إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 12 أكتوبر 2013 - 7 ذو الحجة 1434هـ

الأضحى... وحدة وتضحية وأمل -(للنشر والتوزيع)-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإلى جموع شعب مصر... "قلب الأمة العربية والإسلامية النابض".

تقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة "عيد الأضحى المبارك"، ورد الله إليكم حجاجكم سالمين غانمين مأجورين "بفضله ورحمته".

يأتي علينا "موسم الحج" بكل ما يحمله من معانٍ وذكريات تنشِّط ذاكرة الأمة، وتثبت وعيها بهويتها فتتذكر قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"؛ ذلك أن العرب عاشوا فترة طويلة من تاريخهم وهم قبائل متفرقة لا يجمعها رابطة، ثم شاء الله -عز وجل- أن يستجيب لدعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:128-129).

فتحققت الدعوتان معًا ببعثة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وببروز أمة العرب كنواة لأمة الإسلام ودين الإسلام؛ تلك الأمة المسلمة التي تربتْ على حب لغة القرآن "مهما تنوعت ألسنة أبنائها، واختلفت جنسياتهم".

وقد مَنَّ الله على شعب مصر العظيم أن يكون -ومنذ العام العشرين من الهجرة النبوية المباركة- في موقع القلب من الأمة العربية والإسلامية "قبْل أن تنشأ النظم الدستورية"؛ فلما نشأت النظم الدستورية عبَّر "دستور مصر" عن هذا الانتماء في صدر مادته الأولى من الدستور "المصري" لتعبِّر هذه المادة عن جزءٍ هام من هوية هذا الشعب ببيان الأمة الكبرى التي ينتمي إليها.

ثم جاءت "المادة الثانية" لتحدد الهوية التشريعية لهذا الشعب "وهي الشريعة الإسلامية"؛ بيد أنهم أقحموا عليها قسرًا كلمة "مبادئ!"؛ استغلها البعض ذريعة لتفريغ تلك المادة من معناها فاحتاجت إلى مادة مفسِّرة هي المادة (219) من دستور (2012م).

ولأن البعض يعلن أنه لا يتخوف من الشريعة -وإنما يتخوف مِن سوء فهم البعض لها- وُضعتْ المادة الرابعة التي توكِّل الفصل فيما يتعلق بشئون الشريعة الإسلامية إلى "هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف"، ومع هذا فيوجد مَن يريد حذف هذه المادة رغبة منه في أن ينتزع تفسير الشريعة من المختصين، ويضعه في أيدي مؤسسات أخرى بدعاوى مختلفة!

واعلموا أن هذه المحاولات لا يمكن أن تمر... ما بقي شعب مصر يقظًا، حريصًا على هويته، معتزًا بريادته، للأمة العربية والإسلامية.

إن عيد "الأضحى" هو عيد التضحية والفداء، جعله الله إحياءً لِمَا همَّ به الخليل إبراهيم -عليه السلام- من تقديم ولده إسماعيل قربانًا لله، مستسلميْن لأمر الله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات:103-105)، وأما نحن فلم يطلب منا أكثر من ذبيحة نقدِّمها قربانًا؛ ولذلك كان مِن غير اللائق بمن وجد سَعة أن يقصِّر في تلك الشعيرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).

ثم إن الله تفضَّل على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأن أذِن لهم بالأكل مِن الأضحية، وأن يهدوا أقاربهم وجيرانهم "بالإضافة لإطعام الفقراء"، فقال -تعالى-: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (الحج:36)، ومِن هنا استحب الكثير من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تقسَّم الأضحية أثلاثًا، فالله الله في ثلث الفقراء مِن أضحيتكم، لا تجوروا على نصيبهم؛ لا سيما مع غلاء الأسعار، وكثرة المحتاجين.

إن الإهداء والصدقة من الأضحية هو جزء من بناءٍ اجتماعي متكامل، ضرب له النبي -صلى الله عليه وسلم- المثل بقوله: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).

إن هذه العلاقة المتينة لتسمو على أي خلاف سياسي مع نظامٍ حاكم أو بيْن طوائفَ من الشعب، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- راعى هذا الجانب مع أهل مكة حال كونهم كفارًا، ومع إخراجهم للرسول والمؤمنين مِن مكة! ولما أسلم ثمامة بن أُثال -رضي الله عنه- ومنع عنهم توريد القمح فناشدوا النبي -صلى الله عليه وسلم- الله والرحم أن يأمره ببيع الطعام لهم؛ أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيعهم الطعام.

ثم إن هذه العلاقة المتينة هي التي نعوِّل عليها، ونؤمل أن يتذكرها كل طرف حتى تكون أساسًا لإنهاء حالة الانقسام السياسي التي تشهدها البلاد، فإن أبى البعض إلا استمرار الانقسام فليحرص كل أحد ألا يلقى الله بأيادٍ ملوثة بالدماء، وليعلم الجميع "مِن مواطنين، وجيش، وشرطة" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جمع الحرمات المغلظة ثم جعل حرمة المسلم أشد حرمة منها، فقال: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ، هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) (رواه البخاري ومسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).

وإن المرء ليعجب بعد هذا التحذير كيف يتساقط القتلى كل يوم، كما يعجب المرء من جرأة البعض على قتل جنود يقومون بدورهم في حماية وطنهم!

فليعلم كل أحد أنه لا يجوز التساهل في الاعتداء على معصوم الدم من مسلم أو غير مسلم بمجرد الشبهة أو الظن، أو تذرعًا بفتاوى لا يقدِّر أصحابها عواقبها، ولا تشفع لمن تمسك بها عندما يقف بيْن يدي ربه وحيدًا؛ فليعد كل واحد للسؤال بين يدي الله جوابًا.

إن موسم الحج فرصة لكي نمرر على قلوبنا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لنقارن بين موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في بداية دعوته حينما قيل له: "تبًّا لكَ!" وبين حجة الوداع حينما دخل الناس في دين الله أفواجًا؛ فندرك معاني الثقة بالله، واليقين في نصره للدين، وتمكينه له.

لقد كان هذا وعد الله لرسوله بالنصر والتمكين، وقد تم هذا بدخول الناس في دين الله أفواجًا، وإذا كان الناس في بلادنا قد دخلوا في دين الله أفواجًا -بحمد الله- منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا من الزمان إلا أننا أن أردنا أن نعالج التقصير الذي طرأ على الأمة كأفراد وكمجتمع؛ فيجب علينا أن ندعو إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، مع امتلاء قلوبنا بالثقة، ونفوسنا بالأمل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

فاللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويحكم فيه بكتابك، ويُؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

وتقبل الله منا ومنكم.