إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 15 أبريل 2016 - 8 رجب 1437هـ

متلازمة الإسلام "والجَمَل" عند الصحفيين... مِن أين جاء الوهم؟! ومَن يملك العلاج؟

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي أواخر عام 2010م كتب الصحفي "سليمان جودة" في جريدة "المصري اليوم" مقالاً، انتقد فيه "دعاء السفر" على طائرات مصر للطيران! وناشد الفريقَ "أحمد شفيق" وزير الطيران المدني حينئذٍ، وبالغ في الثناء على جهوده وإنجازاته وتطويره - أن تمتد يد تطويره البيضاء لتقتلع هذا الدعاء، وتضع بدلاً منه دعاءً يشجـِّع على التفاؤل! ولكن القـَدَر لم يُمهِل الفريق "شفيق" ليقرأ الرسالة -فضلاً عن أن يستجيب لها-؛ فقد اندلعت "ثورة 25 يناير 2011م"، ورقي الفريق "شفيق" إلى منصب رئيس وزراء، ثم خرج مِن الوزارة، إلى غير ذلك مِن الأحداث التي يعلمها الجميع.

والآن وبعد مرور أربعة أعوام بالتمام والكمال؛ خرج علينا الدكتور "وحيد عبد المجيد" ليكرر نفس المقالة! كأن صحفيي مصر لا يشغلهم إلا اجتثاث هذا الدعاء مِن طائرات مصر؛ لأنه -فيما يبدو- هو الطريق الوحيد نحو الديمقراطية والحرية! وهو السبيل الأوحد: "لإصلاح منظومة التعليم - وتحسين مستوى الصحة - و... !".

ولا يحق لكَ -عند هؤلاء- إن كنتَ مسافرًا أن تجد مَن يذكِّرك بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل تجد مَن ينكر ذلك دون أن يكون لكَ أن تستعمل معهم نفس حجتهم -على الأقل- في أنه لا ينبغي أن ينشغلوا بهذه الأمور الشكلية، وليُركِّزوا في الجوهر، وأن المسافر على خطوط مصر للطيران إن كان ولا بد أن يتحفنا بمقالة بعد رجوعه؛ فلا بأس أن يحدثنا عن انضباط المواعيد، وعن الخدمات الطبية على الطائرة، وعن كذا، وكذا... إذن فليس أمامك إلا أن تَدخل في ساحة المناقشة الجادة لهذه المعضلة التي لم تخفف مِن وطأتها الأحداث الجسام التي مرتْ بها مصر، والنظامان اللذان سقطا، والدماء والأشلاء... وكأننا حللنا كل مشاكلنا ولم يبقَ إلا "أزمة" دعاء السفر!

وقد تضمنتْ أفكار الدكتور "وحيد عبد المجيد" ذات أفكار الأستاذ "سليمان جودة" وزيادة! ومِن ثَمَّ فسوف أنقل لكم نص المقال الذي كتبتُه في الرد على "سليمان جودة" حينئذٍ.

ولكن بعد أن أناقش الفكرتين اللتين زادهما الدكتور "وحيد"، وهما:

- أن هذا الدعاء هو جزءٌ من حزمة التجارة بالدين التي انتشرت في السبعينيات!

- أن هذا الدعاء يجعله يشعر أنه يركب جملاً لا طائرة!

أما الفكرة الأولى: فثمة مغالطة كبيرة؛ إذ يُصر التيار المدني الذي ينادي بالإرادة الشعبية أن يحتقر الإرادة الشعبية في مرحلة السبعينيات وما بعدها "والمستمرة إلى الآن"، وأن يصفها تارة بأنها كانت متاجرة مِن السلطة، وتارة متاجرة من التيارات الدينية، ولا يذكرون لنا مَن الذي تاجر على مَن؟! ومَن الذي ربح مِن مَن؟!

- وفي مثالنا هذا: هل تاجرت "مصر للطيران"؟!

حسنًا يبقى السؤال: على مَن تاجرت؟!

تاجرت على الركاب مثلاً؟!

فماذا نستنتج؟!

- في الواقع: إن كل الأسئلة والأجوبة سوف تؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي أن الشعب كان وما زال يريد زيادة مساحة التدين في حياته "بالطبع توجد مشكلات اجتماعية متجذرة لا تتفق مع الدين، ولكن هذا لا ينفي التوجه العام في اتجاه التدين على الأقل ما لم توجد عوائق".

