إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 17 أبريل 2016 - 10 رجب 1437هـ

جواب على نصيحة د."سعيد عبد العظيم"

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الدكتور سعيد عبد العظيم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أسأل الله أن يهدينا وإياك إلى الحق والهدى.

وصلتنا نصيحتك عبْر "الفيس بوك"، وجزاكم الله خيرًا على مبدأ النصيحة، وإن كانت ليستْ في محلها شكلاً؛ لأنك لا تعدم التواصل المباشِر، ولا موضوعًا كما سيتبين مِن هذا الرد -إن شاء الله- والذي سأجعله مقسَّمًا على فقرات خطاب حضرتك.

الفقرة الأولى:

قول حضرتك: "فمِن المآسي: اعتبار الانتخابات البرلمانية المقبِلة بصورتها ونتيجتها المعروفة سلفًا سبيلاً للإصلاح، وأنها الخيار الوحيد والأوحد! وأن البديل هو الصدام كما يفعل إخوانهم الذين قدَّموهم قرابين، وما زالوا يتاجرون بهم ليل نهار! لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة، ولا يعرفون لهم حرمة؛ مما يستدعي مراجعة أبسط المعاني: كمفهوم المسلم، وحق المسلم على المسلم، فقد صارت هذه المعاني مجهولة بعد دخول إخواننا معترك السياسة الحزبية!".

الجواب عن الفقرة الأولى:

1-  لم يقل أحد: "إن الانتخابات هي الخيار الأوحد ولا الوحيد!": والشاهد على هذا مِن واقع كلامك ذاته بعد عدة أسطر: "فخطابهم الديني في المسجد فيه الحلال والحرام، والعقيدة والشريعة"، وإن جاء هذا في معرض بيان التناقض الذي تراه بيْن الخطاب الشرعي والخطاب السياسي، ولكن على كل حال هو اعتراف بوجود الدعوة وحفاظها على العقيدة والشريعة -بحمد الله-.

2- قولك: "إن البديل هو الصدام كما يفعل إخوانهم": يبدو عندي أنه متعارض مع قولك في نهاية نصيحتك: "ولا تتهموا إخوانكم بالصدام إذا طالبوا بحقوقهم المشروعة، وبسلمية الوسائل"، فهل يتصادم الإخوان أو لا يتصادمون؟ وهل تقر حضرتك هذا أم تنكره؟ ومرة أخرى، أين هذا مِن كتاب "تحصيل الزاد"؟! ثم أين هذا كله مِن التوقيع على البيان المسمَّى بـ"بيان الكنانة"؟!

فإذا كنتَ هنا تلمح برفق ولين لرفض العنف، فهذا مقارنة بآخر مواقفكم وهو التوقيع على نداء الكنانة بداية للرجوع إلى الحق، وإن كان يعتبر خطابًا متهاونًا مع فكرة الصدام إذا قارناه بكتاب "تحصيل الزاد"، أو قارناه بخطبك ودروسك التي كنتَ تتحدث فيها عن جناية التيارات الصدامية على واقع المسلمين، وأنهم حدثاء أسنان، سفهاء أحلام، بل لعلي لا أذيع سرًّا أن حضرتكَ كنتَ لاذع النقد لمَن ازداد نشاطه "الدعوى السلمي المتزن" إذا ما عوقب أمنيًّا على نشاطه؛ فكنتَ تترك "الظالم" وتلوم "المظلوم" إلى حد وصفه بالظلم مِن باب أنه استجلب مفسدة على نفسه وغيره رغم سلميته التامة، ورغم عدم تجاوز هذا النشاط حدود النشاط العلمي، وقد دارت كثيرٌ مِن المناقشات معكم في فترة الاعتقال في 2002م.

3- قولك: "الذين قدَّموهم قرابين!"...

- للإجابة على هذا أطرح على حضرتك عدة أسئلة:

- هل يمكن أن يُقال: إن الشيخ سعيد عبد العظيم قدَّم الجماعة الإسلامية قربانًا؛ لأنه كتب كتاب "تحصيل الزاد"؟! وحتى لو أنك تراجعتَ عنه الآن؛ هل يصح أن يقال ذلك وأنت وقتها كنت ترى أن هذا هو الدين؟!

- ماذا كان يجب علينا أن نفعل حتى لا نكون قد قدمناهم قربانًا؟ هل كنا نذهب إلى "رابعة" ونبقى بها حتى نموت مع مَن مات، ونصطدم مع قوات الجيش والشرطة وإن مات مِن الطرفين مَن مات؟! لا أظنك ترى هذا؛ لأنك لم تفعله!

- هل كنا نذهب لنلقي كلمة ربع ساعة على منصة "رابعة" ثم نعود منها إلى أقرب طائرة؟! هل هذا سيكون كافيًا في ألا نوصف بتقديم الإخوان قرابين؟ ومَن فعل هذا وهو يجد الطائرة التي سيغادر عليها ألم يسأل نفسه عن مسئوليته الشرعية والأدبية عمن ذهب هناك اقتداءً به فلم يعد إلا جثة هامدة، أو عاد محبطًا حانقًا على كل شيء؟!

