إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 07 أبريل 2016 - 29 جمادى الثانية 1437هـ

متى يُراجـِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟! (2)

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمتُ عن المتعاطفين مع الإخوان في مقالة بعنوان: "متى يُراجِع المتعاطفون مع الإخوان أنفسهم؟!"، ثم كتبتُ بعدها مقالة: "دروس مِن المحنة السلفية الأولى: السلفيون والدولة"، وقد تردد بصدد هذين المقالين بعض الأسئلة.

وأكرر -هنا- أنني أوجِّه حديثي إلى كل مَن يؤمن بالثوابت السلفية، ويعتقد العقيدة السلفية في مسائل الإيمان والكفر؛ فلا يكفر المسلمين بالشبهة، ولا يكفـِّر المعين الذي أتى الكفر إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ومَن يَعرف ضوابط المصلحة والمفسدة عمومًا "وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصًا".

ولأن قِسمًا مِن هؤلاء تبنى مواقف مؤيدة للحراك الإخواني منذ نشأة اعتصام "رابعة"، والذي مثـَّل نقطة فارقة في موقف "الدعوة السلفية" مِن "الإخوان"؛ لما تبناه هذا الاعتصام مِن خطاب فيه تلويح بالعنف والتكفير، وهو ما رفضته الدعوة السلفية، بينما انخرط فيه البعض ممن يرفضون التكفير والعنف؛ ظنـًّا منهم أن هذه العبارات التي صدرت على "منصة رابعة" لا تمثل خطـًّا عامًّا، ثم انتقل الحراك مِن التلويح إلى تبني العنف والتكفير على درجات متفاوتة بين مكونات ذلك الحراك؛ مما استدعى منا أن ندعو هؤلاء إلى إعادة النظر في مواقفهم، فكان المقال السابق.

ثم كان هذا المقال في مناقشة أهم ما نتج عنه مِن استفسارات وتساؤلات، وهي:

1- هل راعت "الدعوة السلفية" مصلحة الدولة في الانتقادات التي وجهتها إلى حكم الإخوان؟ وبعبارة أخرى: ما هي الإجابة عن تهمة أن "صوت الدعوة السلفية" كان عاليًا بالإنكار أيام الإخوان، وأنه خفت أو اختفى بعدهم؟!

2- لماذا لم يظهر اتهام "الدعوة السلفية" للإخوان بتبني خطابٍ فيه عنف وتكفير إلا بعد "اعتصام رابعة"؟!

3- أن موقف السلفيين مِن الإخوان هو نوع من تصفية الحسابات لمواقف معروفة غدر فيها الإخوان بالسلفيين.

1- إجابة شبهة: "لماذا علت أصواتكم بالإنكار على الإخوان بينما خفتت أو تلاشت في الإنكار على المنكرات التي حدثت بعدها؟!":

لو أراد الإنسان أن يَضرب مثلاً على قاعدة: "ما تكرر تقرر"؛ فلن يجد أولى مِن هذا الادعاء الذي يردده أقوام على قيد الحياة عن أحداث شاهدوها بأنفسهم! ولو قدِّر لأحد مِن الأزمنة القادمة قراءة هذا الاتهام؛ لذهبتْ به الظنون إلى أن "الدعوة السلفية" قد نظـَّمت مليونيات حاشدة في التصدي لقرارات فتح السياحة الشيعية، أو أن "الدعوة السلفية" دعتْ إلى إضراب عام ريثما تقف عملية الأخونة، أو أن "الدعوة السلفية" هي مَن صنعت أزمة الضباط الملتحين!

ويمكن الإجابة باختصار عن هذه الشبهات على النحو الآتي:

1- كثيرًا ما يبدأ مَن يلقي هذه التهمة بادعاء سكوت "الدعوة السلفية" عن منكراتٍ حدثت بعد "3-7"، ثم بعد أن تحيله على "بياناتٍ للدعوة، وتصريحات لقادتها، وربما خطب أو دروس أو ندوات"؛ يتراجع إلى ادعاء أن الصوت كان خافتًا! فليتنبه إلى هذا.

2- كثير ممن يَعقد المقارنة بين درجة علو صوت الدعوة بالإنكار قبْل وبعد الإخوان، يتحدث عن الضجة التي يثيرها كل مِن الإعلام "الإخواني، والعلماني" حول المواقف، وليس صوت إعلام الدعوة الخافت بطبعه "لضيق ذات اليد في كل المواقف"، وإذا كان الإعلام العلماني لم تكن له مصلحة في إبراز رفض "جمعة التفويض"؛ فللأسف فالإعلام الإخواني كذلك لا يريد بطبيعة الحال أن يقدِّم أي دليل على نفي "تهمة العمالة" التي يتبناها عن بكرة أبيه!

