الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 1 جمادى الأولى 1448هـ

فشل التجربة الاشتراكية في مصر (1-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد عاشت مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م تجربة تطبيق للاشتراكية بعد تولي جمال عبد الناصر رئاسة مصر وانفراده بالسلطة فيها حتى وفاته في سبتمبر 1970م. وقد باءت هذه التجربة في مجملها بالفشل الذي جعل خليفته أنور السادات الذي تولَّى حكم مصر بعد وفاة عبد الناصر، والذي شاهد وشارك عبد الناصر تجربته الاشتراكية من أولها إلى آخرها، يعدل عنها تدريجيًّا إلى تجربة أخرى على النقيض منها ينتقل فيها من الارتباط بالمعسكر الاشتراكي إلى الارتباط بالمعسكر الغربي.

وتحول التحرك العسكري الذي قام به مجموعة من ضباط الجيش المصري من حركة للإطاحة بالملك فاروق تلاها إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية ثم السعي إلى إجلاء الإنجليز عن مصر إلى الانفراد بالحكم والسلطة.

وكان قرار قادة حركة 23 يوليو إنهاء التجربة الليبرالية التي عاشتها مصر في الفترة من الاستقلال الصوري الذي منحته إنجلترا لمصر في فبراير عام 1922م، من خلال نظام ملكي دستوري متمثل في دستور عام 1923م، مع فتح باب العمل السياسي وقيام الأحزاب، مع بقاء القوات البريطانية في منطقة القناة، وتدخلها بنفوذها في شؤون البلاد.

وقد فشلت تلك التجربة الليبرالية في تحقيق ما كانت تتطلع إليه البلاد، حيث قادت البلاد إلى صور من الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتغلغل النفوذ البريطاني؛ مما استدعى تدخل الجيش وحدوث الانقلاب. فكان القرار بإلغاء الأحزاب ووقف العمل السياسي وتعطيل العمل بالدستور، والسعي إلى القضاء على الإقطاع بتحديد الملكية الزراعية، وتقليص نفوذ كبار الملاك والرأسماليين.

وقد قادت ثورة يوليو بعد أن انفردت بالسلطة بلا منافس أو منازع من منتصف الخمسينيات تطبيق هذه التجربة الاشتراكية مع مزجها بالدعوة إلى القومية العربية، والسعي لتحقيق الوحدة العربية. 

لقد اتخذت ثورة يوليو اتجاهًا جديدًا لمصر وللأمة العربية لمرحلة ما بعد الاستقلال والتخلص من الاحتلال العسكري الأجنبي والانفراد بإدارة شؤونها، والتطلع إلى تحقيق التقدم والرفعة والازدهار على أيدي أبنائها. وقد جمع هذا الاتجاه بين دعوتين أراد أن يمزج بينهما في مزيج واحد: الاتجاه الاشتراكي الثوري، والاتجاه العربي القومي الوحدوي.

وقد غاب عن الكثيرين ممن عاصروا أو درسوا تلك الفترة وتوجهها ما في الدعوة إلى الاشتراكية ومن الدعوة إلى القومية من سلبيات ومآخذ سجَّلها التاريخ في حق كل من الاشتراكية والقومية منذ بداية ظهور كل منهما، وطوال فترة تطبيقهما والأخذ بهما، إلى جانب ما في الأخذ بالاشتراكية من توجه عالمي يناوئه ما في القومية من توجه ينافي تلك العالمية، وهي مآخذ تنذر بفشل التجربة في حق الأمة من قبل البدء فيها لمن عقلها وتدبرها.

مآخذ على المذهب الاشتراكي:

الاشتراكية مذهب يغلب مصلحة الجماعة على حساب مصلحة الفرد، ويناهض الملكية الخاصة بتقييد حرية التملك بغرض منع طغيان الأغنياء وسيطرتهم. وللاشتراكية صور متعددة تتفاوت في تشددها وتطرفها، وأشدها تطرفًا الشيوعية (الماركسية أو الاشتراكية العلمية). وقد ظهرت الاشتراكية في المنطقة العربية من خلال فئات صغيرة، وأيدها وتبناها بعض الكتاب منهم: السوري (شبلي شميل) (1860م - 1917م)، والكاتب المصري سلامة موسى (1887م - 1959م). 

ومع قيام الثورة (البلشفية) الشيوعية في روسيا ازداد النشاط الاشتراكي اليساري في العديد من الدول، وإن لم يكن للاشتراكيين في الدول العربية شأن يُذْكَر مقارنة بالحركات الاشتراكية في دول أخرى.

