إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 يوليه 2010 - 2 شعبان 1431هـ

صاعقة "أوهايو".. هل أصابت لاهوت المسيح؟!

كتبه/ أحمد الفيشاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن تمام حجة الله على أهل الكتاب أنْ بقي بكتبهم بقية نافعة من دين الأنبياء يَنتفع بها المنصف اللبيب الذي يريد الحق ويبحث عنه؛ فيجد خلاصة الحق الباقي بـ"التوراة" و"الإنجيل" مذكورًا بـ"القرآن" بأبلغ عبارة، وأدمغ حجة، وأبين برهان، فتواطؤ معاني "القرآن" مع كتب أهل الكتاب آية على صدق دين الإسلام، وصدق رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

أما الجاهل الضال أو المعاند المكابر فإنه يعمد إلى ما في كتبه من نصوص مشتبهة أو محرفة فيبني عليها دينه وعقيدته، فيترك الثابت المحكم من كتابه مما يليق بمقام الله -تعالى- وبدينه، ويختار المشتبه والمحرف مما لا يليق بمقام الله -تعالى- ولا بدينه!

ومن تلك الثوابت التي اتفقت عليها الكتب الإلهية: الإخبار بتفرد الله -تعالى- بصفات الجمال والكمال، وأن لا نِدّ له ولا مثيل، وبذلك استحق أن يُعبد وحده بلا شريك.

واتفقت الكتب الإلهية -أيضًا- على تنزيه الله -تعالى- عن صورة المخلوقين، وأنه -سبحانه وتعالى- بائن عن خلقه، مستوٍ على عرشه، لا يخالط عباده، فضلاً أن يحل ببعض مصنوعاته، لا بوثن أو صنم، ولا بحجر أو بشر، قال الله -تعالى- في القرآن: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11). وقال: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم:65)، وقال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص:4)، وقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5)، وغير ذلك كثير مما هو مذكور بـ"القرآن".

ومما جاء بـ"العهد القديم" على لسان سليمان -عليه السلام- وهو يثني على ربه بعد بنائه "بيتَ المقدس": "أيها الرب إله بني إسرائيل، لا مِثل لك لا في السماء ولا في الأرض، هل تسكن الأرض مع الإنسان حقًا يا الله؟ فإن السموات، بل وسماوات السماوات لا تسعك، فكيف يسعك البيت الذي بنيتُ؟!" "سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح السادس، وسفر الملوك الأول: الإصحاح الثامن".

وفي سفر "إشعياء": "هكذا قال الرب: السماء عرشي، والأرض موطئ قدمي، فأي مكان تبنون لي لأقيم فيه، وهي كلها صنعة يدي" "إشعياء 66: 1".

وفي عظة موسى -عليه السلام لبني إسرائيل كما في سفر "التثنية" الإصحاح الرابع، قال لهم: "انتبهوا لأنفسكم، فإنكم يوم كلمكم الرب في الجبل لم تروا له صورة، فلا تصنعوا لكم صنمًا على شكل تمثال من أي نوع رجلاً أو امرأة أو حيوانًا أو طيرًا، وإذا نظرتم إلى الشمس أو القمر أو النجوم والكواكب فإياكم أن تنخدعوا فتسجدوا لها أو تعبدوها، فانتبهوا ولا تنسوا عهد الله الذي أخذه عليكم فتصنعوا لكم تمثالاً على شكل صورة مما قد نهاكم الله عنه".

فهذه النصوص وغيرها كثير في "التوراة" و"الإنجيل" مما تتفق مع نصوص "القرآن" في توحيد الله وتنزيهه، والنهي عن تصويره وتمثيله بمخلوقاته فضلاً عن حلوله أو اتحاده بها أو ببعضها.

وهذه النصوص وأشباهها هي أساس الاعتقاد المميز بين دين الأنبياء ودين الوثنيين، فليس من عباد الأوثان من يقول: إن ذلك الحجر المنحوت أو تلك الألوان التي في الصورة أو ذلك اللوح المصور عليه هو رب العالمين نفسه، وإنما يزعمون نوعًا من الحلول أو الاتحاد للرب -تعالى- بتلك الأحجار أو الألواح أو غير ذلك من الأوثان؛ فمبدأ الحضور الإلهي -حلول أو اتحاد- هو الأساس الذي بنى عليه أهل الأوثان دينهم، وهو الذي تفرع عنه بعد ذلك مبدأ تعدد الآلهة وتشريك العبادة مع الله -تعالى-.