ألم تسمع إلى اعترافات "زوبع" و"عاصم عبد الماجد" بأنهم جمعوا الناس لأهدافٍ وأعلنوا غيرها، وأنهم أيقنوا فشل أهدافهم، ولكن استمروا في الشحن حتى وقعت الكارثة؟!

- ثم إننا أبلغنا الإخوان صراحة وقبْل أي حشد وقبل الاعتصام المبدأي في "21-6" أننا لن نكون معهم، وأننا نرفض الحشد والحشد المضاد، وأنهم يجب أن ينقوا فاعلياتهم مِن التلويح بالتكفير والعنف فضلاً عن ممارسته.

وبالتالي فقد أخذوا قراراهم وهم يعلمون بوضوح أننا لن نكون معهم، بل أظهروا تفهمهم لكلامنا واعتبروه حينها اختلافًا لا يفسد للود قضية، بل وافقونا على خطورة التلويح بالتكفير والعنف، ووافقونا أن الرئيس مهما كان لا يجب أن يحتمي إلا بالجيش والشرطة، وأن استدعاءه لأنصاره لحمايته يعرض الدولة للانهيار، وقالوا لنا وقتها: نحن فقط نريد أن نثبت أن للرئيس أنصارًا، وأظهروا أنهم على استعداد للاكتفاء بمليونية "21-6" وإلغاء مليونية "28-6" لقربها مِن "30-6" (اتضح فيما بعد أن كل هذا كان محاولة منهم لاستدراجنا للمشاركة في مليونية 21-6، وكانوا يراهنون على أن مَن سيذهب ويعيش الجو الحماسي فلن يعود لأنهم قلبوا مليونية 21-6 لاعتصام رابعة الشهير).

فماذا كان يجب علينا حينئذٍ؟!

ملاحظة: بالطبع حضرتك لا تعلم هذه التفاصيل؛ لأنك ابتعدت فعليًّا عنا منذ أن قررنا ألا نعطي أصواتنا لمرشح الإخوان في الجولة الأولى، وهم الآن يعترفون أن الأمريكان هم مَن ورطوهم في ورطة انتخابات الرئاسة، ولكنهم لم يعتذروا! ولن يعتذروا عن أنهم خوَّنونا كعادتهم عندما نصحناهم بعدم خوض انتخابات الرئاسة!

4- وأما قولك: "وما زالوا يتاجرون بهم ليل نهار؛ لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة، ولا يعرفون لهم حرمة!": فعذرك فيه أننا نعلم أنك لا تتابع وسائل الإعلام، وإنما يرفع لكَ بعضهم بعض الأخبار.

ونريد أن نؤكد لكم أنهم في أوج تجريحهم لنا كنا -وما زلنا- ننكر أن يُؤاخذ أحد بجريرة غيره، ونرفض تعميم الأحكام، وأما نقدنا لهم فسوف نفصله لكم في الرد على الفقرة الأخيرة مِن كلامكم.

5- وأما قولك: "مما يستدعي مراجعة أبسط المعاني: كمفهوم المسلم، وحق المسلم على المسلم؛ فقد صارت هذه المعاني مجهولة بعد دخول إخواننا معترك السياسة الحزبية": فلا ندري مَن الذي يُخاطـَب بهذا؟! ألم تعلم حضرتك أنباء الاعتداء على الشيخ "ياسر" ود."يونس" في الحرم دون مراعاة لحق المسلم ولا لحرمة المكان؟!

ألم تسمع عن محاصرتهم لبيت الشيخ "ياسر" وبيت "نادر بكار"؟!

ألم ينقل إليك أحدهم السباب الذي كتبوه على جدران هذه البيوت مِن ألفاظ القذف الصريحة؟!

ألم ترَ الصور التي يتداولها هؤلاء للمشايخ في مسوح الرهبان؟!

ألم ترَ إلى د."محمد عبد المقصود" وهو ينقل عن كذاب لم يكن قد وُلد يوم أن كنتم في الجامعة أمورًا عن الشيخ "أبي إدريس"، ولم تنكِر أنتَ ولا غيرك، وكنتَ أولى بالإنكار حيث كنتَ شاهدًا على هذه الفترة؟!

ومع هذا؛ فنرجو أن نكون قد اتقينا الله فيمن لمن يتقِ الله فينا.

الفقرة الثانية:

قولك: "وكان بعض السياسيين يُعلِّق على مشاركتهم في بداية الأمر ويقول: اتركوهم يمارسون السياسة، فبعد سنتين ستكون الممارسة وفق نفس قواعد اللعبة الميكافيلية، وصَدَق هؤلاء فيما توسموه؛ فسرعان ما غيَّر أصحابنا جلودهم ومنهجهم، فخطابهم الديني في المسجد فيه الحلال والحرام، والعقيدة والشريعة، وخطابهم السياسي لا فارق بينه وبيْن خطاب الشيوعي والليبرالي، ويكفي مراجعة سريعة لتصريحات المتحدث الرسمي، وقادة الحزب والدعوة؛ لتدرك مدى الازدواجية والتناقض بيْن الخطاب الدعوي في المسجد وبين الخطاب السياسي في وسائل الإعلام، ويستحكم الخطر عندما تعلم أن الخطاب السياسي هو العالمي، والذي يتم التركيز عليه دون التفات يُذكر للخطاب الثاني!".