وإن آفة التيار المدني بشقيه: "اليساري، والليبرالي" -وقد تنقَّل الدكتور وحيد بينهما- أنه لا يريد الاعتراف بالواقع، مع أن هذا الاعتراف لا يُلزِمه طبعًا باعتبار هذا الواقع هو الصواب -كما هو الحال مع الإسلاميين تمامًا-، ونحن نرى أن الواقع يقول إن الشعب المصري محب للدين، وإن التيار المدني لا بد أن يعترف بهذا بدلاً من الصراخ المتكرر من تجارة الدين التي يرمون بها الإسلاميين، والأنظمة الحاكمة من أيام الملكية، ومرورًا بـ"عبد الناصر" و"السادات"، بل و"مبارك"؛ فضلاً عن "محمد مرسي" بالطبع!

أما القضية التي تحتاج إلى علاج جذري، والتي ندعو جميع هؤلاء -وعلى رأسهم الدكتور وحيد- إلى مراجعة مواقفهم منها، فهي قضية دينهم الذي دانوا له بأنفسهم؛ وإلا فلماذا إذن تقفز في ذهنهم "الجمَال" كلما ذكر الإسلام، وهذا الذِّكْر هو محض ذكر لله، وتوكل عليه، واستعاذة به مِن أنواع المخاوف التي هي في ركوب الطائرة أضعاف أمثالها في ركوب الجمَال؟! "أرجو ألا يعتبر بعض المتحذلقين المتنورين أن هذه دعوة للعودة لركوب الجمال كما هي عادتهم في توهم أن كل مَن يدعو إلى التطبيق الشامل للإسلام؛ فليس هذا إلا لرغبة دفينة عنده في العودة إلى الجمَال" - فأدعو الدكتور "وحيد" -وغيره- أن يُراجِع موقفه مِن هذه القضية.

نعم، نزل القرآن في عصر الجِمَال، ولكن الله -تعالى- قال: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (النحل:8).

نعم، نزل الإسلام في عصر الجمَال، ولكن ما فيه مِن أخلاق وآداب "ومنها: ذكر الله" يصلح في عصر الجِمَال، وفي عصر الطائرات، بل إن الاستعاذة الواردة في السفر أليق بعصر الطائرات منها بعصر الجمَال كما بيَّنتُ في الرد على "سليمان جودة".

نعم، نزل الإسلام في عصر الجمَال، لكن أحكامه صالحة لعصر السيارات، والطائرات، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن دواب الشياطين التي تسع الثلاثة والأربعة ويركبها الراكب منفردًا، وهي لا تكاد تنطبق إلا على السيارات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ، فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجُنَيْبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا) (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر).

وفيه الدعوة إلى أن يحمل صاحب السيارة زملاءه معه الذين يشاركونه نفس الطريق؛ وإلا لحقه الذم، وصارت "دابته" وكأنها دابة للشيطان يفوت على صاحبها فرصة طيبة "للتكافل الاجتماعي!".

نتمنى أن يَدرس جميع هؤلاء الباحثين هذه القضية بإنصاف وتجرد؛ وحينئذٍ سوف يكتشفون أن متلازمة "الإسلام والجَمَل!" وهْمٌ زرعه المستشرقون، وتوارثه الكثير مِن الدارسين!

وأما باقي النقاط التي أثارها الدكتور "وحيد" فقد تناولتها في الرد على الأستاذ "سليمان جودة" قبل أربع سنوات، وإليك هذا الرد كاملاً:

دعاء السفر المأثور... والصحفي المذعور!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإذا كنتَ مسافرًا بالطائرة فسوف تجد حولك حالة مِن الخوف، والقلق، والاضطراب خلفتها التجارب السابقة؛ فكل المسافرين مشتبه فيهم!

ولا بد مِن مرور الحقائب على أجهزة كشف "المفرقعات" حتى حقائب اليد الأنيقة التي لا يشي منظرها بأي نوايا عدوانية لا بد وأن تمر على هذا الجهاز!

ثم لا بد أيضًا من الكشف على الأسلحة البيضاء، ولا تندهش إذا عرفتَ أنه يدخل في تعريف الأسلحة البيضاء "آلة تقليم الأظافر"؛ فكم استُخدِمت مثل هذه الأدوات في أعمال اختطاف لطائرات!

ولا بد مِن مراعاة الوزن؛ فالطائرة ليست مَركبة أرضية إذا حملتها وزنًا زائدًا تباطأت حركتها فحسب، بل إن الأمر يمكن أن يؤدي إلى سقوط في بحر أو مفازة لا يُعرف لها مدخل من مخرج.

