الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 أغسطس 2026 - 11 ربيع الأول 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (270) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (10)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 16- 35).

الفائدة التاسعة:

قوله -تعالى-: (وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: 17)، فيه اقتران الشكر بالعبادة، وأن العبادة لا تحصل إلَّا بالشكر، وقد تقرَّر هذا في القرآن والسُّنَّة؛ قال الله -تعالى-: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل: 114)، فدلَّت الآية على أن مَن لم يشكر الله لم يعبده، فالشكر شرط في العبادة.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: (وَاللَّهِ يَا مُعَاذُ، إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، فدلَّ على أنَّ الشكر إنَّما يحصل للعبد مع العبادة بإعانة الله -سبحانه وتعالى- وتوفيقه لعبده، والشكر ضد الكفر الذي يبتغيه إبليس من بني آدم، وظنَّ وصَدَق ظنه: (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 17).

وقد جعل إبراهيم -عليه السلام- غاية رزق ذريته من الثمرات الشكر فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).

فالله -عز وجل- يرزقنا لنشكره، وهذا من حكمة الله -تعالى- أن خلقنا في حاجة فقراء ضعفاء، وأعطانا ما نسد به حاجتنا ونتقوَّى به على ضعفنا، وجعل ذلك سبيلًا إلى ما هو أعظم من تلك الحاجات، فحاجتنا إلى شكر نعمة الله -عز وجل- أعظم من حاجتنا إلى الهواء والطعام والشراب، فنحن والله لا نحصي ثناءً عليه؛ فكل نَفَس وكل لقمة وكل شربة نعمة من الله عظيمة، وشكرك نعمة الله -عز وجل- عليك نعمة أعظم، فأنت تحتاج إلى ذلك لصلاح قلبك، وحياة القلب أعظم من حاجة بدنك إلى الهواء والطعام الشراب.

فالشكر سبب حياة القلب فلو مُنِع الهواء من البدن يموت فكذلك لو مُنِع الشكر من القلب يموت القلب، فأنت محتاج إلى حياة قلبك؛ لأنها الحياة التي تؤدي إلى الحياة الأبدية في الجنة، وهذا بلا شك أعظم من حاجتنا إلى حياة البدن التي تستمر عشرات السنين أو أقل أو أكثر.

فجعل الله -عز وجل- النعم ليأخذك بها إلى ما هو أهم، وليأخذ قلبك بها إلى نعمة أتم؛ وهي: أن تشكره -عز وجل- على نعمته، فيعطيك المزيد لأن الله -تعالى- قال: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7). وما أنعم الله به عليك من شكره هو نعمة جديدة، فإذا شاهدتَ ذلك عَلِمتَ أنَّك لا تحصي ثناءً عليه، كما وَرَد في الأثر الإسرائيلي: "أنَّ داود -عليه السلام- قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة عليَّ من عندك تستوجب بها شكرًا؟ فقال -تعالى-: الآن شكرتني يا داود".

فيشعر العبد أنَّه يعجز عن أن يُحْصِي ثناءً على الله كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) (رواه مسلم).

والآثار في الحمد والشكر كثيرة جدًّا في الكتاب والسُّنَّة يَشُقُّ إحصاؤها، وكل منها يحتاج إلى وقفات، ولكن إنَّما نشير إلى أشياء منها؛ قال الله -تعالى-: (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144). أي: سيجزيهم أعظم الجزاء، وأعظم شكر لنعمته -عز وجل- بالدِّين هو الثبات عليه حتى تلقى الله -عز وجل-، فأنت تشكر نعمة الله أن وفَّقك للدين بأن تثبت عليه كما دلَّت عليه الآية الكريمة؛ قال -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).

فمع أنَّها مقام ابتلاء عظيم، ومقام نزول أعظم مصيبة بالمسلمين حين مات النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عبادة الله هو أعظم نعمة، وشكر هذه النعمة بأن نثبت عليها ولو بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالأمر ليس مرتبطًا بشخصه، ولكن يرتبط بما جاء به كما قال أبو بكر -رضي الله عنه- على المنبر بعد أن مات نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان يعبد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت"، وتلا هذه الآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).

فمَن انقلب على عقبيه فقد كفر هذه النعمة ولم يشكرها، ولم يكن محقًّا في اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، واتباعه لما جاء به وللإيمان والتوحيد الذي جاء به وعبادة الله التي جاء بها، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144)، فهذا مقام فيه صبر وشكر معًا؛ شكر نعمة الله -عز وجل- بأن نثبت على هذا الدين وأن نوحِّد الله في كل وقت وفي كل حال، ونثبت على عبادة الله؛ سواء وجدنا معينًا لنا أم لم نجد، وسواء أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيًّا أم قد مات ورحل عن هذه الدنيا.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.