3- سوف نتنزل في المناقشة إلى أقصى حد، ونوافق جدلاً على أن ثمة فرق بين "شدة علو الصوت في الحالتين"، فنقول: طالما أن الأمر يتعلق "بشدة علو الصوت"؛ فهل تجدون في شرع أو في عقل أنه يتحتم أن يكون صوتك في ذات القوة في كل وقت؟! وهل كان ينبغي أن يكون إنكارك في موقف كموقف الشيعة في عهد د."مرسي" أقل مِن أن تذكِّر الرجل بعهود ومواثيق، و"أيمان مغلظة" أقسمها في هذا الباب؛ حتى لو كنتَ تخاطبه مع غيره خطابًا عامًّا مِن باب: "ما بال أقوام يفعلون كذا... وكذا... "؟!

وهل يمكن أن يُجعل حال الإسلاميين وهم معهم أغلبية البرلمان، والرئاسة، والشعب ملتف حولهم مِن أجل الدِّين الذي وعدوا الناس به -وليس الترحيب بالشيعة!- كالحال الذي أصبح فيه الإسلاميون متهمون "بسبب فعل فصائل منهم" بالإرهاب، والتكفير، ومحاربة عامة الناس في أرزاقهم؟! لا شك أنه لو وجد خفوت في الصوت؛ فإنه مراعاة لحالة الضعف التي وضعَنـَا فيها "خطاب العنف والتكفير"، ثم ممارسة هذا الخطاب عمليًّا!

4- وأما الإجابة التفصيلية عن كل موقف مِن المواقف التي قيل فيها: إن الدعوة رفعت صوتها عاليًا في عهد الإخوان؛ فسيطول المقام في بيان أن الصوت كان حينها في غاية الهدوء، والأهم مِن هذا: أن الغرض منه كان المصلحة العامة للدولة التي جهلها أو تجاهلها الكثير ممن كانوا يشيرون على الرئيس أو يتحركون باسمه آنذاك!

- فـ"مبادرة حزب النور" عُرضتْ أولاً على د."مرسي"، ورحَّب بها كثيرًا لِما كانت تمثـِّله مِن انفراجة له مع المعارضة التي كانت تواجهه، وبعد ما تحرك الحزب فيها؛ اعترض عليها "الإخوان" وحزب "الحرية والعدالة!"، وكان الهجوم والتبديع الذي منه حاولا منع إتمامها، مع "الإعلام الإسلامي!" الذي كان يهاجـِم ويخوِّن "حزب النور"، ثم يعود ويدافع عن ذات الفعل -على اعتبار أنه صادر من حزب الرئيس!-، ولما فشلوا "لأن الطرف الآخَر قـَبِل على أساس وجود وسيط هو حزب النور، لا أن يكون الوسيط هو ذات الخصم"؛ عادوا مرة أخرى يخونوا المبادرة، وإلى الآن!

وبالمناسبة: ذات الموقف تكرر مع مبادرات تم طرحها بعد "3-7"، وكادت أن تنجح؛ لولا اعتراض "صقور الجماعة"، والآن يحاول الشيخ "راشد الغنوشي" أن يحيي بعض هذه المبادرات، ولكن بعد أن تجاوزها الواقع تمامًا.

- وأما قضية "الضباط الملتحين": فأعجب ما فيها أن بعضهم الآن لا يهاجم إلا "حزب النور" على أساس أنه أيد قضيتهم أيام الإخوان، وسكت عنها الآن، مع أن غاية ما فعلناه وقتها أننا حضرنا مؤتمرات هؤلاء الضباط، والآن هم لا يقيمون مؤتمرات أصلاً؛ فلو كان هذا يمثـِّل قدحًا؛ للحقهم هم في الأساس!

ومع هذا، فالحمد لله الذي أنطق احدهم "وهو الأخ هاني الشاكري" الذي ذكر أنه ذهب إلى غير واحد -منهم كاتب هذا المقال-، فنصحوه باللجوء للقضاء، وهذا يعني أننا لم نسعَ إلى إحراج د."مرسي"، ولا برفع الأمر إليه، وإنما نصحناهم بالبعد عنه واللجوء إلى القضاء؛ فلما لجأوا إلى القضاء وحَكَم لهم، ثم رفض "وزير الداخلية" تنفيذ الحكم، وأقاموا مؤتمراتٍ شاركنا فيها؛ فأين المزايدة إذن؟!