ولا بد من الكشف الهندسي على الطائرة مع كل رحلة، وكم من طائرة عطلت رحلتها من أجل استبدال أجزاءٍ كانت تطير بها للتو في رحلتها السابقة.

ولا بد في ذات الوقت من الكشف عن الحالة الصحية والذهنية والنفسية لطاقم الطائرة.

ثم يصعد الركاب إلى الطائرة وقد أثقلتهم الإجراءات، وشوش ذهنهم بكثرة الأخطار.

ومع كل هذه الاحتياطات فما زالت المفاجآت ممكنة مِن عاصفة جوية مفاجئة، أو مرض مفاجئ يصيب قائد الطائرة أو عمل معادٍ إلى غير ذلك... ومن ثمَّ فتنص لوائح هيئة الطيران المدني العالمية على وجوب إعطاء محاضرة في كل رحلة عن كيفية مواجهة الطوارئ؛ فتأتي المضيفة لتشرح للركاب أماكن سترات النجاة، وكيف يرتدونها إذا حدث للطائرة مكروه، وكيف الحال إذا اضطروا إلى القفز مِن الطائرة، وهي على ارتفاع كذا ألف قدم! وكيف الحال إذا كانت الحادثة فوق الماء، وكيف الحال إذا كانت فوق الجبال أو الغابات أو الصحاري!

وكيف... ؟! وكيف... ؟!

يُلقى كل هذا على الراكب المشغول الذهن أصلاً بأهل قد خلَّـفهم، وبرحلة يستقبلها؛ فتجتمع على قلبه هموم، وتملأ قلبه خواطر وأفكار.

وهذا كله فرع على أن الإنسان جاهل عاجز لا يعلم كثيرًا من الواقع؛ فضلاً عن الغيب، فربما كان على متن الطائرة مَن يريد بها السوء وهولا يدري، وربما قصَّر الفنيون في مراجعة أحوالها الفنية، وربما... وربما...

وربما هاجت الريح أو ثارت عاصفة ترابية أو غيرها من الأمور القدرية، ثم إذا علم ووجدت الريح أو هاجت العاصفة؛ فإنه يعجز عن السيطرة على الكون أو التحكم فيه، وما يملكه من ذلك أقل بكثير مما لا يملك؛ فيعجز إذا وجد اضطرابًا في بطنه أن يمنع القيء الذي إذا حدث أذاه وآذى مَن بجواره؛ فكان المنظر كئيبًا له، ولمن حوله.

فماذا يفعل الناس في مواجهة هذه الخواطر والمخاوف؟!

هناك مَن يحاول أن يتشاغل بشاغل آخر مما حل أو حرم: كالنوم، أو قراءة المجلات، أو سماع الأغاني والموسيقى، وربما شرب بعضهم الخمر -والعياذ بالله-!

وهؤلاء الذين يفرون من معالجة القلق في موقف تلو آخر، لا يفرون منه في الحقيقة، بل تجتمع المواقف على قلوبهم حتى تأتي عليها؛ فيصير مريضًا بالقلق حتى وإن لم يكن هناك ما يقلق، وهناك مَن يرتدي شيئًا حقيرًا في يده أو في عنقه يُسمى بالحظاظة -قطعة من الجلد أو المعدن-؛ فيهرع إليها يطيل إليها النظر ويتحسسها بيده متأملاً فيها تأمل الشارد، فيبقى في شروده ظانًا أن هذا الشيء قد نفعه، وإنما سكنه كفعل شارب الخمر تمامًا، بل أسوأ؛ فإن مثل هذا الرجل يصير عبدًا لتلك الحظاظة الحقيرة حتى إذا فقدها ربما يقتل نفسه أو يعيش حياته وهو إلى الموت أقرب منه إلى الحياة!

وأما أهل الإيمان:

فيعرفون أنهم فقراء، ولكنهم يعبدون الغني الحميد.

ويعرفون أنهم ضعفاء، ولكنهم يلجئون إلى القوي المتين.

ويعرفون أنهم جهلاء، ولكنهم يتوكلون على العليم الخبير.

أهل الإيمان لا سيما مَن يتبع منهم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُقدِموا على سفرهم إلا بعد الاستخارة.

أهل الإيمان تخلصوا مِن جزءٍ كبير من القلق على أهليهم حينما استودعوهم الله -تعالى- الذي لا تضيع ودائعه.

