهؤلاء في سبيل تهييج الناس على النظام يشيعون كل هذه الشبهات لنسبتها إلى النظام، متغافلين عن أنه -وبغض النظر عن المتهم بها مِن وجهة نظرهم- يجب عليهم أن يردوا هذه الشبهات؛ لا سيما إذا كانوا يساهمون في نشرها.

مَن يرى أن الحرب الفكرية "ضرب في الأعماق":

لا نريد أن نختلف مع أصحاب الفريق الأول في أهداف مَن يحرك هذه القضايا الآن، ولكننا نختلف معهم جذريًّا في توصيفهم لها -مِِن وجهة نظرنا- بأنها "ملهاة" ينبغي أن نعرض عنها!

فإن الخصم إذا شعر بقوتك في معركة ما فيمكن أن يفتعل معك معركة تافهة أو يحاول أن يلفت نظرك إلى تلك المعركة التافهة على طريقة؛ "انظر العصفورة"، كما أن الجيوش التي تشعر بضعف موقفها على الجبهة قد تلجأ لفتح جبهة أخرى تكون هامة جدًّا عند الخصم بحيث يُضطر إلى سحب بعض قواته إليها، بل قد يلجأ إلى ضرب العمق ليجبره على اتخاذ تدابير دفاعية تتعلق بالعمق لخطورته الشديدة الحساسية.

ولنا بعد ذلك أن نحكم على الطعن في السُّنة، ومحاولة هز فرضية الحجاب، والطعن في تراث الأمة وإهانة كل الرموز الإسلامية "بما في ذلك المؤسسة الدينية الرسمية"، هل يندرج عندك تحت باب: "انظر العصفورة" ويكون حله الإهمال؟! أم يندرج تحت باب فتح المزيد مِن الجبهات أو الضرب في الأعماق؛ فيحتاج إلى إعلان حالة الاستنفار العام؟

إن الاستنفار العام في الحرب العسكرية يعني تعبئة الجيش كله، بل الشعب كله لخوض معركة المصير، بغض النظر أن الخصم قد شنها ليخفف الضغط عن نفسه في معركة أخرى.

وكذلك وبدون التنازل عن المكتسبات السياسية التي حققها الشعب المصري بعد "25 يناير"، يجب أن نستنفر الجميع لخوض حرب المصير الفكرية.

لقد استعمل الجميع مع هذه المعارك سياسة الإهمال في أول الأمر، لا مِن باب عدم الدخول في هذه الملهاة، ولكن مِن باب قول السيوطي -رحمه الله- وهو يرد على أسلاف هؤلاء في كتاب "مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنة"، حيث قال: "اعلموا رحمكم الله أن مِن العلم كهيئة الدواء، ومِن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة".

ثم قال وكأنه يصف زماننا: "وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسًا بحمد الله -تعالى- منذ أزمان، وهو أن قائلاً رافضيًّا زنديقًا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية -زادها الله علوًّا وشرفًا- لا يُحتج بها! وأن الحجة في القرآن خاصة!".

إلى أن قال: "هكذا سمعتُ هذا الكلام بجملته منه، وسمعه خلائق غيري، فمنهم مَن لا يلقي لذلك بالاً، ومنهم مَن لا يعرف أصل هذا الكلام ولا مِن أين جاء؟ لذا أردتُ أن أو ضح للناس أصل ذلك، وأبيِّن بطلانه، وأنه من أعظم المهالك" اهـ.

الطعن في الحجاب بعد الطعن في السُّنة ضرب متتابع في الأعماق:

إذا كان التمثيل الصحيح للمعارك الفكرية أنها مِن باب الضرب في الأعماق؛ فيبقى الكلام: ولماذا قضية وثانية وثالثة... ؟!

والإجابة واضحة، عبَّر عنها الشاعر بقوله:

لو كان سـهـمـًـا واحدـًا لاتـقيـتـه                     ولــكــنـه ســهــم وثــان وثـالــث

إلا أن قضية السُّنة تبدو أكثر عمقًا مِن هذا؛ حيث يهدف دعاتها إلى إحداث فراغ تشريعي بإبعاد السنة الشارحة والموضحة والمبيِّنة للقرآن؛ فإن تم لهم ذلك أمكنهم أن يتلاعبوا بنصوص القرآن؛ لأنها ستكون حينئذٍ بدون بيان.

ولكن مِن جملة الغباء الذي يتسم بها هؤلاء في هذا الزمان -والحمد لله رب العالمين- أنهم وقعوا في خطأين:

الأول: أنهم بدأوا في الفروع قبل أن ينضج الأصل -لا أنضج الله لهم كيدًا-.

الثاني: أنهم اختاروا قضية "الحجاب" رغم أنها مِن القضايا المبيَّنة في القرآن؛ فلم ينفعهم فيها ما أصَّلوه مِن الطعن في السُّنة كثيرًا، وإن كان هذا ينبهنا إلى عظيم الخطر مِن أنهم متى تمكنوا مِن قضية السُّنة فسوف يؤولون القرآن وفق أهوائهم، حتى تلك القضايا التي وُجد بيانها في القرآن.

ومِن هنا نفهم تصريح صاحب دعوة مليونية "خلع الحجاب" بأنه أجَّـلها؛ لأن الأمر يحتاج إلى بعض التمهيد المجتمعي!

وهذا هو بيت القصيد.

فهل نستطيع تنظيم دفاعاتنا أم يعودون لنا بهجوم ينتزعون به اليقين مِن بعض شعبنا -المتدين بطبعه وإن رغمت أنوفهم-؟!

سؤال يحتاج إلى أن تكون الإجابة عليه مواصلة الليل بالنهار لتعلم الحق بدليله، ومعرفة شبهات الباطل وردها، وهذا هو جهاد الوقت لمن يسأل عن الجهاد (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان:52).

وبالاستعانة بالله والتوكل عليه وتكامل الجهود؛ لن يشغل شيء مِن هذا أبدًا عن الاستحقاقات السياسية أو المشاركة المجتمعية بفضل الله -تعالى-، وحوله وقوته.