ولما كان دين النصارى دينًا منحوتـًا على مثال دين الوثنيين؛ كان من أهم مبادئه وأسسه هو: "مبدأ التجسد الإلهي وحضور الرب -تعالى- في جسد المسيح".

فالنصارى يزعمون أن الله -تعالى- حَلَّ أو اتحَدَ بجسد عيسى -عليه السلام- وهو في بطن أمه؛ فنتج عن ذلك "الإله المتجسد" أو "الإله المتأنس"، أي: الإله الذي ظهر لاهوته في صورة إنسان، فالمسيح على قولهم: اسم جامع للاهوت والناسوت معًا، ولولا حضور اللاهوت بالناسوت؛ لما كان "المسيح" إلهًا، بل ولما كان "المسيح" مسيحًا!

وكأن محرفي النصرانية لم يكتفوا بـ"التجسد" و"التثليث" اللذين حرّفوا بهما دين "المسيح"، وأبطلوا بهما نظام التوحيد وأساسه؛ فأضافوا لذلك عبادة الصور والتماثيل.

فإذا كان النصارى يصرحون بعبادة ثلاثة أقانيم "أشخاص"، فإنهم عمليًّا يعبدون ما لا يُحصى من الأقانيم، وليس في دين النصارى ما يمنع من عبادة أقانيم بلا حدود، فالقواعد التي تبرر "التجسد" و"التثليث" هي بعينها التي تبرر تأليه تلك الصور والتماثيل وعبادتها، وما من مانع عقلي أو سمعي يمنع من تأليه تلك الصور والتماثيل وعبادتها وحضور اللاهوت بها إلا وهو نفسه يمنع من تأليه "المسيح" وعبادته، وحضور اللاهوت بناسوته.

وما مِن عذر يتعلل به النصارى في عبادتهم للمسيح -عليه السلام- أو لصورته وتمثاله إلا وهو نفسه مما يتعلل به عباد الأوثان، ويبررون به كفرهم وشركهم، ولا نعلم أحدًا من أهل الأوثان يزعم أن نفس الوثن الذي نحته أو صوَّره بيده هو ذاته الخالق الأزلي الإله الحق؛ وإنما يقولون: إن ذلك الوثني قد حلَّ فيه الإله بشكل أو بآخر.

ولذلك لمَّا ظهر في القرن الثامن الميلادي بعضُ النصارى المثلثين يمنعون اتخاذ الصور في الكنائس والبيوت، ويعتبرون ذلك نوعًا من الوثنية ومخالفـًا للكتاب المقدس؛ كان ذلك غريبًا ومستهجنـًا بالنسبة للعقلية النصرانية التي تشربت "التجسد" و"التعددية الإلهية" فكيف تستنكر عبادة تلك الصور؟! وما الذي يمنع من حضور الرب في كل تلك الصور بشكل أو بآخر؟! أو ليس الذي جعل الثلاثة واحدًا يجعل المائة وأضعافها واحدًا؟!

وبعد عقود من النقاش والصراع أقر "المجمع المسكوني" السابع المنعقد بـ"نيقية" عام 787م مشروعية اتخاذ الصور، واستعمالها في البيوت والكنائس، ولما كانت الكنائس الشرقية الأرثوذكسية وقتها في خلاف دائم مع الكنائس الغربية الكاثوليكية؛ فقد تصيد "الأرثوذكس" للكاثوليك استعمالهم للتماثيل تحت دعوى أن المجمع السابع لم ينص إلا على الأيقونات "الصور"، واتهموهم بالوثنية والهرطقة! وكأن هناك فارقـًا جوهريًّا بين الصور التي يتخذها "الأرثوذكس" الشرقيون والتماثيل التي يتخذها "الكاثوليك" الغربيون!

أو ليس كلاهما تجسيمًا وتشبيهًا للرب -تعالى-؟!، وما مِن تبرير يتعلق به الشرقيون أصحاب الصور إلا كان للغربيين أصحاب التماثيل أن يتعلقوا به ويستندوا عليه(1).