ومع نجاح حزب العمال الاشتراكي في الانتخابات النيابية في بريطانيا في عام 1945م نشأت أحزاب اشتراكية في بعض الدول العربية منها (الحزب العربي الاشتراكي) الذي أسسه (أكرم الحوراني) في سوريا عام 1950م، والذي توحَّد مع حزب (البعث العربي) القومي الذي أسسه (ميشيل عفلق) عام 1953م وصار اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي) ليمزج بين فكر الاشتراكية الاقتصادي وفكر القومية العربي، ونال هذا التوجه أنصارًا في الشرق العربي. كما كان هناك (الحزب الشيوعي) الذي تميز بأيدلوجية واضحة وشبكة من الفروع واسعة وكان أغلب أتباعه من المتعلمين ومن الطبقة العاملة.

وبعد قيام ثورة يوليو 1952م والقيام بتأميم لبعض المؤسسات والشركات وما ترتب على ذلك من هروب الأموال الأجنبية ورؤوس أموال الأقليات كان استعمال تعبير (العدالة الاجتماعية) سابقًا لاستعمال كلمة (الاشتراكية)، وهو تعبير يفتح الباب عمليًّا لتدخل الدولة لتلعب دورًا أكبر في الحياة الاقتصادية. 

ومع بدء الدخول في الستينيات أصبحت كلمة (الاشتراكية) أصرح وأظهر خاصة مع التوسع في عمليات التأميم، ثم جاءت سلسلة قرارات التأميم في يوليو عام 1961م التي امتلكت بها الدولة كل النشاطات الاقتصادية الكبيرة، ثم كان خفض الملكية الزراعية الفردية إلى مائة فدان، مع فرض ضرائب تصاعدية عالية على أصحاب الدخول المرتفعة، ومنع تملك أسهم شركات معينة بقيمة أكثر من 10 آلاف جنيه.

وقد شهدت تلك الفترة مقالات وكتابات وخطبًا وأحاديث كثيرة للترويج لمفهوم الاشتراكية التي أعلنتها وتبنتها الدولة المصرية، كما شهدت كتابة (الميثاق الوطني) ليكون هو النهج الذي تسير عليه البلاد وتسترشد به، والذي يُعَدّ ترديدًا لأفكار وردت في الماركسية القائلة بحتمية التطور إلى الاشتراكية العلمية. 

جاء في الباب السادس من الميثاق في التأكيد على حتمية الحل الاشتراكية: "إن الحل الاشتراكي لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي -وصولًا ثوريًّا إلى التقدم- لم يكن افتراضًا قائمًا على الانتقاء الاختياري، وإنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير". 

كما أكد الميثاق: "إن الصراع الطبقي لا يمكن تجاهله وإنكاره". 

ويذكر الميثاق: "إن الاشتراكية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم، وإن أي منهاج آخر لا يستطيع -بالقطع- أن يحقق التقدم المنشود". 

ويرى الميثاق: "ضرورة سيطرة الشعب على أدوات الإنتاج"، كما يدافع بشدة عن التأميم.

وبهذا كانت مصر أول دولة عربية تتخذ الاشتراكية الثورية دستورًا ومنهجًا لسياستها الاقتصادية والاجتماعية، وتجند قواها وأجهزتها للدعوة إليها والعمل بمقتضاها والتبشير بها، وعلى أثرها سارت بلاد أخرى، ولولا ذلك لظلت الاشتراكية ضعيفة الأثر في المنطقة.

وخلال هذا الأخذ بالاشتراكية نظامًا للدولة لم تعد الاشتراكية مجرد إصلاحات تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أو تقليل الفوارق بين الطبقات أو إنصاف العمال والفلاحين أو إصلاح ما أفسدته التجربة الليبرالية في مصر ونحو ذلك من المطالب التي تبدو كإصلاحات مثالية، إنما صارت الاشتراكية كما أرادها من وضعوها وفرضوها على الشعب مذهبًا فكريًّا وأيديولوجية متكاملة لها خصائصها ونظرتها الشاملة للحياة والدولة والمجتمع والإنسان شاء من شاء أو أبى، وهي لها بالطبع وسائلها التي تستوحيها من التجارب الاشتراكية وحدها. 

وهذا أخطر ما في الفكر الاشتراكي: أنه لا يرضى أن يعيش على هامش الحياة أو على حافة المجتمع، تُؤْخَذ منه جوانب وتُتْرَك أخرى، وإنما يريد فرض سيطرته على الحياة بكل جوانبها، لا يشاركه فيها فكر أو أيديولوجية أخرى، إلا تجاوزًا لفترة أو مرحلة تكتيكية محدودة في البدايات، وهذه حقيقة أعلنها الاشتراكيون صراحة بلا خفاء. 

