إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 22 مارس 2016 - 13 جمادى الثانية 1437هـ

تصريحات "الزند" وصيانة مقام النبوة... (ما بعد الإقالة)

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- فعندما وقعت التصريحات غير اللائقة مِن المستشار "أحمد الزند" في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ انطلقتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي كالعادة تسابـِق الزمن، وتقرر الأحكام وتنزل الفتاوى، وكعادتنا نحتاج بعض الوقت لمعرفة الحدث ومراجعة الأحكام الشرعية المتعلقة به، ومناصحة أطرافه نصيحة مباشرة ما وُجد إلى ذلك سبيلاً؛ وبالتالي: فالطبيعي أن تكون ردود أفعالنا متأخرة عن ردود فعل التواصل الاجتماعي، بل والطبيعي أن يكون جزء كبير مِن ردود الفعل متعلقـًا بتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح مِن هذه المواقف.

2- كما كان رد المستشار "الزند" بإعلان التوبة والاعتذار، ولا أعني به قوله: "أستغفر الله العظيم" في تصريحه الأصلي، وقد بيَّنتُ في المقالة السابقة أن هذا القدر لم يكن كافيًا حيث كان يجب الإقلاع والبراءة والندم على الكلمة، ولكن أعني المداخلات التي أعلن فيها البراءة والندم على ما قال.

ولولا اشتعال "مواقع التواصل" لكان مِن الممكن أن نعتبر أن المقصود قد حصل مِن إنكار المنكر على فاعله "سواء ما تم مباشرة أو ما قام به الكثيرون عبْر مواقع التواصل الاجتماعي"، ومِن توبة صاحبه منه وبراءته منه على الملأ؛ إلا أن الخلاف في المسألة احتاج إلى بيان.

3- كان هناك مَن يوصِّف كلام "الزند" بأنه سبٌّ "للنبي" -صلى الله عليه وسلم- أو لـ"مقام النبوة" ثم يتبنى القول بعدم قبول توبته ويتمسك بهذا، وعلى النقيض كان هناك مَن يوصِّف الكلمة بسبق اللسان المحض! ولا يتعرض لكونها ناشئة مِن الإخلال بالأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنها بهذا جرمٌ عظيم في حقه -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم يبلغ حدَّ السب، وهو ما يستوجب على صاحبه التوبة والاعتذار، وقد كان -فيما نرى-.

ومِن هنا جاء تعليق فضيلة الشيخ "ياسر برهامي"، وجاءت مقالتي التي كتبتُها على عجالة تحت عنوان: "تصريحات الزند... وصيانة مقام النبوة"، ثم بعد نشر هذا بساعاتٍ جاء خبر إقالة المستشار "الزند"، وكالعادة "كـَذب الكاذبون".

- فمنهم: مَن ادَّعى أن هذه التعليقات كُتبتْ بعد إقالته! مع أن ساعة نشرها موجودة على مواقع نشرها، ومع أن إعدادها للنشر يتطلب وقتًا قبْلها.

- ومنهم: من ادَّعى أن ثمة تصريحات أخرى أكثر حدة قد خرجتْ بعد الإقالة، وهذا كذب.

- ومنهم: مَن استنكر على هذه التعليقات أمورًا؛ إما شرعية، وإما سياسية.

وأبرز هذه الانتقادات كانت:

أ‌- استنكار عدم توصيف ما صدر عن المستشار "الزند" أنه سب.

ب‌- وكفرع على النقطة السابقة: استنكار دعوته إلى التوبة، في حين أن جريمة سبِّ الأنبياء لا توبة فيها.

ت‌- استنكار عدم المطالبة بإقالته.

وسوف أجيب هنا في عجالة على هذه الأمور الثلاثة.