أهل الإيمان استبشروا لما استعانوا بالله عند خروجهم من منزلهم، واستعاذوا به أيضًا من شر أنفسهم، ومِن شر غيرهم.

ولكن ماذا بعد ما أتوا المطار، ومثلت أمام أعينهم عشرات الأخطار، وسمعوا محاضرات عن احتمالات سقوط الطائرة، واحتمال تعرضها لكذا... وكذا... لا شك أنهم في حاجة إلى تجديد التوكل على الله -تعالى- والثقة به، وتفويض الأمر إليه، ولكنهم قبْل هذا رأوا هذه المركبات العظيمة، وكيف هدى الله الخلق إليها وما فيها مِن نِعَم، وهذه الكراسي الوثيرة وما فيها من رفه؛ فيبدأون بالشكر ثم بالاستعاذة مِن المخوفات، ثم بالتوكل على الله -تعالى-.

والشكر في دعاء ركوب الدابة المشروع سفرًا وحضرًا، والاستعاذة من هذه المخوفات يزاد في السفر؛ فأما دعاء ركوب الدابة المأثور عنه -صلى الله عليه وسلم- فقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وأما دعاء السفر: فعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ) (رواه مسلم)، هذا في سفر الذهاب، وأما سفر العودة فيزيد فيه: (آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) (رواه مسلم).

وقد أحسنت شركة "مصر للطيران" بإذاعة تسجيل صوتي لهذا الدعاء؛ تذكيرًا للركاب به، والركاب فيهم: الصالح والطالح، والعالم بهذه الأدعية والجاهل بها، ولكن في هذا المشهد الذي تجتمع فيه على الإنسان هذه الهموم يجد أن هذا الدعاء هو البلسم الشافي لتبديد كل هذه الهموم؛ فترى الركاب جميعًا يهمهمون بهذا الدعاء، وكأنك في مسجد أوفي حلقة ذكر، بل تجد أن كثيرًا من الركاب يزيد على هذا بالتكبير كلما علت الطائرة، والتسبيح إذا نزلت كما جاءت بذلك السنة.

وهذه الطائرات يركبها أيضًا مِن الكفار مَن يركب، ونحن على يقين أن مَن يفهم منهم هذا الدعاء، وما فيه من معانٍ جامعة وكأنها لم تُقل إلا في شأن أخطار الطيران مع أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- سنها لأمته يوم كان السفر على الدواب، وكان غاية ما فيها من خطر أن ترمي صاحبها فتقتله، وهو أمر لا يكاد يقع - ثم نظر في الأديان الأخرى وخلوها مِن الذكر المأثور عن الأنبياء حيث ضيع هؤلاء سنن الأنبياء، وانشغلوا بنسج الأساطير حولهم؛ فإنه يظهر له عظمة الإسلام وشموليته وأن وحده الدين الصالح لكل زمان ومكان؛ إلا أن منهم مَن يُعرِض عن التأمل في هذا الأمر، ومنهم مَن يتأمل ويمصمص الشفاه؛ فقد عقد عزم قلبه على ألا يفارق دين الآباء والأجداد مهما كان الثمن!

وقد يُتصور أن يحاول بعضهم منع إذاعة هذا الدعاء حقدًا وتغيظًا على المسلمين! وقد يتصور أن يستأجر مَن يفعل ذلك نيابة عنه ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.

هذا... وقد قام صحفي يعمل في "جريدة مشبوهة"، ويرأس تحرير جريدة "أكثر شبهة" بتوجيه نقدٍ إلى شركة الطيران؛ لأنها اختارت هذه الآية: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف:13-14)، مع ما فيها مِن قوله -تعالى-: (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)، وهو أمر لا يجمل أن يواجَه به المسافر في زعمه! كما أنه استنكر أن يُختار مِن أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء الذي فيه وعثاء السفر، وكآبة المنظر حتى يواجَه به المسافر في أول جلوسه على كرسي الطائرة!

ثم لما نوقش في ذلك... قال: "إنه ينبغي أن يُراعَى أن الطائرة يركبها غير المسلمين!".

هذا حاصل كلامه... "فض فوه".

ونحن بعد المقدمة السابقة نعلق عليه في نقاط محددة، نجملها فيما يأتي:

1- دأب العالمانيون على أنهم إذا أرادوا أن ينتقدوا شيئًا مِن دين الله نسبوه إلى أحد الناس على أنه فهم فلان للدين، ثم انبروا يعلِّمون ذلك الغير صحيح الدين على حد فهمهم! وهكذا فعل هذا الصحفي هنا؛ فادَّعى أن اختيار الآية والدعاء كان مِن فعل شركة الطيران، ومِن ثمَّ فالنقد موجَّه لهم لا إلى الآية، ولا إلى الدعاء النبوي.