وكذلك قام "البروتستانت" في القرن السادس عشر الميلادي بالاعتراض على الطقوس التي تقام أمام كلاً من الصور والتماثيل، ولكنهم أقروا مبدأ اتخاذها وتقديسها كرمز ديني وموروث ثقافي لا يمكن التفريط فيه، فاعتراضهم الأساس إنما هو على العبادات الصريحة التي يقدمها "الكاثوليك" و"الأرثوذكس" للصور والتماثيل.

وعلى ذلك فقد اتفقت كلمة هؤلاء -رغم كثرة خلافهم- على تقديس الصور والتماثيل، واعتبارها عَلمًا على عقيدتهم، ورمزًا دينيًّا يرمز للمسيح -عليه السلام- خصوصًا ولملتهم عمومًا.

أما الحقيقة الثانية -التي نريد إبرازها هنا- فهي: اعتقاد النصارى بحلول اللاهوت بتلك الصور والتماثيل، فإن قاعدة "التجسد" التي اقتبسوها من الوثنيين لا تمانع من اتحاد اللاهوت بغير "المسيح"، لا سيما وجمهورهم يقدمون لها العبادة الصريحة من دعاء وصلاة، وترتيل وتقبيل، وركوع وسجود، ونحو ذلك من الطقوس(2).

ولكن لنترك الاستدلال بلازم أقوالهم وأفعالهم، ولنرى شيئًا مما صرح به علماؤهم وأسلافهم:

يقول د/ ديمتريوس تسيللنغيذيس تحت عنوان: "حضور الأصل بالصورة بالنعمة حسب تعليم الكنيسة": "إن حضور الأصل بالصورة حقيقة كنسية سُجلت في الكتابات الآبائية في زمن الصراع حول الأيقونات"(3).

ويقول في ثنايا كلامه: "إننا إذا درسنا نصوص الآباء المدافعين عن الأيقونة في القرن الثامن والتاسع مع سجلات "المجمع المسكوني" السابع نلاحظ أن عقيدة الكنيسة في "الأيقونات" مرتبطة بالتفريق الوجودي بين الجوهر الإلهي وبين النعمة والقوة الإلهية" اهـ باختصار.

ومعنى كلامه: أن حلول اللاهوت بالأيقونات إنما هو حلول للصفات الإلهية "النعمة والقوة"، وليس هو حلولاً للذات الإلهية "الجوهر الإلهي".

ورغم أن العقل الصريح يمنع من حلول الصفة دون الموصوف، وأنه لا يعقل إلا حلول الذوات، ولكن المقصود هنا بيان المبدإ الذي انبثق منه إقرار اتخاذ "الأيقونات"، ألا وهو: مبدأ الحضور الإلهي بالأيقونة.

ولا ينفعهم بعد ذلك دعواهم أن التفريق بين حلول ذات الرب وحلول صفته، فإن ذلك -مع امتناعه عقلاً- نوع من الحلول اللاهوتي على أي وضع كان وعلى أي اسم سموه.

ولا يخفى أن هذا المبدأ لا يقل وثنية عن عبادة الصور والتماثيل، بل هما في الحقيقة متلازمان ولو لم يصرحوا بذلك؛ فكيف وقد صرحوا؟!

يقول د/ ديمتريوس: "وبذلك ندرك مفهوم الأيقونة كحامل للألوهية، أي: حامل لنعمة الله وقوته غير المخلوقتين" اهـ.

ويعني بالنعمة والقوة الإلهية غير المخلوقة أي: صفاته -عز وجل-، فإن الصفات تابعة للموصوف، فصفات المخلوق مخلوقة، بينما صفات الله -تعالى- غير مخلوقة، فإنه -تعالى- الخالق الأزلي، ولكن دعوى حلول الصفة دون الذات ممتنعة عقلاً كما ذكرنا قبل ذلك.

ويؤكد الأنبا رافائيل(4) ذلك بمقالة "الأساس اللاهوتي للأيقونة" تحت عنوان: "ماذا يحدث في طقس تدشين الأيقونات": "التدشين هو: التكريس، أي: التقديس والتخليص لله، فتصير الأيقونة بعد تدشينها أداة مقدسة لإعلان حضور الله بفعل الروح القدس.

