إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 07 مايو 2016 - 30 رجب 1437هـ

تعليقـًا على رمي "البحيري" للأزهر بأنه يعيد محاكم التفتيش

"المنبهرون بالغرب يلصقون سوآته الحضارية بأمتنا وأزهرنا!"

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبماذا عساك أن تصِف أناسًا مسلمين يشهدون "أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ولكنهم لا يكادون يذكرون القرآن إلا ليضربوا به السنة لشبهات عندهم، ولا يكادون يذكرون السنة إلا ليزعموا أن جُلها "أو كلها" مِن أكاذيب الوضاعين؟!

وكأن وعد الله بحفظ الكتاب والسنة في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، قد ذهب هباءً منثورًا! وأن الأمة ظلت في غفلتها حتى بعث الله لها هؤلاء المجددين الذين لا ينطقون عن هوى أنفسهم، وإنما عن هوى أشياخهم مِن المستشرقين؟!

وماذا تقول عن رجل لا يذكر التاريخ الإسلامي إلا ممتعضًا؛ فهو يقلِب الحسنات سيئات، وأما السيئات فيراها بعدسة مكبرة مئات الآلاف من المرات، فلو قلت عنه إنه ينظر إلى تاريخ أمته بعين السخط وينظر إلى تاريخ الغرب بعين الرضا؛ لكنت قد قصرت في العبارتين؛ فلا تكفي كلمة "السخط" للتعبير عن لهيب لسانه الذي يجعلك في حيرة من شأن أُتون قلبه على أمته، في حين أن كلمة "الرضا" لا ترقى إلى وصف عشر ما عليه القوم من النظر إلى الغرب نظرة قزم في سفح جبل إلى عملاق على قمته!

عمومًا فإن مِن الدلائل العملية لقوله -تعالى-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4)، ومن دلائل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم مِن علامات أن الأحاديث التي في "البخاري ومسلم" وغيرهما مِن كتب السنة - أن تلك الكتب قد نسبتْ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمورًا مستقبليه حدثت كما هي تمامًا، ومن هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلا لا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ، وَلا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

ولاحِظ وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء على أرائكهم وقد ملأوا بطونهم ثم يطعنون على قوم جابوا الصحارى والقفار، وواصلوا الليل بالنهار ليحملوا إلينا سنة النبي المختار -صلى الله عليه وسلم- غضة طرية محفوظة بحفظ الله لها، ثم بجهود أبنائها.

وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عنهم في حديث آخر يصف حالهم مع أمتهم أنهم (مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، كما في حديث حذيفة -رضي الله عنه- الطويل وفيه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ)، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: (نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (متفق عليه).

وهؤلاء في زماننا كثير... منهم الصحفي "إسلام البحيري" الذي تطاول على الدعاة؛ فأعرضنا عن إجابته، ثم اتبع طريقة الذي بال في ماء "زمزم" ليشتهر بيْن الناس ولو بالذم! فطعن في البخاري ومسلم وغيرهما مِن أئمة الحديث والفقه والتفسير.

كل هذا والقناة توفر له الحماية، وقد خاطبناها أكثر مِن مرة بأننا نطلب حق الرد، ولكن ليس مِن خلال هذا البرنامج حتى لا يكون هو خصمًا وحكمًا؛ فيعدون ولا يوفون، ويبدو أنه ظن أن الجميع يخاف مِن بحوثه "التي لا يذكر لها مرجعًا واحدًا"؛ فاستطال وطلب المناظرة على الهواء وسبَّ الأزهر، بل وزاد أنه توعد المخالفين بأنه "عايش لهم 30 سنة كمان"، وهذه الكلمة وحدها لمن يدري كافية في أن تقتنع أنه ليس ممن يُسمع له أو يرد عليه!

ولكن ولأن الناس يسمعون ويعودون بشبهاته إلى مَن يظنون بهم القدرة على الرد، وعلى رأسهم: "علماء الأزهر"؛ فقد قام "الأزهر" بدوره في التوضيح والبيان، ثم قرر أن يقوم بواجبه الدستوري المنوط به في دستور 2014م، وقدَّم شكوى لهيئة الاستثمار لوقف برنامج المذيع "إسلام البحيري"؛ وكان التعليق الرئيسي "للبحيري" أن "الأزهر" يعود بذلك إلى عصر محاكم التفتيش!

ولنا على موقف المذيع "إسلام البحيري" عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: إذ اتهمت الأزهر بالعودة إلى "محاكم التفتيش"، أما أخبرتنا مَن الذي بدأها، أم أنك لا تجرؤ أن تتحدث عن الحضارة الغربية بسوء؟! وعمومًا فسوف نذكر تذكرة للعالم، وتعليمًا للجاهل، وإقامة للحجة على المعاند تاريخ تلك المحاكم على وجه الاختصار.

