كتبه/ مستور عياد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا تُخبر الناس بما تنوي أن تصبح، بل دعهم يرون ما أصبحت عليه؛ فالنجاح الحقيقي لا يعلو صوته، وإنما يعلو أثره.
ليس كل حلم يحتاج إلى إعلان، ولا كل مشروع يستحق أن تُحَدِّث الناس عنه قبل أن يرى النور، فكثير من الأمنيات أفسدها العجب، وكثير من الأعمال تعطلت بسبب الانشغال بإخبار الناس بها قبل إتمامها، أما أصحاب الهمم فإنهم يُقَلِّلون الكلام، ويُكْثِرون العمل، فإذا اكتمل البناء تكلمت النتائج عنهم دون أن ينطقوا بكلمة.
إن المؤمن يعلم أن أعظم من يرى عمله هو الله -سبحانه وتعالى-، فلا يجعل همه تصفيق الناس، ولا إعجابهم، وإنما يجعل غايته رضا ربه، وإتقان ما وُكِّل إليه؛ قال -تعالى-: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105)، فتأمل كيف بدأ الله بالأمر بالعمل، ثم جعل رؤية الناس له بعد ظهوره، وكأن الآية تُعَلِّمنا أن الإنجاز يسبق الثناء، وأن الأفعال أبلغ من الأقوال. ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوجه أمته إلى الجد والاجتهاد، فقال: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ) (رواه مسلم). فليس النجاح أمنية تُرْجَى أو تُقَال، بل هو سعي متواصل، واستعانة بالله، وصبر على الطريق.
وأصل كل نجاح مبارك أن يكون خالصًا لله -تعالى-؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (رواه البخاري ومسلم). فكلما خلصت النية، بارك الله في العمل وإن كان قليلًا، ورب عمل صغير عَظَّمَته النية، ورب عمل كبير أفسده الرياء وحب الظهور. واعلم أن كثرة الالتفات إلى الناس تُبْطِئ المسير، فمن شغل نفسه بالرد على كل ناقد، أو بإقناع كل مشكك، أو بانتظار ثناء الناس، ضاع منه الوقت، وفترت همته. أما صاحب الرسالة، فإنه يعرف وجهته، فيسير إليها ثابتًا، لا يلتفت إلا لما يقربه من ربه وهدفه.
ولهذا كان السلف الصالح يفرون من الشهرة، ويجاهدون أنفسهم على الإخلاص؛ قال أيوب السختياني -رحمه الله-: "ما صدق الله عبد أحب الشهرة". وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يوصي أصحابه قائلًا: "كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، تُعْرَفون في السماء، وتَخْفَوْن على أهل الأرض"، بل إن الحسن البصري -رحمه الله- لخص هذا المنهج حين قال: "لقد أدركنا أقوامًا، ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا".
فهؤلاء قوم أيقنوا أن الإخلاص هو سر القبول، وأن العمل إذا صدق مع الله، أظهر الله أثره ولو بعد حين.
وتأمل الزرع؛ فإنه يقضي زمنًا طويلًا تحت التراب، لا يراه أحد، ولا يسمع له صوت، لكنه في كل يوم يزداد قوة ونماءً. ثم يأتي يوم يخرج فيه سنبله، فيتعجب الناس من جماله، وينسون أنه قضى شهورًا في الخفاء. وكذلك النجاح؛ يبدأ بتعب لا يراه الناس، وصبر لا يشعرون به، وسهر ودعاء ومجاهدة لا يعلمها إلا الله، ثم تأتي الثمرة، فيرى الجميع أثرها، ويجهلون قصة الوصول إليها.
فلا تستعجل المدح، ولا تُضِع عمرك في الحديث عما ستفعله، بل اجعل حديثك عملًا، وبرهانك إنجازًا، ودليلك أثرًا طيبًا يتركه إخلاصك وإتقانك. واعلم أن الناس قد ينسون كلماتك، لكنهم لا ينسون نتائج أعمالك، وأن الضجيج يلفت الأنظار لحظات، أما الإنجاز الصادق فيبقى أثره سنوات.
فامضِ في طريقك، واستعن بالله، وأخلص النية ولا تيأس إن تأخرت الثمرة؛ فإن الله -سبحانه- يقول: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (الكهف: 30).
فإذا أكرمك الله بالنجاح، فليكن تواضعك أعظم من إنجازك، ولتتحدث أعمالك عنك، لا كلماتك؛ فذلك هو النجاح الذي تدوم بركته، ويبقى أثره في الدنيا، ويثقل به الميزان يوم القيامة.