وفي الصلاة التي يصليها الأسقف في طقس التدشين يقول: من أجل هذا نطلب منك يا محب البشر أن ترسل روحك القدوس على هذه الصورة.

إننا نؤمن إيمانـًا قاطعًا أن "الروح القدس" يحل على الأيقونات بالصلاة وبالدهن بالميرون؛ فيقدسها ويؤهلها للكرامة والتوقير" اهـ باختصار.

أما الحقيقة الثالثة التي نود إبرازها هنا -بصرف النظر عن دعوى الحلول اللاهوتي في الصور والتماثيل- فهي: دعواهم أن هذه الصور ليست لناسوت "المسيح"، بل هي صورة لـ"لإله المتجسد" أو "الإله المتأنس".

فعندما يرسم الفنان الأيقونة فإنه يرسم صورة الله وصورة عيسى في نفس الوقت دون فصل أو تمييز بينهما، فالناظر إلى الأيقونة -بزعمهم- يرى صورة طبق الأصل لصورة الله المتجسد، فهو يرى صورة اللاهوت والناسوت معًا!

يقول د/ ديمتريوس: "يحاول راسم الأيقونة المتفق مع لاهوت الكنيسة أن يجعل حضور النعمة والقوة الإلهية غير المخلوقة أمرًا ملموسًا، وذلك من خلال وسائل فنية معينة" اهـ.

ولا ندري أين توجد هذه الوسائل الفنية التي تستطيع أن ترسم صورة الله؟!

وهل هي وسائل مخلوقة أم هي الأخرى وسائل لاهوتية غير مخلوقة؟!

وهل اتحد لاهوت الرب بتلك الوسائل كما اتحد بلاهوت "المسيح"، وكما اتحدت صفاته بالصور والتماثيل؟!

وإن مَن كان عنده أدنى عقل ليتعجب أشد العجب من شرحهم لتلك الوسائل الفنية المعينة التي استطاعوا بها أن يُظهروا لاهوت الرب في الأيقونة! تجد أحدهم يعلق على صورة لقيامة "المسيح" من القبر وهو يلبس قميصًا أبيضَ براقـًا فيقول: "إن اللون الأبيض دليل لاهوته"! وصورة أخرى يظهر فيها "المسيح" بين تلاميذه، وتكون صورة "المسيح" أكبر بالنسبة لصورة تلاميذه، فيعلق أحدهم على ذلك بأن ذلك دليل لاهوته!

فيا لها من وسائل فنية "معينة"!

ويبين الأنبا رافائيل -في مقاله المشار إليه "الأساس اللاهوتي للأيقونة"- أن عقيدة "التجسد الإلهي" هي المبرر الأساس؛ لتجويز الصورة، ويعلل النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل في "العهد القديم" -توراة موسى وكتب الأنبياء- بأنه لم يكن الإله قد تجسد بعد، ولذلك فإن عهد الناموس كان ينهى عن ذلك؛ لأن الله كان إلى ذلك العهد غير منظور، ولكن بعد ما تجسد الله في "المسيح" وبعد أن جاء عهد النعمة -أي: عهد "الإنجيل"- فقد تغير الوضع بسبب "التجسد"، فـ"التجسد قدس المادة وأعاد إليها بهاءها الأول، وإمكانية اتحاد الله بالإنسان وتجليه في المادة(5)، وبناءً على ذلك فيمكننا أن نرسم صورة "المسيح" الذي هو صورة الله حتى نؤكد هذا الحضور الإلهي، فنحن لا نعبد الخشب ولا الألوان ولا الأوراق، بل نعبد الله الحي، ونكرم صورته" اهـ باختصار.

ويمكن أن نوجز ما تمثله التماثيل والأيقونات بالنسبة للنصارى في ثلاث نقاط -وفق عدد "التثليث"-:

1- تتفق فرق النصارى -على اختلاف عقائدها ومذاهبها- على كون تلك الصور أو التماثيل رموزًا دينية مقدسة، إما ترمز لمعبودهم "المسيح"، أو ترمز لملتهم عمومًا.

