إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 02 أغسطس 2012 - 14 رمضان 1433هـ

وفد الأتراك وصيحة نذير... !

كتبه/ محمد إسماعيل أبو جميل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أكرمني الله -جلَّ وعلا- بزيارة بيته الحرام، فرأيت مشاهد عجيبة... استوقفني أحدها مليًّا؛ فقد أثار في القلب أحزانًا وشجونًا...

رأيت وفدًا من المعتمرين الأتراك يطوفون جماعة عددهم من خمسة عشر شخصًا إلى عشرين، كانوا يطوفون كل يوم، يرفعون أصواتهم بالدعاء...

ورغم زحام الطواف الشديد فيستوقفك صوت هؤلاء خاصة يدعون ربهم بأدعية من السنة، ولكن بلكنة عجيبة وبحروف مكسرة بعيدة عن وقع العربية في الآذان، يجتهدون ويطوفون ويبكون، ولكن تقع أحرفهم هذه كأنها طعنات في القلب -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، جعلت الجسد يرتج والكيان يرتعد، وغاب العقل لحظات رجع فيها إلى وراء وراء...

ألم يكن هؤلاء يومًا هم حماة هذا الدين يقاتلون عنه ويذبون عن حياضه؟!

أليس هؤلاء هم قوم "مراد الثاني"، و"محمد الفاتح"، وغيرهم كثير من فرسان الدولة العثمانية... ؟!

ألم يكن "الباب العالي" تسكت له أجراس الكنائس حين يذهب لأوروبا مخافة أن تؤذي شعوره؟!

أليسوا قوم السلطان "عبد الحميد الثاني" الذي كان حجر عثرة بين اليهود وبين فلسطين؟!

أليس... أليس... أليس... ؟ فكيف وصل بهم الحال لما رأيت؟! لا يكادون يستطيعون يدعون ربهم بلغة دينهم، بلغة كتابهم ونبيهم. قد تحتاج مترجمًا ليترجم لك كثيرًا من تمتماتهم وكلماتهم!

نعم يقبل الله الدعاء بأي لغة كانت فإنه -سبحانه وبحمده- سميع الدعاء، ولكن للأمر أبعاد أخرى... ثم أفقت فجأة ولساني يدعو لبلادي أن يحفظها من العلمانيين والليبراليين.

فهل يراد لنا أن نصل لهذه الحال... ؟!

أن ننفصل عن ديننا وعن هويتنا وعن شريعتنا وعن لغتنا ليصل الحال بنا إلى مثل ما هم عليه!

ولا مانع أبدًا أن نتقدم ونطور حياتنا، وأن نعيش نهضة مادية حديثة، ونلحق بركب الدول وأن تحل مشاكلنا الاقتصادية و... ولكن أن يكون معه سواء بسواء عودة وتمسك بالدين وحفاظًا على هويتنا، فهيهات هيهات أن يسمح لنا أعداؤنا بذلك -والله من وراءهم محيط-.

تمامًا كحال "تركيا" الآن... دولة علمانية بنص دستورها، بل قد تكون في بعض قوانينها أشد علمانية من أوروبا نفسها! لا مانع من نهضتها... لا مانع أن تدخل الاتحاد الأوروبي؛ بشرط عدم تجريم الزنا، بشرط تقنين الفواحش والإباحية! لا مانع أن يرتفع سهمها الاقتصادي طالما ضمن انخفاض سهمها الإسلامي. هل يُراد بنا أن نصل لهذا الحال... أن ننسلخ من هويتنا لأجل رفعة حياتنا الدنيا؟!

مرت "تركيا" -وكانت معقل الخلافة- بهجمة شرسة على يد "أتاتورك"؛ مما أدى لما هي عليه الآن -نسأل الله أن يردها لدينه مردًا جميلاً- ولكن هناك أذناب لأتاتورك مقنَّعين لا يكشرون عن أنيابهم إلا على قدر ما يسمح لهم الجو العام في المجتمع، كلما وجدوا منا غفلة وانشغالاً كلما رمونا بسهم ناعم مرة وسهم حاد تارة أخرى، ولكن المراد واحد، والمخطط واحد... منهم من يصرِّح، ومنهم من يغلِّف كلامه غلافًا معسولاً: "نريد تجربة إسلامية كتجربة تركيا"... (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ) (آل عمران:154).

ظاهر كلامهم تقدمًا وتطورًا ولحاقًا بالركب، وحقيقته ألا يسمح لنا بنهضة حقيقية... بعودة لإسلامنا موازية لنهضتنا الدنيوية.

والرهان الآن على هذا الشعب المتدين بفطرته ألا يرتضي أبدًا الدنية في دينه، وألا يقبل مساومات أبدًا على دينه وهويته مقابل تقدم أو رفاهية أو حرية، بل حريتنا الحقيقية هي دين مع دنيا، شريعة ودولة، دين يوجه الدنيا "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

فعلى الدعاة أن يبذلوا أضعافًا مضاعفة من الجهد والبذل؛ لبيان الدين للناس، وردهم لشرائع الإسلام كافة مردًا جميلاً.

واليقين كل اليقين في الله -جل وعلا- أن يجعل كيد أعدائنا في نحورهم، وأن يجعل تدبيرهم تدميرهم، وأن يجعل الدائرة عليهم.

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدين، وردنا لدينك مردًا جميلاً، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.