والجواب عن الفقرة الثانية:

1- الوصول إلى الميكافيلية الذي زعمه هذا السياسي ألا ينطبق على الإخوان الذين لا تُخفي اصطفافك معهم الآن؟! أظن أن الأمر لا يحتاج إلى كبير عناء لكي تدرك أن مَن جمع بيْن هتاف: "على القدس رايحين شهداء بالملايين" في مؤتمر انتخابي، ثم بعدها بأسابيع أرسل خطابًا مفتتحًا بـ"عزيزي بيريز" - يطبـِّق الميكافيلية، وأما مواقفنا التي ترى حضرتك أنها بنيتْ على ميكافيلية فسوف أرد عليها في الفقرة التالية -إن شاء الله-.

2- وأما أخطاء بعض المتصدرين إعلاميًّا؛ فأمر وارد ألا يحسِن الفرد عرض فكرته، ولكن عذرنا أن ما صدر مِن خطأ مِن أي فردٍ صُوِّب له وقام بتصويبه علنًا، ولكن حضرتك تبالغ جدًّا فيها! ومِن العجيب أنك قَبِلت مِن الإخوان تصريحات د."مرسي" حول نفي الخلاف العقدي بيْن المسلمين وغيرهم! ولم تُعِر تصريحات د."عصام العريان" بعودة اليهود المصريين وحصولهم على ممتلكاتهم "رغم أنهم عُوِّضوا عنها عندما غادروا مصر!"، ولا تصريحات د."مرسي" في روسيا أن الرؤية المصرية تكاد تطابق الرؤية الروسية في الشأن السوري قبْل أن يتحول المسار فجأة إلى مؤتمرات لمناصرة الشعب السوري! ويومها غِبْنا عنها؛ لأننا رفضنا المتاجرة بعواطف الناس؛ لأن هذه هي الميكافيلية التي نتفق مع حضرتك على إنكارها. 

الفقرة الثالثة:

قولكم: "إذا قيل لأصحابنا: لماذا بررتم القتل والاغتصاب والظلم؟! لماذا باركتم تدمير سيناء وحصار أهل غزة؟! لماذا وقفتم إلى جوار الجاني والظالم على حساب المجني عليه والمظلوم؟! لماذا رفعتم عقيرتكم بالأمس القريب وكنتم كالأسد الهصور، واليوم لا أقول إنكم كالنعامة، بل أنتم تؤيدون وتباركون كثيرًا مِن صور الإجرام التي تُرتكب في حق الدين والدنيا، وزعمتم الاضطرار بلا وجه حق حتى استمرأتم أكل الميتة؟ لماذا ... ؟ ولماذا ... ؟! لن تجد إلا التقليد والمصالح المتوهمة، والتي هي إلى الإفساد أقرب، وستجد معلومات مِن مصادر مشبوهة ومريبة هي التي تقودهم!

لقد صرَّح بعضهم وقال: لا تتكلموا بالشرع، وإنما تكلموا بالمصلحة! وقديمًا قالوا: مصلحة الدعوة صنم يعبده بعض الدعاة إلى الله. وقالوا: ما عُصي الله إلا بالتأويل. وبعد إهلال موسم الانتخابات تسمعهم يتكلمون عن الدفاع عن الإسلام والشريعة بلا حمرة خجل مِن المخلوق والخالق!".

الجواب عن الفقرة الثالثة:

1- قولك: "لماذا بررتم القتل والاغتصاب والظلم؟!":

الجواب: أين تجد أننا برَّرنا؟! وأنتَ -بالطبع- تدرك المعنى الشرعي لكل كلمة، ولستَ كنشطاء "الفيسبوك" الذين لا يضبطون مثل هذه الألفاظ.

وأما الاغتصاب: فكيف عرفت بوجوده؟! ألم تسمع بخبر الفتاة التي خرجت وادعت أنها اغتُصبت؛ فاحتفل بها الإخوان احتفال البطلات، ثم عادت وتراجعت فقالوا عنها: "أمنجية!"؟!

فنحن -بحمد الله- أنكرنا، ولكننا لم نلقِ التهم جزافًا، ولم نصدق التهمة على أي شخص لمجرد كونه ضابطـًا فنصدق الدعوى ضده حتى ولو مِن مجهول أو مجهولة حتى لو تراجع أصحابها؛ فنحن تبرأنا ممن فعل، ونصحنا مَن يفعل أن يتوب إلى الله، ولكنك لا تتابع بياناتنا، أو تريد منا أن يكون إنكارنا بطريقة كنت تسميها قديمًا: "عنترية"، وكنتَ تصفها قديمًا بأنها: "أسلوب فرد عضلات" يسلكه حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام؛ فيفسدون مِن حيث أرادوا الإصلاح.

2- وأما قولك: "لماذا باركتم تدمير سيناء وحصار غزة؟!": فمَن الذي يدمِّر سيناء؟ أليس داعش وأخواتها؟ والتي ننكر عليها بينما يسكت عنها الإخوان وحلفاؤهم "وهذا هو اللائق بميكافيليتهم".