تاريخ محاكم التفتيش في أوروبا:

وإليك تعريفًا مختصرًا بتاريخها مستفاد مِن مقال: "الأصولية المسيحية في الغرب... محاكم التفتيش ذروة التعصب والعنف" للكاتب هاشم صالح.

قال ما ملخصه: "يزعم الإعلام الغربي أن الحركات الأصولية المتطرفة هي حكر على العالم العربي والإسلامي فقط، لكن هذا الزعم ليس صحيحًا على الإطلاق، ويكفي أن نلقي نظرة على التاريخ القريب والبعيد لكي نتأكد من ذلك؛ فمحاكم التفتيش نشأت في أوروبا المسيحية منذ بداية القرن الثالث عشر واستمرت حتى القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في إسبانيا الكاثوليكية المتشددة؛ حيث تم طرد المسلمين العرب حتى بعد أن اعتنقوا المسيحية وتخلوا عن دينهم تحت الضغط، ومحاربة المفكرين والعلماء استمرت أيضًا منذ ذلك الحين وحتى مشارف القرن العشرين، وقد أنشئت لجنة خاصة لتحريم الكتب في الفاتيكان، ومهمتها تكمن في ملاحقة الكتب الفلسفية أو العلمية التي يشتبه فيها أو بانحرافها عن العقيدة المسيحية الصارمة.

ويمكن القول أن هناك مرحلتين أساسيتين للأصولية المسيحية: مرحلة العصور الوسطى، ومرحلة العصور الحديثة. وسوف نفصل الكلام فيهما على التوالي:

العصور الوسطى ومحاكم التفتيش: أصبحت محاكم التفتيش -السيئة الذكر- مثلاً يضرب على ذروة التعصب وعدم التسامح.

وقد أنشئت في أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا "غريفوار التاسع" وذلك عام 1233م، وكان هدفها محاربة الهرطقة في كل أنحاء العالم المسيحي، والمقصود بالهرطقة هنا أي انحراف -ولو بسيط- عن العقائد المسيحية الرسمية، وقد كلف بها رجال الدين في مختلف المحافظات والأمصار.

فكل واحد منهم كان مسئولاً عن ملاحقة المشبوهين في "أبرشيته"، وكانت الناس تساق سوقًا إلى محكمة التفتيش عن طريق الشبهة فقط، أو عن طريق وشاية أحد الجيران، فكانوا يعرضون المشبوه به للاستجواب حتى يعترف بذنبه، فإذا لم يعترف انتقلوا إلى مرحلة أعلى فهددوه بالتعذيب، وعندئذٍ كان الكثيرون ينهارون ويعترفون بذنبهم ويطلبون التوبة، وأحيانًا كانت تعطى لهم ويبرأون، ولكن إذا شكوا أن توبتهم ليست صادقة عرضوهم للتعذيب الجسدي حتى ينهاروا كليًّا، وإذا أصر المُذنب على أفكاره ورفض التراجع عنها فإنهم يشعلون الخشب والنار ويرمونه في المحرقة، وقد قتل خلق كثير بهذه الطريقة الوحشية التي أصبحت علامة على العصور الوسطى.

وقد استخدمت محاكم التفتيش في إسبانيا ضد المسلمين فعندما استسلمت محكمة غرناطة "وهي آخر دولة إسلامية في إسبانيا" عام 1492م، وعدوا المسلمين بالسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية مقابل خضوعهم للسلطة الجديدة، ولكنهم سرعان ما نقضوا هذا الوعد وراحوا يلاحقونهم، ووضعتهم الملكة الشهيرة "إيزابيل" أمام خيارين لا ثالث لهما: إما اعتناق المسيحية، وإما الطرد من البلاد، وقد اضطر قسم كبير منهم لاعتناق الدين الغالب من أجل البقاء على قيد الحياة، ولكن مع ذلك ظلوا يلاحقونهم ويشتبهون فيهم بأنهم يمارسون شعائرهم الإسلامية سرًّا! واتهموهم بالزندقة وأشعلوا المحرقة لمعاقبتهم جسديًّا، ولكن حتى هذا الحل لم ينجح كليًّا في حل المشكلة الإسلامية في إسبانيا، فكان أن لجئوا إلى الطرد الجماعي، ففي عامي 1609م، 1610م، تم طرد ما لا يقل عن 275.000 شخص إلى البلدان الإسلامية المجاورة كالمغرب وتونس والجزائر، بل وبعض البلدان المسيحية الأخرى، وهكذا تم حل المشكلة عن طريق الاستئصال الراديكالي.

