إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 02 أبريل 2016 - 24 جمادى الثانية 1437هـ

بأي ذنب قـَتلوا "مصطفى"؟!

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ابني الحبيب "مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله وغفر له، وعافاه وعفا عنه، وأكرم مثواه ووسَّع مدخله-، عرفته طالبًا مجتهدًا في أولى سنوات دراسته في كلية الصيدلة جامعة القاهرة منذ أكثر مِن ستة عشر عامًا، يجمع بيْن العلم الشرعي والعلم الدنيوي، والدعوة إلى الله -تعالى- في أحلك الظروف، وفي وسط تربُّص فظيع مِن نظام مبارك للدعوة السلفية خصوصًا في القاهرة.

فقد كانوا حريصين على أن يبقى العمل الإسلامي ممثلاً في تيارات لا تحتمل النمو والقبول داخل المجتمع، تتسارع مع بعضها وتتبادل السباب والشتم كما هي المحاولات العالمية والإقليمية والداخلية الآن.

واختار "مصطفى" الشاب الواعد طريق الدعوة السلفية رغم مخاطِر هذا الطريق، كما ظل على اختياره مع تعاظم هذه المخاطر على حياته في مدينة العريش التي انتقل إليها للعيش فيها مع إخوانه مِن الشباب الطيب الواعي الطالب للعلم؛ فكان هذا نقلة نوعية للعمل الإسلامي فيها بعد أن ظلَّ عقودًا مِن الزمان لا تمثله إلا التيارات المنحرفة التي تمثـِّل التكفير أو تسقط فيه تمامًا، والتي تَرَبَّى أبناؤها على الغل والحقد والكراهية للمجتمع وليس فقط للدولة الكافرة -في ظنهم-، والتي تُركتْ عمدًا؛ لا أدري لماذا؟! لكي تشكل أكبر تجمع للشباب المتدين في ذلك الوقت.

فبدأت الدعوة السلفية تَنْحت وجودها في الصخر بهؤلاء الشباب الواعي، ومِن أعظمهم أثرًا بعلمه وفهمه، وخلقه وسلوكه وعبادته "مصطفى عبد الرحمن".

تعامل بحكمة مع غطرسة أمن الدولة، ومع عداوة القطبيين، والتوقف والتبين، الذين شعروا أن "مصطفى" وإخوانه سوف ينزلونهم عن عرش تربعوا عليه في تمثيل العمل الإسلامي، وبالفعل قد كان، وظلت الظروف الصعبة التي تحول دون أن يصل إلى أبناء الدعوة السلفية أي مبرر معنوي أو دعوي، كيف وقد كان الدعاة لا يستطيعون الحركة داخل مدينتهم فضلاً عن محافظاتهم، فضلاً عن سيناء التي لم تطأها إلا بعد الثورة، ولكن ظل الرجال في عملهم ومعهم "مصطفى" ينبت الثمار الطيبة ويهدي الله به كثيرًا مِن الشباب بعيدًا عن فكر التكفير، والعنف والصدام مع المجتمع، ثم كان تأسيس حزب النور الذي بذل فيه "مصطفى" الجزء الأكبر، وحقق الحزب نتائج رائعة في المحافظة الوليدة دعويًّا، الخطيرة فكريًّا، الحسَّاسة حدوديًّا؛ لينتج آفاقـًا مِن العمل السياسي ليخدم العباد والبلاد، ثم كانت مرحلة أخرى بدخول الدعوة في محاولة حثيثة لإنهاء الصراع المدمر بالوساطة بيْن الجماعات المنحرفة وبين الدولة، لإيقاف القتال.

بذل "مصطفى" مع إخوانه: الشيخ إيهاب والشيخ أسامة، ومع الدعاة القادمين مِن الوادي على رأسهم الشيخ "شريف الهواري" والمهندس "جلال مرة" جهودًا لن تمحى مِن صحائفهم، أسأل الله أن تكون في ميزان الحسنات، وإن تناساها مَن يرمي الإخوة بالإرهاب، أو مَن يعاملهم كما يُعامَل الإرهابيون، وهم الذين عرَّضوا حياتهم للخطر، وكادوا أن يسلـِّموا أنفسهم رهائن ليتم الاتفاق والواسطة لتنتهي المأساة التي ما زلنا ننزف منها جميعًا، إلا أن أيادٍ خفية طلبتْ إيقاف هذه الجهود دون مبرر، واستمر المسلسل الأليم إلى يومنا هذا.