وأما أن يقع أثناء التصدي لهؤلاء أخطاء تصيب أبرياء؛ فنحن نصحنا في هذا سرًّا وعلنًا، وما زلنا ننصح بسرعة تعويض كل مَن يصاب أو يقتل خطأ، وما زلنا نحاول قدر الإمكان في رفع الظلم عن كل مَن يقبض عليه خطأ، والحمد لله يتحقق قدر مِن ذلك، ويُفرج عن كثير مِن الشباب في مناسبات مختلفة.

وأما "حصار غزة": فإن كنتَ تقصد تدمير الأنفاق؛ فقد بدأت في حكم د."مرسي" فلم تنكر حضرتك عليه، ويمكنك أن تسأل حركة "حماس" وموقفها مِن النظام المصري: هل تراه محاصِرًا لها أم لا؟ وإلا فبيانات الحركة في معظم الأحيان فيها ثناء على الدور المصري.

3- وأما قولك: "لماذا وقفتم إلى جوار الجاني والظالم على حساب المجني عليه والمظلوم؟!": فاعتبار أن الإخوان ومَن وافقهم مجنيٌّ عليهم دائمًا أمر مخالف للحقيقة، ومِن البداية ماذا تسمِّي قول القائل: "مَن رش مرسي بالمياه نرشه بالدم!"، وما موقع هذه الكلمة في ميزان الشريعة؟! وما موقعها في ميزان إشعال الفتن؟!

وبماذا تسمي مَن قال: "عندنا ناس تتمضمض بالمولوتوف!"؟!

وبماذا تصف شخصًا مسئولاً عن مئات الآلاف في اعتصام "رابعة" يُقال له: الداخلية تخطط لاقتحامه، فيقول: "لو وزير الداخلية راجل يجي يورينا نفسه"؟!

وأين يقع هذا في ميزان الشريعة؟!

وهل حرَّض الأنبياءُ أعداءَهم على قتل الضعفاء مِن المؤمنين وقالوا لهم تهييجًا: "أرونا رجولتكم" أم قال الله -تعالى- مبينًا علة تأجيل فتح "مكة" مع قدرة المؤمنين عليه في عام الحديبية عددًا وعدة: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح:25)؟! وإذا كان هذا في حال الأنبياء مع الكفار؛ فهو مِن باب أولى في الخلاف بيْن أهل الإسلام مهما بلغت درجته.

ثم مرة ثانية وثالثة وعاشرة: هل تسمي كتابك "تحصيل الزاد" أنك كنتَ تقف في جانب الجاني على حساب المجني عليه أم أنك كنتَ ترشد مَن يتسبب برعونته في وجود ضرر عليه وعلى غيره ولو كان هذا الضرر عدوانًا مِن صاحبه، فهذا لا ينفي أنه يجب الإنكار على الطرفين؟!

ولا أظنك يمكنك قط أن تقول أن موسى -عليه السلام- وقف في جوار الجاني ضد المجني عليه حينما قال للإسرائيلي: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص:18)، مع أن خصمه كان كافرًا ظالمًا.

وأما ما تم مِن وقوف مع استقرار الدولة؛ فلم يكن تأييدًا لظلم، وقد تكرر أننا ما تركنا ظلمًا وقع إلا وأنكرناه بالضوابط التي علَّمتها الدعوة لأبنائها عبْر أربعين سنة، وأما المعاونة في الخير والحق، والحفاظ على استقرار أحوال الناس؛ فهو داخل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) (رواه البخاري).

والإخوان فعلوا هذا في مصر في عصر "مبارك" على كثرة المظالم فيه، ويفعلون هذا في تونس الآن، وفعلوه في الجزائر قبْل هذا، وأنتَ كان هذا حالك -وحالنا-؛ فبدَّل الإخوان لما غررت بهم أمريكا، واستكبروا أن يرجعوا خطوة إلى الوراء؛ فرجعوا مجبرين عدة خطوات، وبدَّل الإخوان لما سيطر القطبيون منهم على مقاليد الجماعة في فترة كانت أحوج ما تكون إلى عقلاء يقدِّرون المصالح والمفاسد، وهذا كله مستوعب بالنسبة للإخوان، وأما بالنسبة لكم؛ فنعجب غاية العجب أن يخطئ مثلك تاريخه كله بهذه السهولة! ولو كان تخطئتك لتاريخك مبنية على مراجعة فقهية رصينة؛ فحبذا لو تخرجها لنا وتدوِّنها كما دوَّنت فكرك في الأربعين سنة الماضية، وإلا فعجبنا لم ينقضِ بعد مِن هذا التحول!

4- قولك: "لماذا رفعتم عقيرتكم بالأمس القريب وكنتم كالأسد الهصور، واليوم لا أقول إنكم كالنعامة، بل أنتم تؤيدون وتباركون كثيرًا مِن صور الإجرام التي ترتكب في حق الدين والدنيا": وهذه فرية أطلقها الإخوان أن صوتنا كان صاخبًا أيام د."مرسي" ثم خفت الآن، ونحن نريد مِن فضيلتكم أن تذكروا صورة هذا الصوت الصاخب... ألم يكن إنكارًا علميًّا في دروسٍ أو ندواتٍ ومناشدات للرجل أن يتراجع عن أخطاء شرعية: كفتح المجال للغزو الثقافي الشيعي أو يتراجع عن أخطاء سياسية كالأخونة التي كانت أول مسمار في حكمه، أو يتراجع عن اتباع أسلوب العناد مع المعارضة؟!