وقد أعيد استخدام ذات الأساليب في العصور الحديثة في مواجهة الحركة التي سميت بحركة الإصلاح الديني، ونتج عن هذه الأساليب حروبًا وانقسامات ما زال العالم يُعاني من توابعها حتى الآن" اهـ.

الملاحظة الثانية: هل فتش أحد في باطنك أم أن لسانك هو الذي يغرف مما في قلبك ويعرب عنه؟!

فمما سبق تعرف أن "محاكم التفتيش" تميزت بالقسوة والشدة، كما أنها سميت "محاكم تفتيش"؛ لكونها لا تقف عن حدود الاعترافات الظاهرة لعلمهم أن تغيير الأفكار والعقائد بالقوة يمكن أن يكون تقية، فكان مَن شكوا في صدق موافقته لما تقول المحكمة عذبوه حتى يعترف على نفسه بالضد ثم يقتلونه؛ وبالتالي "فالأزهر" طلب محاسبة "إسلام البحيري" على باطل قاله مرارًا وافتخر به ونافح عنه، فضلاً عن وصلات السب والقذف الذي يستعمله في إرهاب منتقديه "وعلى رأسهم الأزهر".

كما أن "الأزهر" لم يطلب أكثر مِن غلق برنامجه؛ لكونه مصدرًا للفتن ومهددًا للسلام الاجتماعي، لا سيما وأن القناة التي يقدِّم عليها البرنامج معروفة باستفزازها الدائم للأمة، كما حدث في إصرارها على عقد مسابقات رقص شرقي.

الملاحظة الثالثة: هل يُعتبر تصدي "الأزهر" لمثل هذا البرنامج عدوانًا على حرية الرأي فضلاً أن يكون إعادة لـ"محاكم التفتيش"؟!

نترك الإجابة على هذا السؤال للدكتور "طه حسين"، ولا أظن أن "البحيري" يجرؤ أن ينبس تجاهه ببنت شفة؛ فهو ليس "كالبخاري" الذي رفع الله ذكره في الأمة المصرية حتى جعلوا الخطأ في "البخاري" هو الخطأ الذي لا يُغتفر؛ فيقول القائل منهم إذا أراد أن يهوِّن مِن خطأ: "وهل أخطأنا في البخاري؟!"، وأما "البحيري" فلا يخطأ إلا في "البخاري" وأمثاله!

وعمومًا فإن الرد هو مِن كلام الدكتور "طه حسين" تعليقًا على فتنة أثارها البهائيون عندما تلاعبوا بآيات القرآن ليخرجوا منها دلالات على دينهم الباطل، فكتب الدكتور "طه حسين" في صحيفة "الوادي" الوفدية بتاريخ: (5-7-1934م) يقول تحت عنوان (فتنة): "إن فتنة أخرى يُراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يُراد لها أن تُفرض على بعض المصريين في هذا الصيف، كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن (المبشرين).

ولعلك قرأت ما نُشر في (الوادي) أمس مِن أنباء بورسعيد، جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يُقال، ويسلكون إلى ذلك طرقًا ملتوية ممجوجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس، وليس فيها استقواء للأطفال، ولا إغراء للضعفاء -كفتنة المبشرين-، ولكن فيها عبثًا بالقرآن الكريم، ومسخًا لألفاظه المقدسة، وتحريفًا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف، فهم -فيما يُقال- يتلون قول الله -تعالى-: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) (الزمر:69)، ثم يزعمون أن الراء في "ربها" زائدة، ويتلون قوله -عز وجل-: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف:180)، فيفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليُثبتوا أن القرآن قد بشَّر بالبهائية وأشار إليها.

فهذا العدوان -إن صح- يُنكره القانون، ويُعاقِب عليه؛ لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانًا وطغيانًا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو إهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلاً ولا تعليلاً، ولا شبهة في أنه عبث منكر؛ فنحب أن نعلم مَن الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم السلام على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟

ونحب أن نعلم: أين نصوص الدستور التي تبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، وتحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟!

ونحب أن نعلم: أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبًا في بلده، والذي يكلف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا الدين ويحوطوه؟

ليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تُصِر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالزود عنه والقيام من دونه" (اهـ. نقلاً مِن كتاب "طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام" للدكتور محمد عمارة، هدية مجلة الأزهر لشهر ذي القعدة 1435هـ).

أخيرًا "وبعيدًا عن إيقاف البرنامج مِن عدمه" ننتظر منكم جميعًا توبة كتلك التي وقعت من الدكتور "طه حسين!".