قال الدكتور منيف الرزاز -الذي انتخب أمينًا لحزب البعث الاشتراكي العربي في كتابه (دراسات في الاشتراكية) الذي صدر عام 1960م وتضمن مقالات لعدد من قادة حزب البعث-: "إن فهم الاشتراكية على أنها نظام اقتصادي فحسب هو فهم خاطئ. فالاشتراكية تقدم حلولًا اقتصادية لمسائل كثيرة، ولكن هذه الحلول جميعًا ليست إلا ناحية واحدة من نواحي الاشتراكية، وفهمها على أساس هذه الناحية الواحدة فهم خاطئ لا ينفذ على الأعماق، ولا يتعرف إلى الأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، ولا يتطلع إلى الآمال البعيدة التي تذهب إليها الاشتراكية". 

وأضاف: "فالاشتراكية مذهب للحياة لا مذهب للاقتصاد، مذهب يمتد فيما يمتد إلى الاقتصاد والسياسة والتربية والتعليم والاجتماع والصحة والاخلاق والأدب والعلم والتاريخ، وإلى كل أوجه الحياة كبيرها وصغيرها". وهذا الذي يذكره الكاتب من النظرة الشمولية للاشتراكية ليست مقصورة على الاشتراكية، وإنما في الحقيقة هي النظرة في كل المذاهب الفكرية الأخرى الشمولية التي وضعها الغرب بمقتضى العلمانية المادية وتبناها بعد الثورة الفرنسية، لصبغ كل جوانب الحياة بها، كما في الرأسمالية والديمقراطية والليبرالية، فمن يتبنى أي منها تلزمه نظرتها الشاملة والعمل بمقتضاها وطرح ما عداها بما فيها الأديان.

أوجه من تشابه الاشتراكية الثورية مع الشيوعية (الماركسية):

1- هناك درجة من التقارب بين الاشتراكية الثورية واشتراكية ماركس، فالاشتراكيون الثوريون يتلقون فكرهم من مصادر الماركسية ويرددون كثيرًا من أفكارها ويرفعون كثيرًا من شعاراتها، فنجد في منشوراتهم وخطاباتهم ومقالاتهم وكتبهم الحديث عن كلمات مثل (الطبقية) و(الصراع) و(الحتمية) و(السيطرة على وسائل الإنتاج) وغيرها من الكلمات التي تتردد في الفكر الماركسي. وقد شهدت تلك الفترة تصالحًا بين الاشتراكيين الثوريين والشيوعيين الرسميين المحليين الذين تنازلوا عن تواجدهم في أحزابهم الشيوعية للانضمام إلى الاشتراكيين الثوار، فكانوا يُقَدَّمون في وسائل الإعلام من صحافة ومؤسسات نشر؛ ولهذا قَبِل أعضاء حزب (حدتو) الشيوعي المصري أن يحلوا أنفسهم من تلقاء أنفسهم لينضموا إلى الاتحاد الاشتراكي العربي ويبلغوا أماكن فيه مرموقة تخدم عقيدتهم أكبر مما لو بقوا خارج الاتحاد الاشتراكي العربي.

2- أخذت الاشتراكية العربية من الشيوعية الماركسية فكرة الحزب السياسي الوحيد (أو التنظيم الطليعي) الذي يقوم على أيديولوجية واحدة لا يُسْمَح بالخروج عليها. حزب تتبناه الدولة وتفتح أبوابه عادة لجميع فئات السكان، ولا تسمح بأي تجمع معارض غيره، ولا تسمح لغيره بمزاولة أي نشاط سياسي.

وهكذا تنتقل الأمة من فساد نظام الأحزاب العلمانية وانقساماتها وتناحرها على الحكم والسلطة قبل ثورة يوليو إلى فساد أشد لنظام اشتراكي يضع سياسة معينة يفرضها بالقوة ولا يسمح لأي فئة بمعارضتها، ويتبنى تلك السياسة حزب واحد أو تنظيم أيضًا علماني، لكنه ليس مفتوحًا لمن شاء أن يشارك فيه، بل هو مغلق على أولئك المؤيدين صدقًا أو نفاقًا أو خوفًا لسياسة الدولة، دون سواهم ممن لا يُسْمَح لهم بالعمل السياسي علنًا أو خفية وإلا أُتْهِم بمخالفة سياسة النظام المعلنة، والمفروضة على العباد فرضًا شاؤوا أم أبوا، ليعيشوا خارج هذا الحزب الحاكم مهددين بتهمة معارضته أو مخالفته (دولة بوليسية). وشر الأنظمة ما يسلب الناس نعمة الأمان والأمن والطمأنينة.