وفي ظل جهود "مصطفى" العلمية والدعوية والسياسية في نشر منهج أهل السنة والجماعة -منهج السلف الصالح- بوسطيته وسلميته وسهولته، إلى أن جاءت الفتنة التي كانت نكبة للعمل الإسلامي في مصر، حين أصرَّت قيادات الإخوان على السير في طريق الصدام، والدخول في المعادلة الصفرية، وبالطبع كانت العريش معقلاً أساسيًّا للأفكار المنحرفة التي ازدادت انحرافًا، وتضاعف عدد أفرادها في جو الصدام وحالة الحرب، خصوصًا مع إعلانها حربًا بيْن الإسلام والكفر.

لم يهتز "مصطفى عبد الرحمن" في الفتنة، ولا انحرف يمينًا أو يسارًا، رغم أن تُهم التكفير قد طالته وإخوانه، وتهديدات القتل لم تتوقف عنهم، ومع ذلك ظل على المنهج لم تزعجه عاطفة جاهلة، ولم تذعره تصرفات ظالمة ضده وضد إخوانه بغير جُرم ولا جريرة، كما لم تخِفه تهديدات أهل البدع أو تجعله يُؤْثِر السلامة والانصراف إلى مكان آمن بعيدٍ عن حسابات معقدة وأصابع خفية تحاول إبقاء الوضع على ما هو عليه مِن الصراع الدموي المدمر، وتحاول تغييب الدعوة السلفية الحقيقية التي ثبت أنها إن غابت عن مكان، انتشرت فيه ولا بد الأفكار المتحاربة المتصارعة المنحرفة التي تدخل البلاد والعباد في دوامات القسوة والغفلة، والفوضى والخراب، وها هي ليبيا مثالاً شاهدًا عمليًّا على ذلك.

لماذا قتلوا مصطفى؟!

إن كانت جماعات التكفير ومَن نحا نحوها هم الذين ارتكبوا الجريمة الشنعاء، فهنيئًا لـ"مصطفى" بُشرى النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال عن الخوارج: (خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح)، نسأل الله أن يتقبله في الشهداء، كما كان عليٌّ -رضي الله عنه- شهيدًا، ولو قتله مَن يتكلم بالإسلام؛ فلا يلزم أن يكون القاتل مِن الكفار ليثبت حكم الشهادة وثوابها لمَن قتله.

ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اثْبُتْ أُحُدُ! فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وشَهِيدَانِ) (رواه البخاري)، وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان، وقُتل علي وطلحة والزبير بأيدي ممن يتكلم بالإسلام، وهم شهداء -رضي الله عنهم-.

وإن كان قتله أعداء الدين والأمة الذين تعبث أيديهم في سيناء وعيونهم وآذانهم، سواء مباشرة أو بأيدي المخدوعين الجهلاء ممن يظنون أنفسهم عاملين للدين أو الأمة، فهنيئًا له أيضًا، بل شرف له أعظم؛ فإنه ما قام مقامه إلا نصرة للشريعة -نحسبه كذلك والله حسيبه-، وحفاظًا على الهوية، والعقيدة الحقيقية الوسطية السلفية.

قُتِل "مصطفى" صائمًا في صلاة إذ كان متجهًا إليها، فكانت -بإذن الله- مِن علامات حسن الخاتمة.

قُتِل "مصطفى" وكتاب الله في صدره، وقد كان يتلوه باكيًا خاشعًا تحرِّك القلوب تلاوته.

قُتِل "مصطفى" والدعوة إلى الله والتدبر لآيات الله وتعليم الناس العلم النافع تشغل همته وقصده ووقت عمله.

فاللهم اغفر لعبدك مصطفى أبي فاطمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه وبنيه في الغابرين.

اللهم احفظ بناته وثبتهن أحسن الثبات، وارزق والدته وزوجته وأهله وإخوانه أحسن الصبر وأجمله.