أولاً: لماذا لم نوصِّف فعل "الزند" على أنه سبٌّ صريح؟

ثمة إجماع على أن سبَّ الأنبياء ردة عن الإسلام، ولكن ما هو ضابط هذا السب؟

إذا رجعنا إلى شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، والذي يمثـِّل أكثر الكتب التي عالجتْ هذه القضية، وانتصرت فيها لوجوب المبالغة في تجريم سبِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سواء صدر مِن مسلم أو مِن كتابي؛ فسنجد أن "شيخ الإسلام" قد تعرَّض في الكتاب لمسألتين: الأولى: الفرق بيْن عقائد المشركين الباطلة التي يعقد لهم الذمة مع علمنا باعتقادهم لها، وبيْن السبِّ؛ فوضع ضابطًا للسب نحتاج إليه مِن باب أولى عند توصيف كلام المسلم، ثم عاد وطرح ذات المسألة في الفرق بيْن السب وبين عقائد بعض المبتدعة التي تشتمل على انتقاص، وفي كلتا الحالتين أكَّد أن توصيف جريمة سب النبي -صلى الله عليه وسلم- وما يترتب عليها مِن أحكام خاصة بالألفاظ التي هي في عرف عامة الناس تعد سبًّا.

فقال في المسألة الأولى: "التكلم في تمثيل سبِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذكر صفته؛ ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين، لكن الاحتياج إلى الكلام في حكم ذلك، نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقـًا مِن غير تعيين، والفقيه يأخذ حظه مِن ذلك، فنقول: السب نوعان: دعاء وخبر. أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه الله، أو لا رحمه الله، أو لا رضي الله عنه، أو قطع الله دابره؛ فهذا وأمثاله سب للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه، أو لا سلم، أو لا رفع الله ذكره، أو محا الله اسمه، ونحو ذلك مِن الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة؛ فهذا كله إذا صدر مِن مسلم أو معاهد فهو سب؛ فأما المسلم فيُقتل به بكل حال، وأما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره".

- ثم قال: "النوع الثاني: الخبر: فكل ما عدَّه الناس شتمًا أو سبًّا أو تنقصًا؛ فإنه يجب به القتل -كما تقدم-، فإن الكفر ليس مستلزمًا للسب، وقد يكون الرجل كافرًا ليس بساب، والناس يعلمون علمًا عامًّا أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة، ولا يسبه، وقد يضم إلى ذلك مسبة، وإن كانت المسبة مطابقة للمعتقد؛ فليس كل ما يحتمل عقدًا يحتمل قولاً، ولا ما يحتمل أن يقال سرًّا يحتمل أن يقال جهرًا، والكلمة الواحدة تكون في حالٍ سبًّا، وفي حال ليست بسبٍّ؛ فعُلِم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال، وإذا لم يكن للسب حدٌ معروف في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما كان في العرف سبًّا للنبي؛ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا؛ فلا".

- وقال في الحالة الثانية: "السب الذي ذكرنا حكمه مِن المسلم هو: الكلام الذي يُقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يُفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم: كاللعن والتقبيح، ونحوه، وهو الذي دلَّ عليه قوله -تعالى-: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام:108)؛ فهذا أعظم ما تفوه به الألسنة، فأما ما كان سبًّا في الحقيقة والحكم، لكن مِن الناس مَن يعتقده دينًا ويراه صوابًا وحقـًّا، ويظن أن ليس فيه انتقاص ولا تعييب؛ فهذا نوع مِن الكفر، حكم صاحبه إما حكم المرتد المظهِر للردة أو المنافق المبطن للنفاق، والكلام في الكلام الذي يكفر به صاحبه أو لا يكفر، وتفصيل الاعتقادات وما يوجب منها الكفر أو البدعة فقط، أو ما اختلف فيه مِن ذلك؛ ليس هذا موضعه، وإنما الغرض أن لا يدخل هذا في قسم السب الذي تكلمنا في استتابة صاحبه نفيًا وإثباتًا، والله أعلم".

