إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 12 أغسطس 2013 - 5 شوال 1434هـ

عيدنا مظهر وحدتنا (للنشر والتوزيع)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

عيدنا مظهر وحدتنا...

وديننا مصدر عزتنا...

وشريعتنا مرجعية دولتنا...

قدِم علينا رمضان هذا العام ونحن مختلفون متفرقون، قد اختلفت آراؤنا حول طريقة الخروج من أزماتنا السياسية؛ مما حرمنا من الاستفادة من شهر رمضان كما ينبغي.

ومِن أجل ذلك... علينا ألا نفوِّت فرصة العيد؛ ذلك المشهد السنوي الجامع الذي يخرج فيه جميع المسلمين؛ رجالاً ونساءً وأطفالاً.

في هذه اللحظات نتذكر نداء الله لنا: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92)، ونتذكر قول الله -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).

علينا أن نتذكر ونحن خارجون لصلاة العيد تتزاحم أكتافنا وتتلاقى قلوبنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في شأن مفاوضاته مع الكفار: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) (رواه البخاري)؛ فكيف بالخلاف بين المسلمين؟!

إن العيد فرصة عظيمة نراجِع فيها وحدتنا، ونعيد فيها اصطفافنا، ونتسامى على خلافاتنا.

في العيد نخرج جميعًا مرددين: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد".

فينبغي علينا أن نتذكر ذلك الشعار جيدًا: "الله أكبر".

الله أكبر... هي نداء صلاتنا.

الله أكبر... هي فرحة عيدنا.

الله أكبر... هي نداء جنودنا.

الله أكبر... رفعنا كل راية غيرها فلم ينصرنا الله إلا عندما نادينا بها في حرب العاشر من رمضان؛ مصداقًا لقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

إننا ونحن بصدد إعادة بناء دولتنا يجب أن نأخذ بكل أسباب القوة المادية؛ امتثالاً لقول الله -عز وجل-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:60)، ولكن لا ينبغي أن نذهل عن المصدر الذي نستمد منه منعتنا وقوتنا (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40).

إنه لفخر لكل مصري أن يكون منتسبًا لشعب يَشهد له القاصي والداني أنه شعب متدين بطبعه؛ حتى إن قلوب محبي الدين من غير أبناء هذا الشعب لتتعلق به، وتفرح لفرحه وتتألم لألمه، وقد رأينا "الحرم المكي" في العشر الأواخر، وكيف شغلته آلام "مصر" عن غيرها من الحوادث العظام في العالم الإسلامي!

إلا أن هناك ممن هم مِن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا مَن تَعامى عن رؤية هذه الحقيقة فظن أن شعب مصر علماني بطبعه! ولعل هذا القائل قد غرَّه وجود اعتراضاتٍ من قطاع من المصريين عن أداء رئيس ينتمي للتيار الإسلامي.

وبغض النظر عن أن أسباب الفشل كثيرة ومصادرها متنوعة إلا أنه صار واقعًا أغضب الكثيرين، ومع هذا فإن عقيدة القطاع الأكبر من المصريين تبقى الالتزام بالإسلام كما هو في كتاب الله -تعالى- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، دينًا شاملاً لكل مناحي الحياة؛ مصداقًا لقول الله -عز وجل--: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)، وهذه العقيدة لم يفرضها عليهم حاكم لتزول برحيله، بل هم مَن اختارها دستورًا وطبقها على أرض الواقع.

المصريون الذين لا يشربون الخمر، ولا يقربون الزنا "وإن أباحتهما القوانين"، ويبحثون عن مهرب من الربا وإن كثر المتعاملون به؛ هم شعب متدين بطبعه يحرص على تطبيق الشرائع الخاصة بالمعاملات حرصه على أداء العبادات.

نعم، يوجد تقصير وتوجد انحرافات يشترك فيها الجميع، كما ينبغي أن يشترك الجميع في إصلاح ذلك الخلل بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ بعيدًا عن التكفير أو التخوين أو اللجوء إلى العنف أو التلويح بشيء من ذلك.

ولنوقن جميعًا أن مصر إسلامية...

وستبقى إسلامية...

هذه حقيقة لا تحتمل الجدل، وإذا كان الدستور هو المرجعية الأساسية للدولة المصرية فلابد وأن يتضمن موادًا تنص على الهوية الاسلامية للدولة؛ ومِن ثَمَّ فقد أيدت جموع المصريين المواد التى تنص على أن تكون المرجعية العليا في باب التشريع وضوابط قيم المجتمع للشريعة الإسلامية وفق مذاهب أهل السنة باتساعها وتنوعها (بعيدًا عن المذاهب الشاذة كمذاهب الشيعة)، وبمرجعية هيئة كبار العلماء فى "الأزهر الشريف" عند الخلاف.

والمتتبع لرحلة الدستور المصري يجد: أن "مواد الهوية" تزداد وضوحًا مرة بعد مرة منذ دستور 1923م مرورًا بدستور 1971م، ثم بتعديل المادة الثانية منه عام 1980م ثم بالمواد: (2 - 4 - 81 - 219) في دستور 2012م، والطبيعي أن يستمر الأمر فى زيادة أو يبقى كما هو على الأقل.

فالتطبيق الشامل للإسلام على مستوى الفرد والمجتمع والدولة هو مشروع الغالبية العظمى للشعب المصري "وهو وإن أعطته بعض الأحزاب والجماعات أهمية خاصة فلا يعني اختصاصهم به".

فلنجعل من ذلك المشروع مشروعًا لنا جميعًا.

ولننادي جميعًا بنداء أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "أينقص الدين وأنا حي؟!".

تقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.