الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 15 جمادى الأولى 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (279) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (19)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 16- 35).

الفائدة العشرون:

قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (العنكبوت: 23)، دليل قطعي على كُفْر مَن كَذَّب بالقرآن وكفر به ولم يتبعه، بل كل مَن كَذَّب بأي كتاب أنزله الله إذا بلغه على الحق الذي أنزله الله به، وكذلك آيات الله المعجزات التي أَيَّد بها رسله كما كَذَّبَت ثمود بالناقة، وكَذَّب الفراعنة بالآيات التسع البينات التي أَيَّد الله بها موسى -صلى الله عليه وسلم-، فكل هذا من الكفر البَيِّن الأكبر؛ روى البخاري عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "سَأَلتُ أَبِي عَنْ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (الكهف: 103- 105)، هُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لَا، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَمَّا الْيَهُودُ: فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا النَّصَارَى: كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ، وَالْحَرُورِيَّةُ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ".

فدلَّت الآية على كفر مَن كَذَّب بآيات الله، وهذا لازم من تكذيب رسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، ففيها الرد على مَن يحكمون بإيمان اليهود والنصارى من زنادقة زماننا الذين يقولون بمساواة الأديان لترويج الدِّين الإبراهيمي الجديد المزعوم الذي اخترعه اليهود ومَن وافقهم مِن صهاينة النصارى، الذين اخترعوا ما يسمونه بمسار إبراهيم، يريدون إخضاع شعوب المنطقة ودولها وتغيير عقائدهم، وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بريء منهم ومِن كفرهم.

ويجب على كلِّ مسلم أن ينشر ما يعلمه من الآيات في كفر مَن كَذَّب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكَذَّب كذلك باليوم الآخر. ودلَّ حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- على أن من كَذَّب بشيء من تفاصيل الإيمان باليوم الآخر التي عُلِمَت من الدين بالضرورة بذكرها في القرآن والسُّنة المتواترة، مثل أنواع النعيم الحسي من الطعام والشراب، واللباس، والحور العين، وغير ذلك مما ذُكِر في القرآن؛ إضافةً إلى أنواع النعيم المعنوي من القرب من الله -عز وجل- والنظر إلى وجهه وسماع سلامه وسماع كلامه والفوز برضوانه؛ فكل من أنكر شيئًا من ذلك بعد علمه به فهو كافر.

وقد دَلَّت الآية على أن هذا من الكفر الأكبر؛ لأن الله -تعالى- قال: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) (العنكبوت: 23)، ولا ييأس في الآخرة من رحمة الله إلا القوم الكافرون، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) (الممتحنة: 13)، وقال -تعالى-: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87).

وقال الإمام الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام".

الفائدة الحادية والعشرون:

قوله -تعالى-: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت: 24): دلَّت الآيات على طبيعة الكفار المجرمين الذين إذا أعجزتهم الحجج والبينات العقلية والنقلية المتلوة والمشهودة لجؤوا إلى البطش بالداعي لهم إلى الحق والإيمان من الأمر بقتله أو تحريقه أو السجن أو تعذيبه أو إخراجه، كما قال -تعالى- عن فرعون إنه قال لموسى -عليه السلام-: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: 29)، وقال -تعالى- عنه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: 26).

وبعد أن ظهرت الآية العظيمة في يوم الزينة وقع الحق وبطل ما كانوا يعملون وآمن السحرة، قال -سبحانه وتعالى-: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127)، وقال -تعالى- عن قريش مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أقام عليهم الحجج: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: 30).  

ولم يزل الكفرة الظلمة على هذه السبيل الجائرة والعدوان البَيِّن، ولا يزال الله يحفظ أولياءه، يحفظ رسله وعباده المؤمنين وينصرهم كما وعدهم، كما قال -تعالى-: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 103)، وقال -تعالى-: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (غافر: 51- 52).

ومَن سقط في الطريق شهيدًا فلأن الله اجتباهم واتخذ منهم شهداء، وجعل -سبحانه وتعالى- الآلام التي تصيبهم تحت الظلم والاضطهاد والتعذيب والسجن سببًا لرفع درجاتهم في الجنان طالما كان ذلك في سبيل الحق وعلى طريق الحق دون الانحراف إلى الباطل، فإن أصاب أهل الانحراف شيء فهو عقوبة لهم كما فعل الله بالخوارج، فله الحمد -سبحانه- على كل حال.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.