ومِن ثَمَّ؛ فالتسرع بتوصيف كل قول بأنه سبٌّ تصرف غير سديد، وهذا الذي ذكرناه نقل ملخصه الشيخ "المنجد"، ونقل مثله عن "الغزالي" في إجابة السؤال رقم: "163627"، فقال: "قال أبو حامد الغزالي: "وَمَعْنَى السُّخْرِيَةِ: الِاسْتِهَانَةُ، وَالتَّحْقِيرُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِضِ عَلَى وَجْهٍ يُضْحَكُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْمُحَاكَاةِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ" (انتهى مِن إحياء علوم الدين 3/ 131). فكل قول أو فعل يدل -بحسب ما يتعارف عليه الناس ويفهمونه مِن لغتهم- على الانتقاص أو الاستخفاف بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو القرآن والسُّنة، أو شيء مِن شعائر هذا الدين؛ فهو مِن الاستهزاء المخرج مِن الملة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الصارم المسلول (541): "وإذا لم يكن للسبِّ حد معروف في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما كان في العرف سبًّا للنبي؛ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا فلا" (انتهى).

فائدة: كلام العلماء على حديث: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا):

في بعض كتب الفروع كلام على عبارات مِن جنس عبارة "الزند"، أو في الواقع مطابقة لها؛ نفوا فيها الردة عمن قال مثل هذا، ولكننا سوف ننقل كلامهم على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (متفق عليه)، ورغم أن الحديث بهذا السياق كان له أهمية كبرى في انتزاع ما تجنح إليه النفوس عادة مِن محاباة الشرفاء أو استعظام أن يُقام الحد على شريف كما في سبب ورود هذا الحديث مِن قصة المرأة المخزومية التي سرقتْ؛ فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين لهم: أنهم إن كانوا يستعظمون إقامة الحد على تلك المرأة الشريفة النـَّسَب؛ فإنه لو فرض جدلاً أن ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسها قد فعلتْ هذا -حاشاها مِن ذلك-؛ لوجب إقامة الحد عليها.

- وقد نقل ابن حجر -رحمه الله- وغيره مِن شُراح الحديث عن أئمة المسلمين الأدب حتى في نقل هذا الخبر، مع أنه صادر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- قال في "طرح التثريب" في المسائل المستفادة مِن هذا الحديث: "الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ: "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ" إلَى آخِرِهِ... فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُحَابَاةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَإِنْ فَرَضْت فِي أَبْعَدِ النَّاسِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ -رحمه الله- بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: وَقَدْ أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ أَيْ: حَفِظَهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ وَحَمَاهَا مِنْهُ؛ إذْ هِيَ بِضْعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَهَذَا كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ) (الحاقة:44)، إلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَمِعْنَا أَشْيَاخَنَا -رحمهم الله- عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، يَقُولُونَ: أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.

وَبَلَغَنَا عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله-: أَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ هَذَا اللَّفْظَ إعْظَامًا لِفَاطِمَةَ -رضي الله عنها- وَإِجْلالا لَمَحِلِّهَا، وَإِنَّمَا قَالَ: فَذَكَرَ عُضْوًا شَرِيفًا مِنَ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَنْزَهَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ فَاطِمَةَ -رضي الله عنها- دُونَ غَيْرهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ نِسَاءِ زَمَانِهَا، فَهِيَ وعَائِشَةُ فِي النِّسَاءِ لا شَيْءَ بَعْدَهُمَا، فَلا يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الْمُبَالَغَةِ إلا بِذِكْرِهَا، وَانْضَمَّ إلَى هَذَا أَنَّهَا عُضْوٌ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ ذَلِكَ عَلَى مُحَابَاتِهَا فِي الْحَقِّ، وَفِيهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّهَا مُشَارِكَةٌ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فِي الاسْمِ، فَيَنْتَقِلُ اللَّفْظُ وَالذِّهْنُ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الأُخْرَى، وَإِنْ تَبَايَنَ مَا بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ.

التَّاسِعَةُ: وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ بِقَيْدِ الْقَطْعِ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ، وَهُوَ وُجُوبُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْبَعِيدِ، وَالْقَرِيبِ الْحَبِيبِ، وَالْبَغِيضِ؛ لا يَنْفَعُ فِي دَرْئِهِ شَفَاعَةٌ، وَلا تَحُولُ دُونَهُ قَرَابَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ" (انتهى).

