خديجة -رضي الله عنها- سَنَدٌ في أصعب لحظات الحياة
كتبه/ عبد الله بدران
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالمرأة الواعية لا يقتصر دورها على إبداء الرأي أو المشاركة في اتخاذ القرار، وإنما قد يكون دورها الأعمق في أن تكون سندًا لمن يحمل رسالة، ومصدرًا للطمأنينة في أوقات الخوف، والقوة في لحظات الضعف، وقد ضربت أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- أروع الأمثلة في ذلك، فكانت إلى جوار النبي -صلى الله عليه وسلم- في واحدة من أعظم اللحظات التي مرت بها البشرية؛ لحظة نزول الوحي وبداية الرسالة، فحين عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- من غار حراء بعد نزول الوحي عليه، وقد أصابه من شدة الموقف ما أصابه، دخل على خديجة -رضي الله عنها- وهو يقول: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) (رواه البخاري ومسلم).
فكانت أول مَن احتضن خوفه، وأول من استمع إليه، وأول من آمن به وصدقه.
ولم تكتفِ خديجة -رضي الله عنها- بتهدئته ومواساته، وإنما قالت له كلمات تكشف عن عمق فهمها لشخصيته وأخلاقه، فقالت: (كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) (رواه البخاري ومسلم).
تأملوا هذا الموقف؛ لم تكن أمامها كل التفاصيل، ولم تكن تعرف بعد طبيعة ما حدث، لكنها كانت تعرف الإنسان الذي أمامها، وتعرف أخلاقه وسيرته، ولذلك استطاعت أن تمنحه في لحظة الاضطراب شيئًا بالغ الأهمية: الثقة والطمأنينة.
ثم لم تتوقف عند المواساة، بل أخذت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ورقة بن نوفل -رحمه الله-، فكان لها دور في الانتقال من لحظة الخوف والقلق إلى مرحلة الفهم والتثبت ومعرفة حقيقة ما وقع.
وهنا تظهر قيمة المرأة الواعية؛ فهي قد لا تكون هي التي تحمل الرسالة في مقدمة المشهد، لكنها تستطيع أن تكون سببًا في تثبيت حامل الرسالة، وتهيئة البيئة التي تساعده على الاستمرار، ودعمه حين تشتد عليه الأزمات.
لقد كانت خديجة -رضي الله عنها- زوجة، لكنها لم تكن مجرد زوجة؛ كانت شريكة في الهم، وسندًا في الطريق، وصاحبة موقف في لحظة فاصلة من تاريخ الدعوة.
وهذا درس مهم للمرأة في كل زمان؛ فالتأثير لا يحتاج دائمًا إلى منصب أو موقع رسمي، فقد يكون أعظم الأثر داخل البيت، من خلال كلمة صادقة، أو موقف حكيم، أو دعم في الوقت المناسب.
وكم من إنسان استطاع أن يستمر في طريق الخير لأن وراءه زوجة تشجعه، أو أمًّا تربيه، أو أختًا تسانده، أو امرأة آمنت بقدرته حين كان هو في أشد الحاجة إلى من يذكره بقيمته، لكن الدعم الحقيقي ليس مجاملة عابرة، وإنما هو بصيرة بالإنسان، ومعرفة بقدراته، وإعانته على الخير، ونصحه عند الحاجة، والوقوف إلى جواره عندما تشتد عليه المحن.
فإن المرأة الواعية لا تسأل فقط: ماذا أستطيع أن أفعل بنفسي؟ وإنما تسأل أيضًا: من أستطيع أن أعينه؟ وما الخير الذي يمكن أن أصنعه من خلال أسرتي وعلاقاتي وموقعي في المجتمع؟
فقد يكون أعظم إنجاز للمرأة أنها صنعت إنسانًا ناجحًا، أو ثَبَّتَت إنسانًا في وقت ضعفه، أو أعانت زوجها على الخير، أو ربت أبناء يحملون هم أمتهم، أو كانت سببًا في إصلاح علاقة أو جمع كلمة، وهذا لا يعني أن دور المرأة يُخْتَزَل في الأسرة، وإنما يعني أن الأسرة نفسها ميدان عظيم لصناعة الأثر، ثم يمتد أثر المرأة من البيت إلى المجتمع، ومن التربية إلى الإصلاح، ومن الكلمة إلى العمل؛ ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى امرأة تعرف قيمة دورها، فلا تستصغر ما تقوم به، ولا تجعل حضورها قائمًا على الظهور، وإنما تبحث عن المكان الذي تستطيع أن تقدم فيه الخير بأفضل صورة.
لقد لمعت خديجة -رضي الله عنها- في لحظة لم تكن فيها تبحث عن الظهور، وإنما كانت تؤدي واجبها تجاه زوجها ورسالتها، فَخَلَّدَ الله موقفها، وأصبحت سيرتها نموذجًا لكل امرأة تريد أن تعرف كيف يمكن للكلمة والموقف والدعم أن تصنع أثرًا يتجاوز حدود اللحظة.
وفي النهاية: فإن المرأة الواعية ليست بالضرورة أكثر الناس كلامًا، ولا أكثرهم ظهورًا، وإنما هي التي تعرف متى تتكلم، ومتى تنصح، ومتى تُسْنِدُ، ومتى تصبر، ومتى تحول محبتها إلى عمل نافع، فقد تكون كلمة في لحظة خوف سببًا في طمأنينة، وقد يكون موقف في لحظة ضعف سببًا في قوة، وقد يكون بيت صالح سببًا في صناعة إنسان يحمل الخير إلى أمة كاملة.
وهكذا تتحول المرأة من مجرد مشاركة في الحياة إلى شريكة في صناعة الإنسان، وبناء الأسرة، وإصلاح المجتمع، وتتحول الكلمة من مجرد كلام إلى أثر، والدعم من مجرد مشاعر إلى رسالة، والعمل من مجرد حضور إلى عبادة وأمانة.
وهذه هي المرأة الواعية التي لا تبحث فقط عن أن يكون لها صوت، وإنما تبحث أن يكون لصوتها حكمة، ولوجودها أثر، ولعملها رسالة.
وباختصار: إن المرأة الواعية ليست نصف المجتمع، بل هي المجتمع كله؛ لأنها سبب في صناعة النصف الآخر.
ولنا لقاء آخر مع نموذج من نماذج المرأة الواعية -إن شاء الله-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.