2- يعتقد النصارى جواز حلول الله -ذاته أو صفته- في المادة المخلوقة -"المسيح" أو غيره- وهم وإن كان قولهم ظاهرًا في حلول الرب في جسد "المسيح"؛ إلا أنه لا يوجد لديهم مانع من حلوله في غيره من المخلوقات؛ لا سيما الأيقونات والتماثيل التي ترمز للمسيح، بل وصرَّح أكثر من واحد من أكابرهم بهذا الحلول، وإن كانوا يفسرونه بحلول الصفة لا حلول الذات.

3- يعتبر النصارى صورة "المسيح" -عليه السلام- الموجودة في الأيقونات أو في التماثيل صورة حقيقية لله -تبارك وتعالى عما يقولون-، فلا يمكن أن يقال -عندهم- لهذه الصور إلا إنها صورة "الرب المتأنس"، ولا يجوز أن تنسب هذه الصور للناسوت دون اللاهوت.

ورغم أن الله -تعالى- قد أبقى بكتب أهل الكتاب ما ينقض اعتقادهم ويبين وثنيتهم وكفرهم؛ إلا أن حجة الله -تعالى- وآياته في خلقه تتنوع وتتجدد، ويعضد بعضها بعضًا.

فقد تناقل العالـَم خبر صاعقة بمدينة "مونرو" بولاية "أوهايو" الأمريكية، إذ أصابت الصاعقة تمثالاً ضخمًا للمسيح -عليه السلام- كان مقامًا أمام كنيسة الصخرة العظيمة؛ مما تسبب في احتراقه وتحوله إلى رماد وأشلاء متفحمة في نحو ست دقائق، ولم يبقَ من جسم التمثال سوى الهيكل المعدني المدعم لتماسك التمثال، وبعض القطع المعدنية الفولاذية والمواد المتفحمة.

والجدير بالذكر أن التمثال كان يتوسط بحيرة ماء صناعية مما يعني أن الصاعقة نزلت على التمثال مباشرة.

ويعتبر هذا التمثال من الفنون الدينية المميزة لدى النصارى، يبلغ ارتفاعه 19 مترًا، أي: ما يربو على ستة أدوار سكنية، بُني هذا التمثال عام 1994م بتكلفة بلغت حينها 250 ألف دولار أمريكي، ولعل من أسباب شهرة ذلك التمثال اسمه القبيح الذي سُمي به عقب بنائه، فقد سُمي بتمثال: "ملك الملوك"؛ تبعًا لعقيدة النصارى في "المسيح" -عليه السلام-.

وإذا استحضرنا النقاط الثلاث المتعلقة باعتقادهم في الصور والتماثيل فنحن نسألهم:

1- أين كان ملك الملوك ورب الأرباب حينما نزلت تلك الصاعقة على صورته ومثاله؟! أرضي أن يُهان وتحرق وهي عَلم على دينه وأقنومه، أم كان ذلك بغير إذنه ومشيئته، أم غلبَه على ذلك غالب؟!

وإذا كان مصممو التمثال قد نسوا أن يضعوا بقربه مانعًا للصواعق أو غير ذلك من وسائل حمايته؛ فلماذا لم يحفظ الرب تمثاله وصورته، أم أنه لا يستطيع أن يحفظ تمثاله بدون تلك الأسباب؟!

إننا لو تصورنا -جدلاً- أنْ كان للرب صورة وتمثالاً؛ لكانت تلك الصور والتماثيل أقدس وأطهر من أن يصيبها أدنى أذى، لا بصاعقة ولا بغيرها؛ بل تكون إصابتها بصاعقة سماوية أدل على بطلان تلك الصور والتماثيل وغضب الرب على من صنعها وصوَّرها، لا سيما وقد سموا ذلك التمثال بـ"ملك الملوك"، وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أخْنـَعَ اسْمٍ عِند اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ) (متفق عليه)، وفي الحديث الآخر: (وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاكِ، لا مَلِكَ إِلا اللهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)(6).

2- إذا كان اللاهوت يظهر بشكل ما في الصور والتماثيل فهل احترق اللاهوت في صاعقة "أوهايو"، أم أنه هرب ونجا بنفسه تاركًا جسده ومأواه للنار؟! وأي صاعقة هذه التي جرأت أن تقترب من جسد يحضره الرب؟! وكيف لم يعضد اللاهوت ذلك التمثال حتى أنه لم يصمد أمام الحريق أكثر من ست دقائق؟!

