إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 17 مارس 2010 - 1 ربيع الثاني 1431هـ

قلعة الأسرة من يحميها؟ 5- هل عققت ولدك قبل أن يعقك؟!

كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه؛ فأحضر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ابنه وأنبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: "يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟".

قال: "بلى".

قال: "فما هي يا أمير المؤمنين؟".

قال: "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب -أي: القرآن-".

فقال الابن: "يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئـًا من ذلك؛ أما أمي فإنها كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً -أي: جعرانًا-، ولم يعلمني من الكتاب حرفـًا واحدًا"!

فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: "أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك؟!".

الجوهرة الساذجة:

يقول الإمام الغزالي في رسالة "أنجع الوسائل": "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عوِّد الخير وعـُلِّمه؛ نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له".

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، وإنما أبواه يُهودانِه أو يُمجسانِه أو يُنصرانِه) (متفق عليه).

كفى بالمرء إثمًا:

إن الله -سبحانه- يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقـًّا فإن للابن على أبيه حقـًّا، فكما قال الله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) (العنكبوت:8)، قال -أيضًا-: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6)، فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى؛ فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: "يا أبتِ إنك عققتني صغيرًا؛ فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا؛ فأضعتك شيخًا".

وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "سماهم الله -تبارك وتعالى- أبرارًا؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقـًّا كذلك لولدك عليك حقًا".

أوَّل المنسيين:

الأب والأم حينما يكبران ويحتاجان إليك كما احتجت إليهما سلفـًا حينئذٍ ستجد زوجةً تصرفك عنهما بمطالب المنزل التي لا تنتهي قوائمها، واحتياجات الأطفال في بحر متلاطم الأمواج من الملهيات، حتى تأتي لحظة فراق الريحانتين، حين لا ينفع ندمُ نادم على ما فرط في حقهما، فاقرأ أخي وتدبر واذكر قول رب العالمين: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء:23-24).

ومعنى قوله -تعالى-: (وَقَضَى رَبُّكَ) أي: أمر وألزم وأوجب.

وفلذات الأكباد -أيضًا- في قائمة المنسيين:

وهؤلاء -أيضًا- نسيناهم؛ فضاعوا بين انشغال الأم التي تقضي معظم أوقاتها مع خليلاتها يجمعهن الحديث عن الأزياء وآخر الصيحات العالمية في الروائح والعطور؛ فينقضي الوقت -الذي اؤتُمِنَّ عليه لأجل تربية الأبناء على النهج القويم- في التجول بالـ"ريموت كنترول" بين القنوات الفضائية، أو في تصفح مجلة من مجلات ما يسمى بالـ"موضة"، أو في متابعة: فيلم وأغنية، أو مسلسلٍ ومسرحية؛ ليموت يوم من أيام الدنيا ويتبعه موت الثاني والثالث، والأبناء مُلْقَون في أحضان خادمة أعجمية في لسانها، غريبة في دينها، وقد تكون من عبدة الأوثان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-...