الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 17 ربيع الثاني 1448هـ

الهشاشة النفسية.. حين يتحول الألم إلى يأس (1)

(وَكَانَ اللَّهُ بِكُمْ رَحِيمًا)

كتبه/ محمد بكر شديد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يَعُد الحديث عن الهشاشة النفسية حديثًا عن مشكلة هامشية تخص فئة محدودة من الناس، بل أصبح قضية تستحق أن نتوقف أمامها بجدية؛ لأن الإنسان المعاصر، مع كل ما وصل إليه من وسائل الراحة والتواصل، أصبح في أحيان كثيرة أكثر تعرضًا للضغط، وأقل قدرة على احتمال الإحباط، وأسرع استسلامًا للشعور بالعجز واليأس.

وهنا ينبغي أن نفرق بين الألم النفسي الطبيعي الذي يمر به الإنسان عند المرض أو الفقد أو الفشل أو الابتلاء، وبين أن يتحول هذا الألم إلى حالة مستمرة من العجز واليأس والانقطاع عن الأمل، فالإنسان لا يُلَام لمجرد أنه حزن، ولا يُتَّهَم في إيمانه لمجرد أنه ضاق أو بكى أو مر بلحظة ضعف؛ فقد خلق الله الإنسان ضعيفًا، وجعل حياته دار ابتلاء؛ قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، لكن الخطر يبدأ عندما يفقد الإنسان المعنى الذي يجعله قادرًا على مواجهة الألم، فيرى البلاء عبثًا، والفشل نهاية، وفقدان ما يحب نهاية الدنيا، ويغيب عنه أن الحياة نفسها ابتلاء، وأن المؤمن لا يعيش فيها على أساس أنها دار راحة كاملة، وإنما دار امتحان وعبور.

المشكلة ليست دائمًا في شدة الابتلاء:

قد يمر شخصان بالابتلاء نفسه، فينهار أحدهما بينما يثبت الآخر، وليس الفارق دائمًا في حجم المصيبة، وإنما في طريقة النظر إليها والتعامل معها.

وهذا لا يعني أن كل أزمة نفسية سببها ضعف الإيمان؛ فهناك أمراض واضطرابات نفسية لها أسباب متعددة، وقد يحتاج الإنسان فيها إلى طبيب أو متخصص كما يحتاج المريض في جسده إلى الطبيب، لكن الإيمان يمنح الإنسان إطارًا أوسع لفهم الألم؛ فهو يعلم أن الدنيا ليست الجنة، وأن النعم لا تدوم على حال، وأن فقد بعض ما نحب لا يعني فقد كل شيء، وأن الله -سبحانه وتعالى- لا يُقَدِّر على عبده شيئًا عبثًا.

وكما يقرر الأديب مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- في حكمته عن فلسفة البلاء: "لا يَستروح هذا الإنسان مِن ألَمِه إلا وقد أَكسبه الألم: فضل الإنسانية، وبِرّ الفضيلة، وصِحّة الإيمان وقوّة النَّفس".

فالألم ليس لهدم الإنسان بل لإعادة بنائه وتعميق إحساسه بالحياة.

ومن هنا تأتي أهمية بناء الإنسان من الداخل، لا أن نطالبه فقط بأن يكون ناجحًا في الدراسة والعمل، وإنما أن نعلمه منذ الصغر كيف يتعامل مع الفشل، وكيف يصبر عند الحرمان، وكيف يواجه النقد، وكيف يتقبل أن الحياة لا تُعْطِي الإنسان كل ما يريد.

من الهشاشة إلى المرونة والصلابة النفسية:

إن الغاية والهدف الأصيل من مواجهة الهشاشة النفسية ليس مجرد الوقاية من الانهيار عند الصدمات، بل بناء "الصلابة" والمرونة لدى الإنسان. والصلابة النفسية لا تعني القسوة الجافة التي تدعي العظمة أو تمنع البكاء والتألم، بل تعني القدرة التكيفية على التعافي، والمرونة في امتصاص الصدمات، والنهوض مجددًا بعد الإخفاق.

إن الإنسان الذي يمتلك مرونة نفسية إيمانية هو من ينظر إلى الأزمات باعتبارها محطات للتأمل ومساحات للنمو والتعلم، لا مقابر للأمل، فيستفيد من التجربة المؤلمة ليعيد بناء داخله بقدر أعمق من الوعي والنضج.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.