والكاتب مخير هنا بين احتمالين أحلاهما مر:

- إما أن يعترف أنه جاهل جهلاً مطبقًا للكتاب والسنة؛ حيث يَعرف القاصي والداني أن هذا الدعاء هو الذي كان يدعو به النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر، وليس دعاءً مطلقًا وظفته "مصر للطيران" في غير مناسبته، كما ادَّعى ذلك الصحفي! وأخطر مِن هذا أن تخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الدعاء لركوب الدابة لم يكن إلا امتثالاً لأمر الله -تعالى- في القرآن: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف:13).

فإذن فالكاتب لا يعرف شيئًا عن الأذكار النبوية، وأظن أن هذا ليس بجديدٍ عليه؛ كما أنه كمن لم يقرأ القرآن مِن قبْل، أو -على الأقل- لم يكلف نفسه أن يراجع الآية من المصحف؛ فضلاً عن مراجعة تفسيرها قبل أن يُسوِّد ما سَوَّد!

- وإما أن يعترف أنه قال ذلك نفاقًا وزندقة، وطعنًا في الدين، ولكنه جبن عن التصريح بالطعن في الدين؛ فنسب الأمر إلى شركة الطيران!

2- ثم لو حاولنا أن نفترض الاحتمال الأخف، وهو أنه ظن أن هذه الأدعية مطلقة وظفتها مصر للطيران في هذا السياق باجتهاد منها؛ فإن هذا يدعونا إلى التشكك في عقل الرجل، فإنك لو علـَّمتَ طفلاً صغيرًا دعاءً يستعيذ فيه بالله من وعثاء السفر "أي تعبه"، ثم سألته: متى سوف تقول هذا الدعاء يا "حبيبي"... ؟!

فسوف يجيب على الفور: "عندما أكون مسافرًا إن شاء الله"، ولا تتصور إجابة غير هذا.

لكن رئيس التحرير هذا كان له رأي آخر.. !

3- وهذا ما يجعلنا نتشكك في كل حرف قاله؛ لا سيما أنه في غالب الظن لم تكن هذه أول رحلة له على خطوط مصر للطيران، ولا شك أنه سمع هذا الدعاء على خطوطها قبل هذا، وربما يكون ردده، وربما يكون قد انشغل في مشاهدة صور الفنانات في الجرائد التي يعمل بها، ولكنه على كل حال لم يستنكر على مصر للطيران فعلها... فلماذا قفزت هذه الأغلوطة إلى عقله النير فجأة، وهو يستعد للقفز على كرسي رئاسة تحرير جريدة هاجم رئيس تحريرها السابق الإسلام أيضًا، ولكن أسياده غضبوا عليه فجأة لما بالغ في مطالبه المالية، وأرادوا أن يعلموه أن الحظيرة فيها مِن لا يقلون عنه زندقة، ولكن يرضون بأقل مما يطلبه مِن "علف!".

4- ومما يؤكد هذا أن يعلل ذلك الرجل الأمر في النهاية بأن خطوط مصر للطيران يركبها الكفار، ولا ينبغي أن نعرض ذلك عليهم! ونحن قد نتفهم أن هناك من المأجورين مَن يريد منع أي مظهر إسلامي في بلاد 95% من سكانه مسلمين؛ بزعم مراعاة المواطنة التي لا تُراعَى إلا على حساب الإسلام! ولكن العجب هنا أن الرجل يريد فقط استبدال هذه الأذكار بأخرى قد اقترحها، وكأنه يريد أن يدفع عن نفسه تهمة معاداة الإسلام أو أنه أخبث مِن هذا وهو يريد أن يفتح باب نقد الآيات والأحاديث؟!

ونحن نقول له: إذا كنتَ قد ركبتَ الطائرة مع أحد الكفار فاستشكل هذا الدعاء، ولم تملك جوابًا... فكان يجب أن ترد الأمر إلى عالمه، ولن نقول لك أن تسألنا نحن، ولكن: اسأل الأزهر الذي ما فتئتم تزعمون أنكم تتبعونه، ولا تتبعون المتشددين! وكنتَ ستجد عند علماء الأزهر -بفضل الله- شرحًا وافيًا لما غمض عليك أو على "صاحبك" أو"سيدك".