وأحب أن أذكـِّر العقيد "أحمد شوقي": بما كال للدكتور "مرسي" مِن نقد "لاذع" في مؤتمر بأسيوط، ذكر فيه أن د."مرسي" متراخٍ في تطهير الداخلية، ومبقٍ لفسادها الذي كان في عصر "مبارك"، وقد نصحتـُه حينها أن يكون موضوعيًّا، وألا يحمِّل الرجل فوق طاقته، ولم يعجبه حينها هذا الكلام؛ فأين المزايدة إذن؟!

- وأما ملف "الأخونة": فعرضه د."يونس" في لقاء خاص مع د."مرسي"، وهو الذي طلب طرحه في اللقاء، ومستشارة الرئيس هي مَن كانت تترك الإذاعة على الهواء، والملف بالفعل كان مِن أهم أسباب حنق الشعب على حكم الإخوان، وجمع د."يونس" ما وصل إلى الحزب مِن شكاوى مِن 13 محافظة، ولم يستكمل الباقي؛ فأتى بالملف على ما هو عليه على أن يستكمل باقي المحافظات لاحقـًا!

وبعدها نشرت بعض الصحف "13000" وظيفة يشغلها الإخوان، وهي معلومات تفوق بكثير الشكاوى التي جمعها الحزب ورفعها للرئيس؛ مما يدل على أن جهاتٍ عديدة كانت ترصد الأمر؛ ومع هذا فلا زال الجميع يتساءل: مِن أين أتى "حزب النور" بالـ"13000" وظيفة، مع أن الملف الذي تسلمه الإخوان كان لا يتجاوز "200" وظيفة مِن 13 محافظة هي مجمل الشكاوى التي قدمها مواطنون في مقار "حزب النور"؟!

- وأما الموقف مِن الشيعة: فلم يتجاوز ندواتٍ للتوعية مِن "الخطر الشيعي" الذي تزايد بفتح باب السياحة الإيرانية، مع مناشدة -مجرد مناشدة- د."مرسي" أن يفي بوعوده و"أيمانه المغلظة" بأنه لن يفعل هذا!

وحتى الموقف مِن رفض "قانون القضاء"، ومِن الإصرار على تعديل "قانون الصكوك"، وغيرها؛ كل هذا كان نابعًا مِن النصيحة الخالصة، ومِن باب الحرص على الدولة مِن "فريق" وصلَ إلى الحكم "وهو لا يحسن إلا المعارضة!"، ويرى لنفسه دراية بالدين، و"مكتب إرشادهم" لا يكاد يوجد فيه مَن يَصدُق عليه "وصف الباحث بعلوم الشريعة!"، ولا يفيد -أو يهم- بعد ذلك أن تضم الجماعة أو يكون مِن بيْن المتعاونين معها عشرات الباحثين؛ طالما أن القرارات تصدر مِن هذا "الفريق".

ولا أريد أن أكرر الكلام "الجارح" جدًّا الذي ذكره الشيخ "الغزالي" -رحمه الله- عن "مكتب إرشاد الجماعة" عندما خرج منها -فليراجعه مَن شاء، فإن الأمور على ما هي عليه منذ ذلك الزمان إن لم يكن أسوأ-، ولكني سأذكر ما حكاه لي أحد الذين تركوا الجماعة مِن جيل الجماعة الإسلامية، نقلاً عن أحد كبار مِن تركوها: "أن جماعة الإخوان تحسن كل شيء؛ إلا أمرين: الدين والسياسة!".

وإذا كان لهذه الأزمة مِن فوائد: فهي ضرورة أن تدرك الجماعة قبل غيرها أن مِن المستحيل أن تكون قيادات جماعات بهذا الحجم على هذه الدرجة مِن الجمود في الخبرات والمفاهيم، وفي كل شيء، وأن يكون مصير كل مَن لديه رؤية مغايرة؛ إما الطرد، وإما الإذعان مع التكفير عن جريمته بقية عمره، كما فعل الأخ "حمزة زوبع" الذي أبدى رؤية مقاربة لرؤية "حزب النور"؛ فكاد أن يُطرَد؛ فعاد وكفـَّر، وما زال يكفـِّر عن "جريمته!" بالمبالغة في نقد "حزب النور" و"الدعوة السلفية"!

2- إجابة شبهة: لماذا لم يَظهر اتهام "الدعوة السلفية" إلى الإخوان بتبني خطابٍ فيه عنف وتكفير إلا بعد "اعتصام رابعة"؟!