ولعل حضرتك غير متابع أن الإخوان في غير ما مناسبة، ومنها: تصريحات "حمزة زوبع" قد اعترفوا بـ"30-6"، بل قال: إن هذا كان موقفهم غير المعلن أثناء اعتصام "رابعة"، وأنهم فقط كانوا يريدون إلغاء قرارات "3-7" والقبول بالانتخابات الرئاسية المبكرة، ورغم هذه الاعترافات ما زال بغيهم علينا واتهامهم لنا بالباطل بدلاً مِن أن يقولوا: يا ليتنا استمعنا إلى نصائحكم!

وأما الآن فما زلنا -بحمد الله- ننكر وبذات الضوابط:

- فطالبنا بتعويض كل مَن ثبت قتله أو جرحه بدون وجه حق.

- وطالبنا -وما زلنا- نطالِب بمراجعة ملفات المعتقلين.

- ووقفنا أمام المد العلماني في تعديلات الدستور، والعجيب أن أصحاب الاقتراحات العلمانية للدستور ما زالوا يقولون: إن عضوًا واحدًا في "لجنة الخمسين" منعنا مِن كذا وكذا! والإعلام الإخواني مصرٌّ على أننا لم نفعل شيئًا في هذا الدستور.

- واعترضنا على د."جابر عصفور" وهو وزير ثقافة.

- واعترضنا على "حلمي النمنم" وهو وزير ثقافة.

- وتصدينا لـ"إسلام البحيري" وخصوم السُّنة، نعم كان "الأزهر" سباقًا أيضًا للتصدي لهذه الظاهرة، وهذا مما أثلج صدورنا، ونحن نحب دائمًا وجود الطاعة مِن غيرنا كما هي قواعدنا، وهذا مما يحسب لنا بفضل الله -تعالى-.

- وتصدينا لقرار منع عضوات هيئة التدريس مِن النقاب في جامعة القاهرة، وتعاملنا في هذا الإنكار أيضًا بالقاعدة النبوية: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)؛ فقبـِلنا ما فسَّر به رئيس الجامعة قراره بأنه يطبـَّق فقط في المواد التي تحتاج إلى أن يحاكي الطالب طريقة نطق المعلم، وفي هذه الحالة تُنقل المعلمة المنقبة إلى مادة أخرى، والعجيب أن الإخوان الذين ترى أننا نظلمهم سكتوا عن القرار؛ لأنه لا يشغلهم، ولكنهم انتبهوا إلى كلامنا عليه فزادوا فيه ونقصوا، وحرَّفوا وكذبوا، ومع هذا فنحن صابرون -بحمد الله- على بغيهم، لا نرد الإساءة بمثلها، ثم تأتي حضرتك فتتهمنا بمثل ما اتهمتنا به!

والقائمة طويلة بحمد الله -تعالى-...

- ثم إن كل هذه المنكرات مِن حيث النوع -شهوات كانت أو شبهات- سواء كانت صادرة مِن أفرادٍ أو مِن مسئولين توجد في كل عصر، ولا نذكر أنكم كانت لكم وسائل في الإنكار غير ما نفعله الآن، وأنت صاحب مقولة: "أنا لا أملك غير الخطبة والدرس!"؛ فلماذا اعتبرت أنا كنا نبرأ مِن هذه المنكرات قديمًا بينما ترى أننا متلبسون بها الآن؟!

5- قولك: "لن تجد إلا التقليد والمصالح المتوهمة والتي هي إلى الإفساد أقرب، وستجد معلومات مِن مصادر مشبوهة ومريبة هي التي تقودهم": أما التقليد الأعمى فأذكِّر حضرتَك أنك كنتَ دائمًا ما ترى أن واقع السلفيين على خلاف ذلك تمامًا، وكنت تقول: "إننا بالغنا في محاربة التقليد الأعمى حتى ترك الإخوة التقليد الأعمى والتقليد المبصر".

وأما المصالح التي وصفتها بالمتوهمة: فهي واقع ملموس اعترفتَ حضرتك به في ثنايا نقدك مِن وجود الدعوة إلى الدين، وتعليم الشريعة والأخلاق. وأما المتوهمة فعلاً؛ فهي عودة د."مرسي" للحكم التي قيل إنها بعد يومين، ثم بعد أسبوع، ثم... ثم... !

ولا أدري: لو افترضنا جدلاً أنه عاد؛ فكيف يحكم؟ وبمَن يحكم؟ وقد اكتشف الإخوان فجأة أن الجيش هو جيش "كامب ديفيد"، وهو الذي كان رجاله كالذهب في خطاب د."مرسي" يوم "28-6"، وكأن "كامب ديفيد" عقدت بعد "30-6"، وأما سائر مؤسسات الدولة فحدِّث ولا حرج؛ فكيف سيعود؟ ولو عاد كيف سيحكم؟!