وفي النهاية.. نجيبك على ما أثرت من شبهات سواء كنت أنتَ صاحبها أم كنت أنت مصحوبًا لصاحبها:

- فأما ما زعمتَ من أن الذكر النبوي يُدخِل على نفس المسافر تشاؤمًا: فكلام لا يصدر مِن رجل سافر "ولو مشيًا على قدميه"؛ فضلاً أن يكون قد سافر بالطائرة، ومر بتلك الإجراءات التي وصفنا شيئًا منها، ومثلت أمام عينيه كلمات المفرقعات والمتفجرات، والاختطاف، والسقوط، والاحتراق؛ فالأخطار ماثلة، والحديث يسِن للمؤمن أن "يستعيذ" بالله منها، وأخطار السفر تكون ماثلة بطبيعة الحال في ذهن كل مسافر؛ لا سيما سفر الطائرة حيث تُلقى على أسماعه كلما حل أو رحل.

وأما إذا زعمت أن الاستعاذة هي التي أصابتك بالتشاؤم دون أخبار المخاطر؛ فنظن أنك في هذه الحالة قد تكون في حاجة للعرض على "قومسيون" طبي!

- وأما زعمك أن الآية تذكر بالانقلاب إلى الله، وهو أمر يصيب المسافر بالتشاؤم: فبعد أن عرفتَ أن هذا الدعاء قد أمر به القرآن عند ركوب الدابة خاصة، وأن اختياره لهذا الموطن لم يكن اختيارًا من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فضلاً أن يكون اختيارًا من شركة الطيران... فماذا أنت فاعل؟!

إذن يجب عليك أن تعلم إن كنتَ مسلمًا أن استمرار ذكر المسلم للدار الآخرة هو الذي ينفعه عند الله؛ حتى لا يستدرجه الشيطان فيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، وكل الدنيا عرض زائل حتى رئاسة الدنيا بأسرها، وليس فقط رئاسة تحرير صحيفة ساقطة فيها!

والآية تأمر بشكر نعمة الفلك والأنعام، ثم تُذكِّر الخلق أنهم منقلبون إلى الله؛ لتنظر كل نفس ما قدمت حتى لا يزهد الناس في شكر هذه النعمة -ومع ذلك: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا) (الإسراء:89)!وهذا لأن هذا الذكر هو لركوب الدابة بصفة عامة في الحضر والسفر، وأما في السفر فالحكمة فيه أظهر، حيث يُشبِه السفر الحسي السفر إلى الله مِن وجوه كثيرة، وحيث يحتاج المسافر إلى الله زادًا كما يحتاج المسافر السفر الحسي زادًا، وزاد سفر الآخرة التقوى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة:197)، كما أن أخطار السفر وما يوجد فيه مِن احتمالات انقلاب إلى الله تستدعي توبة، وكتابة وصية بالديون، واستئذان الوالدين، واستئذان المدين من دائنه، وأحكام فقهية لا نظن أن الكاتب يدري عنها شيئًا.

وإذا كان الكاتب يصيبه الذعر مِن ذكر الموت فيحتاج إلى أن يسأل نفسه: هل لأنه خرَّب آخرته مِن أجل دينه؟ أم لأنه لا يقرأ القرآن الذي هو مِن أوله إلى آخره تذكير بيوم الدين، كما قال -تعالى- في الفاتحة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)؟!

في الواقع: نحن نتعامل مع كاتب مذعور من الموت... وهذه مشكلته لا بد أن يعالجها!

مذعور مِن أن يذكره أحد بوعثاء السفر، وكأنه يسافر بلا ألم مادي أو معنوي! ولكنه يبدو أنه قبْل هذا كان مذعورًا مِن أن "يطير منه كرسي رئاسة تحرير الجريدة المشبوهة" كما طار مِن أستاذه مِن قبله!

ومِن ثمَّ فلا مانع عنده أن يطعن في دين الأمة كلما كان هذا الطعن يساوي زيادة في راتبه، وتثبيتًا في كرسيه الذي سيأتي اليوم الذي يُركل مِن عليه كما رُكِل أستاذه، أو ينقلب إلى الله وهو عليه؛ فيسأله عما كان يفعل.

فهل تدركه رحمة الله قبلها فيتوب أم ينقلب إلى الله بشر وجه، وبشر عمل؟!

فليختر لنفسه.. و(كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطور:21)".