الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 15 جمادى الأولى 1448هـ

قصة التعطيل (1)

كتبه/ شريف محمد بكري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن مهمات البحث العقدي: مبحث أصول مقالات الطوائف المخالفة لأهل السنة، ومبحث المقالات المشتركة بين أهل البدع.

هذه المباحث من شأنها دفع الغموض الذي قد يحصل للبعض عند محاولة فهم بعض المعتقدات المتناقضة؛ لذلك من المهم لطالب العلم ألَّا يتوقف عند معرفة القول المخالف، بل لا بد من معرفة سبب إيراد المخالف لهذا القول؛ ليدرك موطن الخلل فيه، فيكون ذلك أقوى عند الرد بنقض أصل القول ورد الشبهة التي تسببت في حدوث هذا القول عند قائله.

ولعل البعض لا يجد تفسيرًا منطقيًّا للدافع وراء تعطيل متأخري الأشاعرة لعموم الصفات إلا الصفات السبع التي أثبتوها. ما هو الداعي وراء تعطيل الصفات على وجه الخصوص؟ وما هو المانع العقلي عندهم من إثبات هذه الصفات كما أثبتوا غيرها؟ ولِمَ المنازعة في القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام -رحمه الله- في التدمرية: أن القول في الذات كالقول في الصفات، وأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر؟

بل إن شئت فقل: ما الدافع وراء بدعة التعطيل نفسها؟ خاصة وأن كثيرًا من مبررات هذا التعامل مع نصوص الوحي عند التأمل تجدها غاية في السذاجة.

عند التحقيق نجد: أن نفاة الصفات الخبرية لا ينفونها لذات الصفة وحدها، ولو كانت العلة كون أحاديث إثبات تلك الصفات آحادًا لا يُحتج بها في أمور الاعتقاد -كما يزعمون-، فلماذا ينفون ما ورد في القرآن بتأويلهم الباطل؟!

فالإشكال عندهم ليس لأن النص مُشكِل في ذاته، ولكن الإشكال عندهم في الأصل الذي نفوا به تلك الصفات، وهو ما يسمونه بمسألة نفي الحركة أو مخالفة الحوادث؛ فأي صفة تتضمن معنى الحركة لا يثبتونها حتى ولو وردت في القرآن، ويتعرضون لها بشتى أنواع التأويل الباطل.

لذلك تجد في ردود الأئمة المتقدمين، كالدارمي -رحمه الله- ومن بعده شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره، ذكر مسألة الحركة، مع أنها لم تَرِد في الكتاب والسنة، ولكن ذكروها في معرض نقض الأصل الذي بنى عليه هؤلاء تعطيلهم لصفات الرب -تبارك وتعالى-.

ثم إنك إذا رجعت إلى الأصل الذي أخذوا منه تلك القاعدة -وهي نفي الحركة-، تجد أنه نفس الأصل الذي بنى عليه المعتزلة ومن قبلهم الجهمية معتقدهم في صفات الله.

في الفلسفات القديمة هناك مَن قال بأن العالم كله متحرك -أي متغير-، وأن هذا يلزم منه أن نصل في النهاية إلى مُحرِّك لا يتحرك، وهذه النظرية طوَّرها فيما بعد أرسطو، فكان طرحه مُلهِمًا للفرق الكلامية لما قامت حركة ترجمة كتب الفلاسفة في عصر المأمون.

وحقيقة هذه النظرية تقوم على فكرة عقلية مجردة تزعم أن الكون متحرك، وكل متحرك لا بد له من مُحرِّك، ولا يمكن تسلسل المُحرِّكين إلى ما لا نهاية. فخلص أرسطو إلى وجود «مُحرِّك أول» ليس قبله شيء. ولكي يُنزِّه أرسطو هذا "المُحرِّك" عن النقص (بمفهومه الفلسفي)، اشترط أن يكون ثابتًا لا يتحرك، ولا يتغير، ولا يحل فيه حادث، ولا يُوصَف بصفة تقوم بذاته؛ لأن إثبات الصفات -عنده- يقتضي التعدد والتركيب والتشبيه بالأجسام.

نظر المتكلمون إلى تلك النظرية على أنها البرهان على وجود الخالق؛ لكون هذا العالم المتغير لا بد أن ينتهي إلى مُغيِّر لا يتغير، أو مُحرِّك لا يتحرك، ومن هنا بدأت مقالة التعطيل.

وهذا ما سنتناوله في المقال القادم -بإذن الله-.