وأما مصادر معلوماتنا: فهي المصادر المتاحة لكل الناس؛ إلا أننا نجتهد في قراءتها بموضوعية، وأما الإخوان فسيطرة القيادات القطبية عليهم جعلتهم يعيشون في حالة مِن التواكل، وتوهم نزول النصر مِن السماء عليهم؛ فلم يحسنوا قراءة الواقع، وتعاملوا باستعلاء مع قراءتنا له؛ فلما حدث ما توقعناه صاروا يشيعون ويفترون، وللأسف حضرتك تردد معهم ما يقولون! (وبالمناسبة... قد كتب الشيخ "عبود الزمر" بعد "3-7" عدة مقالات أنه قرأ الواقع كما قرأناه، وحذرهم مما حذرناهم منه فلم يستجيبوا).

وهل كان يخفى على أحد أن تعيين نائب عام بإعلان دستوري سوف يغضب جموع القضاة؟!

وهل كان يخفى على أحد أن قانون السلطة القضائية الذي قدَّمه الإخوان لمجلس الشورى سوف يشعل مؤسسات الدولة كلها وليس القضاء فقط؟! لدرجة أن وزير عدل مرسي استقال؛ فقام الإخوان بمظاهرة للمطالبة بتغييره "ولعلها تكون المرة الأولى -وربما الأخيرة- التي يتظاهر فيها أنصار الحزب الحاكم ضد وزير في حكومتهم!".

وهل كان يخفى أن بيان الجيش بالمهلة أسبوعًا هو إعلان أن الجيش لن يقف متفرجًا أكثر مِن هذا، وهو البيان الذي فسَّره الإخوان أن الجيش يوجهه للمعارضة ورحبوا به غاية الترحيب؟! وهذا مِن جهةٍ: غباءٌ سياسي في قراءة البيان، ومِن جهة أخرى: ميكافيلية؛ حيث رحبوا بتدخل الجيش في الحياة السياسية لما ظنوا أن البيان موجَّه للمعارضة، ثم عادوا وجعلوا غاية ما يفعلون الآن هو خروج الجيش مِن الحياة السياسية، وهذا البيان بُني عليه مهلة الـ 48 ساعة، والتي حينها تحوَّلنا نحن مِن المطالبة بتغيير الحكومة إلى دعوة الرئيس للانتخابات الرئاسية المبكرة، ومع هذا ظل الإخوان يشيعون أن المقصود مِن البيان هي المعارضة، ثم جاء بيان "3-7".

ولذلك فنحن نقول: إن بيان "3-7" مبني على بيان صدر وسط ترحيب وإقرار من د."مرسي" وليس ذنب جميع الناس أن الإخوان خدعوا أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم أشاعوا أن هذه البيانات كانت مؤيدة لهم، ثم عادوا لاحقًا ليقولوا: إنهم كانوا يعرفون حقيقتها، ولكنهم راهنوا على المجتمع الدولي، فمن إذن الذي استقى معلومات مِن جهات مشبوهة، وبنى عليها مواقفه وحساباته، وجرَّ معه مَن وثق به إلى تلك المفاسد! وأما معلوماتنا فكما ترى معلومة للقاصي والداني كنا نقرأها وننقل لهم قراءتنا لها؛ فأهملوها وتعالَوْا عليها.

6- قولك: "لقد صرَّح بعضهم وقال: لا تتكلموا بالشرع، وإنما تكلموا بالمصلحة!": حبذا لو كنتَ سميتَ لنا هذا البعض، وأين قال هذا الكلام؛ لأنه لم يصدر هذا عن أحدٍ عندنا -بفضل الله-، وهو أقرب إلى تصريحات الإخوان.

7-  قولك: "وقديمًا قالوا: مصلحة الدعوة صنم يعبده بعض الدعاة إلى الله، وقالوا: ما عُصي الله إلا بالتأويل... !": لا شك أن حضرتك ترى وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وأن حضرتك كنتَ ترى معنا أن الإخوان متوسعون في هذا الباب، وكنتَ كثيرًا ما تعلـِّق على أقوالهم وأفعالهم بهذا القول الذي حكيتَه هنا. وفي الجهة الأخرى: كنتَ ترى معنا أن تيارات الصدام لا يقرون بهذا الأمر أو لا يحسنون تطبيقه، وبالتالي فالمبدأ مبدأ شرعي، وأما التطبيق: فكنا نتمنى مِن حضرتك أن توازِن بيْن مسار اعتصام "رابعة"، ومسار الحفاظ على الدولة والدعوة معًا، بغض النظر عن المسار السياسي الذي تراه قد يشغل عن المسار الدعوي؛ ليتبين مَن الذي طبـَّق تلك القواعد بطريقة صحيحة، ومَن الذي طالب الشباب بأن يموتوا في سبيل أوهام؟!

إن تكرار ذكر قاعدة: "المصلحة والمفسدة" في سياق السخرية أمر في غاية الصعوبة، وحضرتك تعلم كيف جعل العز بن عبد السلام وابن القيم -رحمهما الله- وغيرهما مِن أهل العلم أن هذه القاعدة هي القاعدة الأم في باب السياسة الشرعية، بل جعلها العز بن عبد السلام هي القاعدة الأم في التشريع ككل؛ فلماذا تذكرها في سياق الذم بدلاً مِن بيان ما ترونه خطأ في طريقة تطبيقها ونحن نجيب عليه -بإذن الله-؟!