3- إن الاشتراكية تفرض على الشعوب فرضًا، فهي غالبًا لا تأتي إلا على أسنة الرماح بعد انقلاب على غير اختيار وطلب من تلك الشعوب، وتبقى وتستمر على ظهور الدبابات، كما هو في دول المعسكر الشرقي (في شرق أوروبا)، ومن قبلها دول وسط آسيا المسلمة التي أُجْبِرَت بالقوة الجبرية على أن تكون ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي الشيوعي السابق.

هناك أوجه من المخالفة بين الاشتراكية العربية والاشتراكية الماركسية (الشيوعية)؛ منها:

1- إن الاشتراكية الماركسية نظريًّا تؤمن بالعالمية ولا تؤمن بالقوميات. وللمؤامة والتوفيق بين تلك الاشتراكية والدعوة إلى القومية العربية أقر الاشتراكيون بالكفاح القومي العربي على أن تكون مرحلة لتحقيق الاشتراكية الكاملة عندما تنضج.

2- إن الاشتراكية الماركسية لا تؤمن بالأديان عامة، بينما معظم الاشتراكيين العرب لا يريدون محاربة الدين جهرة كما هو شأن الشيوعيين؛ إذ الشعوب العربية التي يحكمونها شعوب تدين بالإسلام ولا تقبل مخالفته أو الطعن فيه، بينما الاشتراكية تنشر قيمًا ومفاهيم تتعارض صراحة مع الإسلام. لذا كان من وصايا الشيوعيين في بعض البلاد العربية سكوت الاشتراكيين عن التعرض للدين على الأقل في مراحلهم الأولى، على أن بعض الاشتراكيين العرب ممن اقتربوا من الماركسية كثيرًا لم يتوانوا عن الإعلان عن عدائهم للدين بلا مواربة أو خجل، كما في الجناح المتطرف من (حركة القوميين العرب).

وقد أسفر تطبيق الاشتراكية في مصر خلال تلك الفترة عن نفس المفاسد التي عانت منها الدول التي سبقت مصر في الأخذ بالاشتراكية منهجًا: فالاشتراكية بتقديمها مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وإلغائها للملكية الخاصة جزئيًّا أو كليًّا، وسيطرة الدولة على أدوات الإنتاج، وتحكمها في الحياة الاقتصادية وتوجهاتها، وفرضها أيديولوجيتها على أفرادها، وتقييد حرياتهم بصرف النظر عن قدراتهم ومواهبهم، كل ذلك أدى لمحاربة ما جُبِلَت عليه النفس من حب التملك والإثراء، والرغبة في إبراز المواهب والقدرات، وأدت إلى إهدار المواهب والطاقات، وسيطرة البيروقراطية المعوقة للعمل، وانتشار البطالة المقنعة والسلبية والتواكل والمحسوبية، وتسلط الحزب الحاكم المنفرد بالسلطة، وبث روح الخوف والتوجس، ونشأة الدولة البوليسية القائمة على افتقاد الأمان بين أبناء الوطن الواحد، والمحصلة ضعف الإنتاج وقلة الدخل وتردي مستوى المعيشة. وما انهيار الشيوعية (الاشتراكية الماركسية) في عقر دارها (الاتحاد السوفيتي) إلا الدليل الظاهر الجلي على فشلها.

مآخذ على الفكر القومي:

ظهرت النزعات الإقليمية والقومية والوطنية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية كرد فعل على الاستبداد السياسي للأباطرة والملوك الذي عاشته وعانت منه أوروبا في القرون الوسطى، ومن أوروبا انتشرت تلك الدعوات إلى القوميات خارجها.

وقد بدأت تلك الدعوات والنعرات الضيقة في المنطقة العربية مع بداية القرن العشرين، فكان منها: 

- الدعوة إلى الإقليمية المصرية التي دعا إليها (حزب الأمة) من خلال صحيفته (الجريدة)، والتي كان يرأس تحريرها لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل والذي يُعَدّ أول من نادى بأيديولوجية مصرية تُصَاغ فيها مبادئ تعيش عليها الأمة المصرية بشخصية مستقلة لها طابع مميز. وكان هذا الاتجاه الناشئ مناوئًا للدعوة إلى (الجامعة الإسلامية) السائد وقتها، وهو الاتجاه الذي دعا إليه الأفغاني، وتبناه الزعيمان: مصطفى كامل ومحمد فريد، ويرتبط هذا الاتجاه بدولة الخلافة العثمانية ويرمي إلى إصلاحها لتقويتها من الداخل لتكون قوة إسلامية قادرة على الوقوف بقوة في مواجهة قوى الغرب المتربصة بها.