- مرَّ الإخوان في تاريخهم بمراحل، منها المرحلة الأولى: للأستاذ "البنا"، والتي استعمل فيها خطابًا دعويًّا، وتَبنى منهجًا إصلاحيًّا، وهي مرحلة "الثلاثينيات"، وأما المرحلة الثانية مِن حياته فوضع فيها بذور الاستعلاء والعنف (وقد فصَّلها الأستاذ "أحمد ربيع" أحد قيادات الإخوان المستقيلة في كتابه "ألغام في منهج الإخوان المسلمين!").

ثم جاء "سيد قطب" فاستكمل إنبات بذور التكفير والعنف، ثم عادت الجماعة على يد "التلمساني" في السبعينات إلى الوجه الأول للبنا، وأغلقوا ملف "النظام الخاص" بأن عنفه كان موجهًا إلى الإنجليز؛ فقَبِل الجميع منهم هذا الكلام على "علاته!"؛ تقديمًا للواقع على التاريخ، ولكن لما عاد الإخوان أو فريق منهم على الأقل إلى ذات أفكار وممارسات النظام الخاص، ولما نشر موقع الجماعة ثناءً على "النظام الخاص"، وأنه أعيد تشكيله في عهد "الهضيبي" -أي بعد جلاء الانجليز عن مصر- كان لا بد مِن التعامل مع هذا الواقع الجديد والتعريف به، والتحذير منه.

3- إجابة شبهة: "أن موقف السلفيين مِن الإخوان هو نوع تصفية الحسابات لمواقف معروفة غدر فيها الإخوان بالسلفيين":

- مِن أعجب الأمور أن يستدعي محاورك الإخواني "أو المدافع عن الإخوان" مواقف "لجرائم" بحق السلفيين كان مِن آخرها تشويه سمعة د."خالد علم الدين"، والكذب المتعمد، بل والأيمان الكاذبة التي حلفت لنا، وحلفت لرموز إسلامية؛ ليخرجوا في الفضائيات والمنابر ويعلنوا أن هناك مَن رأى وسمع، ومنهم مَن تراجع بعد ذلك، ومنهم: الشيخ "فوزي السعيد"، مع أنه لم يُراجـِع موقفه مِن هؤلاء الذين حلفوا له كذبًا، وجعلوه يستعمل منبره في إلصاق تهمة ببريء، ومع ذلك فجزاه الله خيرًا؛ لأن غيره لم يتجاسر أن يكذب الخبر بعد ما تبيَّن له، فيسوق الواحد منهم هذه الجرائم؛ لكي يقلبها حجة لهم وذريعة أن مواقفك ما هي إلا رد فعل لذلك العدوان!

أي أن متى اعتدى عليك؛ فليس أمامك إلا تأييد ذلك المعتدي، وفي أمور تدمِّر الدولة والدعوة في آن واحد؛ لكي تكون بريئًا عند هؤلاء؛ وإلا دخلت تحت طائلة أنك تنتصر لنفسك!

وبحمد الله فإن الله قدَّر أن يكون آخر مشهد حافل للإسلاميين في "مليونية 1-12-2013م"، وما بذلت فيه "الدعوة" مِن جهد قبِله الإخوان! وكانت آخر مرة يَقبلون فيها النصح بأن ينقلوها بعيدًا عن "ميدان التحرير"؛ حيث كان تجمُّع المعارضين للدكتور "مرسي"، وبعده بأيام قرر الإخوان والمتحالفين معهم نقل الفاعليات إلى ميدان "رابعة العدوية"، وقريبًا مِن تجمع المعارضين في الاتحادية؛ فانسحبت "الدعوة" منذ ذلك اليوم مِن هذا الحلف، ونعم ما فعلت -بحمد الله تعالى-.

فالولاء والبراء: إنما هو ولاء لعموم المسلمين، وليس للجماعات الإسلامية أو للإخوان خاصة كما يردد الإخوان أو المتحالفين معهم؛ فكان مقتضى الفهم الحقيقي للولاء والبراء هو عدم المساهمة في أي وضع للبنزين بجوار النار، وبالفعل أكد الواقع هذا؛ فوقعت "مواجهات الاتحادية"، ثم ما تلاها... إلى أن وصلنا إلى "العقاب الثوري - وحرق القطارات والترامات - ووضع العبوات الناسفة في الطرقات!".

والشاهد أنه بعد كل هذه المواقف مِن الإخوان كانت "مليونية 1-12-2013م"، وبعدها لم يستجيبوا لأدنى مطالبنا الشرعية، وأصروا على وضع "البنزين" بجوار "النار"؛ فتركناهم عن بصيرة -بحمد الله-، وما زلنا نزداد كل يوم بصيرة في هذا الموقف، ولم يكن الموقف تصفية حسابات -كما يزعم الزاعمون!-.

والحمد لله رب العالمين.