ولعل هذا يجعلني أشير إلى قول حضرتك: "استمرأتم أكل الميتة"، وحضرتك تعلم أن أكل الميتة للمضطر حكم شرعي يجب علينا أن نحترمه ونقبل به، فإذا وجدنا مَن يأكل الميتة بغير اضطرار أنكرنا عليه، وأما أن يتحول الأمر إلى نوع مِن السباب والتنابز بالألقاب "يا آكلي الميتة"؛ فالأمر في هذه الحالة أخطر مِن مجرد التنابز بالألقاب الذي صار أهون ما يفعله الإخوان معنا ومع غيرنا، بل يتعداه إلى السخرية مِن حكم شرعي.

8-  قولك: "وبعد إهلال موسم الانتخابات تسمعهم يتكلمون عن الدفاع عن الإسلام والشريعة بلا حمرة خجل مِن المخلوق والخالق!": لا أدرى أين حقوق الأخوة التي أشرتَ حضرتك إليها في أول كلامك حينما تطعننا في نياتنا وكأن الدفاع عن الدين لا يأتي إلا في أيام الانتخابات؟! وأذكِّر حضرتك مرة أخرى بما تقدم ذكره على لسانك: "فخطابهم الديني في المسجد فيه الحلال والحرام، والعقيدة والشريعة"، بالإضافة إلى المواقف التي سردتها لك. 

الفقرة الرابعة:

قولكم: "ما زال باب التوبة مفتوحًا، ردوا الحقوق لأصحابها، ولا تتهموا إخوانكم بالصدام إذا طالبوا بحقوقهم المشروعة وبسلمية الوسائل، واتركوا السياسة الميكافيلية، عمِّروا المساجد بطاعة الله، وركزوا على الكبير والصغير، والرجل والمرأة، اهتموا بالعقيدة وتعظيم الحرمات وتربية الأفراد على شريعة الله، ارتفعوا إلى مستوى سلفكم الصالح؛ علمًا وعملاً واعتقادًا، واهتفوا أن يا مسلمي العالم اتحدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، على منهج الأنبياء والمرسلين، وعلى مثل ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام".

التعليق على الفقرة الرابعة:

1- قولك: "ما زال باب التوبة مفتوحًا": نقول: الحمد لله الذي جعل باب التوبة مفتوحًا، وجعله إليه وحده دون غيره، ومَن وجد عند أخيه ذنبًا فنصحه ليتوب مِن قريب فقد أحسن، ولكن ترويج التهم الباطلة لا علاقة له بالدعوة إلى التوبة، بل مَن يروجها أحوج إلى التوبة، نسأل الله أن يبصرنا جميعًا بعيوبنا، وأن يرزقنا منها توبة نصوحًا.

2- قولك: "ردوا الحقوق إلى أصحابها": مَن كان له علينا حق فليثبته بالبينات الشرعية لا بالأوهام ولا الأكاذيب، ولا الإطلاقات العريضة، مثل: "أعان - وشارك - وبرر - وغير ذلك"، ونحن نفعل -إن شاء الله-.

3- قولك: "بحقوقهم المشروعة": فيه تناقض؛ حيث إن كلامكم أنك ترى أن السياسة كلها ميكافيلية؛ فهل ينسحب هذا على انتخابكم للدكتور "مرسي"؟ وهل تعلم أن الحقوق المشروعة التي يتحدث عنها هؤلاء هي حقوق سياسية؟!

وهل تعلم أنهم قالوا إن اعتصام "رابعة" كان الغرض منه العودة إلى وضع "30-6" الذي ضيعوه مِن أيديهم، وأنهم كانوا فقط يريدون العودة إلى القبول بالانتخابات الرئاسية المبكرة؟!

وهل تعلم أن وفودهم كانت تذهب إلى "الكونجرس" إلى وقتٍ قريب -حتى رفض الكونجرس استقبالهم- تطالِب بإعادتهم إلى حكم مصر؟!

وهل تعلم عن برلمانهم الموازي في "تركيا" والذي يسير هو الآخر وفق السياسة الميكافيلية؟!

على أنني يمكن أن أفسِّر لكم هذا التناقض، وقد سبقنا أيضًا إلى التحذير منه، وهو ما روَّجه الإخوان لبعض الشيوخ "ومنهم حضرتك" مِن أن د."مرسي" صار بمنزلة الإمام المبايَع! وقد أنكرنا هذا -وأنكرتم علينا حينها- مع ما في هذا مِن إخلال بالعقد الدستوري الذي بناءً عليه تولى، ولعله لو تم التعامل مع الأزمة مِن منطلق أنه رئيس تولى بموجب الدستور "وليس إمامًا تولى ببيعة"؛ لكان التعامل سيسهل حينها، وأنت الآن تتبرأ مِن العمل السياسي جملة وتفصيلاً إلا رئاسة د."مرسي"؛ لأنك لا ترى أنها جزء مِن العمل السياسي! وللأسف سيظل الواقعون تحت تأثير هذه الفكرة منفصلين عن الواقع، يعيشون ازدواجًا لا مخرج منه؛ إلا أن يتغمدنا الله وإياهم برحمته.