قد يستغرب "البحيري" وغيره! "بل وكثير مِن القراء" هذا الموقف مِن الدكتور "طه حسين"، والذي ينادي فيه بضرورة قيام علماء الدين بدورهم في منع انتشار الباطل، ولكن الدكتور "محمد عمارة" بيَّن في كتابه: "طه حسين مِن الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام" أن آخر ما استقر عليه "طه حسين" بعد أن زالت عنه سكرة الانبهار بالغرب، العودة تحت مظلة الحضارة الإسلامية ينتمي لها، ويعتز بها وينافح عنها.

وفي هذا يقول الدكتور "محمد عمارة" في مقدمة كتابه هذا: "كثيرون هم الكُتّاب والمفكرون الذين أثاروا الجدل حول ما قدَّموه مِن أفكار، لكن طه حسين (1307 - 1393هـ 1880 - 1973م) كاد أن ينفرد بأن كل حياته الفكرية -التي جاوزت نصف قرن- قد كانت بكاملها معركة فكرية شديدة الإثارة للجدل العنيف حول ما قدَّم الرجل مِن أفكار وآراء! بل إن الكثير من أفكاره وآرائه لا تزال مثيرة للجدل حتى بعد انتقاله إلى رحاب مولاه!

ولقد كُتبت حول طه حسين -الأديب والناقد والمربي والمفكر- عشرات الكتب وآلاف الدراسات والمقالات... لكن ورغم كثرة هذه الدراسات، ظلت هناك ظاهرة غريبة -وربما فريدة- في هذه الدراسات؛ فالكثير من الذين تعصبوا لآراء طه حسين، وقدموا أنفسهم باعتبارهم تلاميذه الأوفياء قد وقفوا عند أفكاره التي مثـَّلت مرحلة انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي، وتبشيره بهذا النموذج الحضاري، وسعيه لإلحاق العقل الشرقي بالعقل الغربي... فلا تجدوا أحدًا من هؤلاء (المريدين) إلا ويتغنى بما كتب طه حسين في هذه المرحلة من مراحل فكره، وخاصة كتابه (في الشعر الجاهلي) سنة 1926م -الذي مثـَّل قمة مجازفاته الكفرية وعدوانه على عدد من عقائد ومقدسات الإسلام- وكذلك كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1938م، الذي مثـَّل قمة محاولاته لإلحاق الشرق الإسلامي بالنموذج الحضاري الغربي، وإلزام أُمتنا أن تسير مسيرة الغرب العلماني في الإدارة والحكم والتشريع، وأن تتقبل هذا النموذج الحضاري الغربي كله، حلوه ومره، خيره وشره، ما يُحب منه وما يُكره، وما يُحمد منه وما يُعاب!

أي أن هؤلاء (المريدين - الدراويش) في (طريقة) طه حسين لم يروا مِن فكر هذا الرجل إلا ما كتبه في مرحلة انبهاره بالغرب، التي كان فيها شبه (درويش - ومريد) للعقل الإغريقي والروماني، والفرنسي الحديث، حتى لقد عميتْ أبصارهم وحُجبت بصائرهم وعقولهم عن التطورات الفكرية التي طرأت على فكر الرجل وآرائه وإبداعاته، والتي باعدت بينه وبين أفكار هذا الانبهار!

وإذا كان هذا الموقف من (دراويش) طه حسين و(مريديه) والمتعصبين له غريبًا وعجيبًا... فإن الأكثر في الغرابة والعجب أن يكون هذا هو ذات الموقف الذي اتخذه من طه حسين أشد خصومه وأكبر ناقديه! فلقد وقفوا -هم أيضًا- عند أفكاره التي قدمها إبان مرحلة انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي، وركزوا جلَّ هجماتهم على ذات الكتب التي تعلق بها (مريدوه)، وفي المقدمة كتاب (في الشعر الجاهلي)، وكتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، حتى لقد أخرجوا الرجل من الملة الدينية والملة الحضارية بعد رحيله عن عالمنا دون أن يبصروا التطور الفكري الذي تجسد في إبداعات فكرية ناقضت مناقضة شديدة وحادة ما قدَّمه الرجل في مرحلة الانبهار!".

ونحن ننتظر مِن "البحيري" وأمثاله أن يتأسوا بأكابرهم الذين تراجعوا عن هذا الباطل، فإن فعلوا؛ وإلا فليعلم الجمهور أن هذه المسالك المعوجة رجع كثير مِن كبارها وقادتها إلى الحق، وإلى الثقافة الإسلامية؛ فلا تشغلن نفسك بتشغيبات تلك البرامج.

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.