فائدة: حكم التوسع في استخدام هذا الأسلوب:

وبعد أن ذكر "الحافظ ولي الدين العراقي" صنيع العلماء في الأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومع ابنته؛ حتى ولو في سياق تعليم الناس خبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نَقلَ عن الإمام "ابن دقيق العيد" في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" عبارة جامعة في حكم استعمال أسلوب "لو فعل كذا مِن الأخطاء؛ لاستحق كذا" في حق مَن لهم حرمة، فقال: "وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ هَذَا الْمَخْرَجَ مِنَ الْكَلامِ الَّذِي يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْقَوْلِ بِأَمْرٍ آخَرَ لا يَمْتَنِعُ، وَقَدْ شَدَّدَ جَمَاعَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا، وَمَرَاتِبُهُ فِي الْقُبْحِ مُخْتَلِفَةٌ".

وخلاصة الكلام: أن استعمال هذا قبيح، ولكنه له مراتب في القبح تستدعي الزجر والتأديب، وهذا يعود بنا إلى كلام شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- في أن جريمة سب النبي -صلى الله عليه وسلم- كفر وردة، ولكن ضابط التمييز بيْن ما هو سبٌّ، وبيْن ما هو دون ذلك؛ يُرجع فيه إلى العرف والقرائن والأحوال.

ثانيًا: لماذا ندعوه إلى التوبة؟

إذا تبيَّن أن توصيف جُرم الرجل أنه ليس سبًّا؛ فلا محل للكلام على قبول توبته مِن عدمها، ومع هذا فعلى فرض أن الفعل سبٌّ؛ فالإجماع على دعوة الجميع إلى التوبة إلى الله؛ الساب وغيره، ولكن في جرائم الحدود لا تُسقِط التوبة الحدَّ؛ فلو أن زانيًا محصنًا تاب إلى الله؛ فهذا لا يسقط الحد عنه، ومِن العلماء مَن يرى أن حدَّ ساب النبي -صلى الله عليه وسلم- القتل-، ومنهم مَن يراه ردة كسائر الردة إن تاب صاحبها لم يُقتل، ومنهم مَن يفرِّق بيْن القذف؛ فيجعل فيه الحد، وبيْن سائر السب فيجعله ردة تُقبل فيها التوبة في الدنيا.

ومِن المعلوم: أن الجميع يفتي مَن أصاب حدًّا في زماننا أن يتوب إلى الله منه، ولا يُلزمه بأكثر مِن هذا، وهذا في الجرائم المجمع على وجود حد لها، وفي حالة ثبوت الجرم تمامًا مِن فاعله، فلو تنزلنا مع مَن قال بهذا؛ فلن يكون أمامه إلا دعوة الرجل إلى التوبة؛ فكيف إذا كان توصيف الفعل أصلاً على الصحيح أنه ليس سبًّا، ولا يدخل فيه كل هذا الخلاف كما قال "ابن تيمية"؟! وقد أظهر الرجل ندمًا واعتذارًا، وهذا أقصى ما يُطالِب به البشر بعضهم بعضًا.

ثالثـًا: استنكار عدم المطالبة بإقالته:

استنكر البعضُ عدم مطالبتنا بإقالة المستشار "الزند" -ولو كنا قد طالبنا؛ لاعتبر البعض هذا دليلاً قاطعًا على ما يدعيه مِن كذب وأباطيل!-، وعمومًا ما أسهل المطالبة بإقالة أي مسئول "وقد طالبنا بإقالة مسئولين قبْل ذلك... ".

ولكن إذا كنا سنطالِب بإقالة مَن فعل الخطأ وأصرَّ عليه، ونطالِب أيضًا بإقالة مَن فعل الخطأ وسارع بالاعتذار والرجوع عنه؛ فهل هذا مِن الحكمة في الدعوة أو مِن الكياسة في السياسة؟! ولذلك كان الأسلم هو التركيز على فعله وحكمه، والدعوة إلى التوبة منه دون التعرض للإقالة سلبًا ولا إيجابًا.

وجاءت الإقالة فظننا أنها أراحت الجميع، لكن المتربصون لم يتركوا الفرصة لينتزعوا دلالاتٍ مِن المواقف على خلاف سياقها؛ فإن لم يُسعفهم الواقع استعانوا على ذلك بالكذب والبهتان!

فنسأل الله الهداية لنا ولهم ولجميع المسلمين.