- الدعوة إلى (الفرعونية)، وهي الدعوة التي دعا إليها بعض الأقباط؛ مثل: (سلامة موسى) وأضرابهم من المتغربين ممن تأثروا بما تعلموه أو قرؤوه من الفكر الغربي.

- الدعوة إلى الارتباط باليونان وحضارة شرق المتوسط، وهي الدعوة التي كان في مقدمة أنصارها الدكتور طه حسين، وترى أن مصر ترتبط باليونان وحضارة شرق البحر المتوسط أكثر مما ترتبط بالعروبة وبالإسلام. وهي الدعوة التي ظهرت جلية في كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر).

- الدعوات القومية والإقليمية والقومية خارج مصر، ومنها: الدعوة الإقليمية السورية التي دعا إليها (أنطون سعادة) وحزبه الحزب (القومي السوري)، والدعوة الآشورية في العراق، والدعوة الفينيقية في الشام، والبربرية في المغرب العربي.

وقد اتخذت هذه الدعوات من ماضٍ سحيق لحضارات قديمة كانت في المنطقة قبل انتشار العروبة والإسلام بآلاف السنين وانقطعت تاريخيًّا عن الشعوب العربية المسلمة التي تعيش في المنطقة منذ قرون طويلة. وكان وراء دعم ذلك الاتجاه جهود الأوروبيين لكشف وإظهار وإعادة تقديم تلك الحضارات القديمة وإحياء جوانب من ثقافاتها القديمة لصرف شعوب المنطقة إليها بدلًا من التوجه نحو وحدة تجمعها في ظل هويتها العربية والإسلامية، وذلك بتبني تلك الدعوات ذات النظرة الضيقة، التي تفرق ولا تجمع، وتشتت ولا تقرب.

وكان زعماء من العرب القوميين قد قاموا بثورتهم العربية في الحجاز والشام ضد الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى بما ساهم في انتصار الحلفاء على تركيا في الحرب. 

وكانت هناك عوامل لعبت دورها في نشأة تلك الثورة، من خلال تصارع اتجاهين قوميين: اتجاه قومي تركي قاده قادة جمعية الاتحاد والترقي، ونزعة عربية قومية استقلالية من زعماء الحجاز والشام للانفصال عن الدولة العثمانية لأمورٍ؛ منها:

1- انتهاج جمعية (الاتحاد والترقي) التي سيطرت على الحكم في تركيا لسياسة التتريك، من خلال التعصب للقومية التركية (الدعوة الطورانية) والإساءة للعرب، وهي الدعوة التي أثارت شكوك فئات من العرب كانوا يتطلعون وهم على ولائهم للدولة العثمانية إلى صور من الإصلاح والقضاء على صور الفساد التي انتابت الدولة العثمانية، مع منح قسط أوفر من الحريات السياسية والمدنية، بعيدًا عن أي مطالبة منهم بالانفصال عن الدولة العثمانية أو السعي للقضاء عليها. وقد كان قادة جمعية الاتحاد والترقي وبدون أي استثناء من الماسونيين (من البنائين الأحرار)، وكان يهود الدونمة (يهود سالونيك) جزءًا منهم، فكان ولاء هؤلاء جميعًا هو لمبادئ الماسونية أكثر من ولائهم للترك أو للإسلام.

2- إثارة سياسة جمال باشا -قائد الجيش الرابع في سوريا أثناء الحرب العالمية الأولى- القومية المتطرفة، والتي قضت بإعدام زعماء عرب بارزين في بيروت ودمشق بين عامي 1915م و1916م، مما أثر تأثيرًا كبيرًا في نفوس العرب، وزاد من شدة التوتر بين العرب والأتراك. وهو ما دفع بزعماء عرب بعدها إلى التوجه نحو الانفصال عن تركيا والاستقلال.

3- تشجيع وتحريض الحلفاء للزعماء العرب على الثورة ضد الأتراك من خلال الوعود والأماني، مع مد وتقديم عملاء الحلفاء لهؤلاء الزعماء العرب بالسلاح والذخيرة.

وقد بدأت الدعوة إلى القومية العربية حزبيًّا كدعوة تتحيز للجنس وللعنصر العربي في صورة علمانية لا ارتباط لها بالدين (بالإسلام)، بل مفرغة منه، وذلك من خلال حزبين سياسيين على رأس كل منهما زعامة غير مسلمة، وهما حزب (البعث العربي)، و(حركة القوميين العرب). ثم جاء تبني ثورة يوليو للدعوة إلى القومية العربية لتُحْدِث أثرها الكبير في المنطقة العربية لثقل مكانة مصر فيها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.