أم أن العذاب الذي سامه اليهود والرومان -على قولكم في "المسيح"- لم يكن كافيًا للعمل الكفاري الخلاصي الذي تزعمونه؟! أم أن عدل الله ورحمته اقتضى أن يعذب لاهوته بين الحين والآخر؛ لتكفير ما يستجد من ذنوب؟!

3- تهافتَ سكان المدينة على التقاط القطع المعدنية التي لم تحترق في التمثال، وذلك لغرض التمسُّح والتبرك بها، فهل هذه القطع المعدنية ما زالت مقدسة ومباركة حتى بعد الحريق؟!

وهل فارق اللاهوت تلك القطع المعدنية الباقية أم ما يزال الرب حاضرًا بالنعمة والقوة في تلك الأشلاء المقطعة؟!

أم أن بقاء تلك القطع المعدنية دون انصهار دليلٌ جديد على لاهوت المسيح؟!(7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تراجعت "الكنيسة الأرثوذكسية" في العصر الحديث عن محاربتها لاتخاذ التماثيل، وأصبح من المعتاد أن ترى "الأرثوذكس" وهم يشترون تمثال الإله، بعد أن ظلوا أزمنة طويلة يعيبون ما يفعلونه اليوم على "الكنائس الكاثوليكية".

(2) خصصنا الكلام هنا على حضور اللاهوت بالصور والتماثيل، وإن كانوا يصرحون بحلوله بغيرها، كزعمهم بحلوله بالفطير الذي يتناولونه في ليلة العشاء الرباني "سر الأفخارستيا"، والأمر عندهم أوسع من ذلك مما لا يسع المقام لبيانه هنا.

(3) محاضرة ألقاها بمعهد "القديس يوحنا الدمشقي" بجامعة البلمند بتاريخ 12/ 1/ 2002م، وترجمها عن الألمانية د/ دانيال عيوش.

(4) أسقف عام الكنيسة الأرثوذكسية القبطية لكنائس وسط القاهرة.

(5) لا يخفى تهافت هذا الكلام وهشاشته؛ فإن "العهد القديم" -كما هو واضح من بعض النصوص التي ذكرناها في أول المقال- ينفي التجسد عن الله -تعالى- ومشابهته مخلوقاته، ويقول بمباينته لها واستوائه على عرشه، في معرض التنزيه والتسبيح والتحميد له -تعالى وتقدس-، وهي أمور لا تقبل التغيير لا في عهد النعمة كما يقولون ولا في غيره.

ومن أعجب العجب أن ينكر النصارى على المسلمين مبدأ النسخ في أحكام الشريعة بزعم أن الله "لا يرجع في كلامه" -كما يقولون-، ثم هم يدَّعون أنه قد رجع عن تنزيه نفسه وتقديسها!

(6) لا يخفى أن غضب الله -عز وجل- يكون على مَن صنع هذا التمثال، ومن سماه بهذا الاسم، لا على "المسيح" -عليه السلام-.

(7) إن نزول هذه الصاعقة لهو في المقام الأول آية من عند الله، وحجة على بطلان دين النصارى ونفيًا للاهوت المزعوم في "المسيح" -عليه السلام-، وإظهارًا لغضب الله على مَن صنع ذلك التمثال وسماه هذا الاسم القبيح، وإذا كنا نذكر تلك اللوازم والتعليقات فإنما الغرض بيان براءة "المسيح" مما ينسبون له من الألوهية، وليس الغرض هو الاستهزاء أو الشماتة، وإننا لنرجو أن يحذو النصارى حذو العربي العاقل "عمرو بن الجموح" عندما أراد ابنه "معاذ" أن ينبهه لبطلان عبادة الوثن الذي اتخذه، وأنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا فضلاً أن يكون ربًا لغيره؛ فأخذه وألقاه مع كلب ميت في بئر، فلما أصبح عمرو أخذ يبحث عن إلهه حتى وجده بالبئر فانتبه، وقال: "والله لو كنت إلهًا لم تكن أنت وكلب وسط بئر"! ثم تاب وأسلم لله -عز وجل-.