4- قولك: "لا تتهموا إخوانكم بالصدام إذا طالبوا بحقوقهم المشروعة وبسلمية الوسائل": فهذا الكلام -على صعوبته علينا- إن كان فيه جانب حسن؛ فهو عودتكم لإنكار الصدام، ولكن للأسف بدلاً مِن أن تنكِر على مَن يختار الصدام، تنكر على مَن ينكِر عليهم بدعوى أننا مَن نسبنا إليهم صدامًا هم منه برآء!

ولكن ماذا تقول حضرتك في كل ممن يأتي:

أ- تصريح أ."وجدي غنيم" مرارًا وتكرارًا بتكفير أناس بأعيانهم، وهل يسعنا أن نسكت وهذه الفيديوهات تخاطِب شبابنا لإخراجه مِن عقيدة أهل السنة إلى عقائد الخوارج؟!

ب- فتوى د."محمد عبد المقصود" بجواز استهداف عربات الشرطة!

ج- بحث "الـتأصيل الشرعي لمقاومة الانقلاب" الذي نُشر أنه اعتُمد مِن اللجنة الشرعية للإخوان، وفيه جواز أخذ الثأر مِن رجال الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، ورغم أن "إبراهيم منير" نفى لاحقًا أن يكون البحث معبِّرًا عن الجماعة، ولكنه منشور على صفحة إخوان الشرقية الرسمية!

د- كلام "سلامة عبد القوي" وغيره (السلمية ماتت مِن زمان!).

هـ- كلام "أشرف عبد الغفار" في مداخلة على الهواء على قناة العربي الجديد في أن استهداف أبراج الكهرباء لا ينافي السلمية!

ماذا كان يجب عينا إزاء الدعوة التي تمتْ "وباسم الجبهة السلفية" مِن باب التلبيس على الناس بالتظاهر بالمصاحف مع احتمال سقوط المصاحف وإهانتها؟! هل يسعنا أن نسكت أو نخلي بينهم وبيْن الشباب يدعونهم لمثل هذه المليونية؟!

ماذا يجب علينا شرعًا أن نفعل وهذه الدعاوى تُطلَق لكي يتبناها مَن يتبناها ويقوم بالتنفيذ؟!

ومع هذا فنحن مسرورون مِن تلميحك هنا برفض العنف، والذي نتمنى أن يعود تصريحًا، ثم ينمو حتى يعود تصريحًا مجلجلاً كما كان عهدنا بك.

5- قولك: "اتركوا السياسة الميكافيلية": نحن لم ندخل فيها -بحمد الله- حتى نتركها، وإنما نطبـِّق قاعدة الموازنات بيْن المصالح والمفاسد، وبين الأمرين بَوْنٌ شاسع، ولا نظن أن مثلك يختلط عليه هذا الباب مع باب السياسة الميكافيلية التي تعني التلون والكذب والخداع، فالذي يطبق قواعد تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان يحدث عنده تغير، لكن وفق قاعدة ومبدأ، وأما السياسة الميكافيلية فتلون ضابطه المصلحة "وهي تعني هنا المصلحة الشخصية المجردة، وتختلف أيضًا في هذا الباب عن المصالح الشرعية المرتبة بقواعدها في أصول الفقه".

ولعل هذا ما يقودنا إلى تساؤل، وهو: أنكم تعلمون أن ليس كل مَن يُظهِر السمت السلفي في مصر هو تبعًا لنا، وأننا نعلم أنه يمكن أن يكون هناك أفراد -قلوا أو كثروا- يتواصلون معكم ويستفتونكم، ويعملون بما تشيرون عليهم، فهلا أرشدتنا إلى بعض ممن يعيشون في مصر لنرى كيف يتعاملون مع مؤسسات الدولة؟!

كيف يكون رد فعلهم حينما تنقل وسائل الإعلام أو غيرها أخبار عن تفجيرات في أبراج الكهرباء؟

ماذا يقولون ويفعلون حينما يسقط إخوان لهم مجندون في سيناء أو غيرها غدرًا وغيلة؟

ماذا صنعوا مع حملات الهجوم على السُّنة وحملات نشر الإباحية؟

أخشى ما أخشاه أن يكون مَن يتأثرون بكلامكم في نهاية الأمر يقعدون عن خدمة دينهم وعن إنكار المنكر، أو يدافعون عن جرائم مَن يقتل أو يعتدي على حرمات الناس، أو -على الأقل- يقصِّرون في تبرئة الدين مِن هذا كما ظللتَ لسنوات تتبرأ مِن قَتَلَة الطفلة شيماء التي قُتلت خطأ في إحدى العمليات الإرهابية (وأنت محق في هذا).

وفي الختام نقول:

نعم ما ختمتَ به أن قلتَ: "عمِّروا المساجد بطاعة الله، وركِّزوا على الكبير والصغير، والرجل والمرأة، اهتموا بالعقيدة وتعظيم الحرمات، وتربية الأفراد على شريعة الله، ارتفعوا إلى مستوى سلفكم الصالح علمًا وعملاً واعتقادًا، واهتفوا أن يا مسلمي العالم اتحدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين على منهج الأنبياء والمرسلين، وعلى مثل ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام".

نسأل الله أن يجعلنا مِن العاملين بذلك، الداعين له.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.