كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وردت في سورة البقرة -في موضع آخر غير موضع الآيات التي تناولناها من قبل حول واقعة تحويل القبلة- آية فيها تعقيب على تلك الواقعة، يقول فيها الله -تعالى-: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177).
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "فإن الله -تعالى- لما أمر المؤمنين بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقَّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله -تعالى- بيان حكمته في ذلك، وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله -عز وجل-، وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة ما لم يكن عن أمر الله وشرعه؛ ولهذا قال: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة:177) الآية. كما قال في الأضاحي والهدايا -جمع هدي-: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ) (الحج:37).
قال ابن عباس: ليس البر أن تُصَلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها، وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله -تعالى-: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (البقرة:177). يقول هذا كلام الإيمان وحقيقة العمل. وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله.
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله -عز وجل.-
وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.
وقال الثوري: (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ) (البقرة:177) الآية. قال: هذه أنواع البر كلها.
قال ابن كثير: وصدق رحمه الله، فإن مَن اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله.
فالبر: هو الإيمان بالله، وأنه لا إله إلا هو، وهو التصديق (بوجود الملائكة) الذين هم سفرة بين الله ورسوله، والكتاب هو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن، المهيمن على ما قبله من الكتب، والإيمان بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين-.
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه؛ نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما قال -تعالى-: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا) (الإنسان:8، 9)، وقال -تعالى-: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر:9).
و(ذَوِي الْقُرْبَى): هم قرابات الرجل، والصدقة على أولي القربى هي صدقة، وهي أيضًا صلة، (وَالْيَتَامَى): وهم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.
(وَالْمَسَاكِينَ): وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجاتهم. (وَابْنَ السَّبِيلِ): وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده. (وَالسَّائِلِينَ): وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. (وَفِي الرِّقَابِ): وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم. (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها على الوجه الشرعي المرضي. (وَآتَى الزَّكَاةَ) أي: زكاة المال؛ قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، أو أن يكون المراد بذلك: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة؛ كما قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:9، 10).
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)، كما قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاق) (الرعد:20)، بخلاف أهل النفاق؛ فآية المنافق كما جاء في الحديث المتفق عليه ثلاث: (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ).
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) أي: في حال الفقر؛ وهو: البأساء، وفي حال المرض والأسقام؛ وهو: الضراء، وفي حال القتال والتقاء الأعداء؛ وهو: حين البأس. وجاء نصب (وَالصَّابِرِينَ) هنا على المدح والحث على الصبر في هذه المواضع لشدتها ولصعوبة الصبر فيها. والله -تعالى- أعلم.
- وقوله -تعالى-: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) (البقرة:177)؛ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا وأولئك هم المتقون، لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات" (باختصارٍ من تفسير ابن كثير).
فائدة:
روى البخاري بسنده عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: "صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل -تعالى-: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (البقرة:144)"؛ فجاء في الحديث ذكر قولين في المدة التي صلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس وهو في المدينة، وأنها ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، والجمع بين القولين بأن يكون من جزم بستة عشر شهرًا لفَّق من شهر قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة -وهو شهر ربيع الأول- ومن شهر تحويل القبلة -وهو شهر شعبان- شهرًا، وألغى الأيام الزائدة عنه، ومن جزم بسبعة عشر شهرًا عَدَّ الشهرين -ربيع الأول وشعبان- معًا في المدة، ومَن شَكَّ تردد بين ذلك القولين. والله -تعالى- أعلم. (ينظر: فتح الباري لابن حجر).
فوائد ودروس وعبر من آيات تحويل القبلة:
- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن أول ما نسخ من القرآن هو القبلة، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة وكان بها يهود كثير، وقد أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت بذلك اليهود، واستمر النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب أن كعبة إبراهيم -عليه السلام- هي القبلة، فكان يصلي وينظر إلى السماء حتى أجابه الله لما يحبه.
- وفي تأخر إبلاغ أهل قباء بتحويل القبلة إلى صلاة الفجر في اليوم التالي فاستداروا إلى الكعبة وهم في صلاة الفجر، قال ابن كثير: "وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه لهم؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء. والله أعلم".
- وقد حاز المسلمون بذلك شرف التوجه إلى القبلتين: بيت المقدس والكعبة، وبهذا تميزوا بمخالفة مشركي مكة قبل الهجرة باستقبال بيت المقدس، ثم تميزوا بمخالفة اليهود وهم بالمدينة باستقبال الكعبة.
- استقبال الكعبة واتخاذها قبلة أمر له وزنه لكونها القبلة الأقدم، فهي قبلة إبراهيم -عليه السلام-، وهي مفخرة للعرب حيث ظلت مثابة للناس وأمنًا ومزارًا ومطافًا، وهذا أدعى لدخول العرب في الإسلام.
- تقرير أن العبرة في الإسلام تكون بجوهره ولبه، وهو ما يجب اعتناء المسلمون واهتمامهم به، فلا ينشغلوا عن جوهر الإسلام ولبه بقضايا فرعية أو بمسائل جزئية، فـ(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177). وكأن المعنى: أن مسألة تعيين الجهة في العبادة والتي شغلت المخالفين نقدًا وردًّا ليست كل ما يشتغل به من أمور الدين، بل هي شعبة واحدة من شعب الدين، وإنما البر هو الإيمان الكامل الجامع لكل خصال الخير من عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق؛ لذا فعلى أهل الإيمان الاشتغال بكل خصال الدين لتحقيق هذا الإيمان الصادق.
- حماية المجتمع المسلم من شبهات الأعداء وغزوهم الفكري قبل إثارة تلك الشبهات وبدء هذا الغزو الفكري، فحرف السين مع الفعل المضارع في كلمة (يقول) في قوله -تعالى-: (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا) (البقرة:142)، حرف للاستقبال، يخبر به -سبحانه- عما سيثيره السفهاء، وخفاف العقول، مِن: تشويش وتشكيك، وإثارة للشبهات حول تحويل القبلة قبل أن يقع ذلك منهم، وذلك حماية للمسلمين من شرهم، ولقن المسلمين الجواب على تلك الشبهة، بأنه إذا قال السفهاء من الناس: (مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا) يجيبوهم بأن: (لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) (البقرة:142). وبذلك توأد الشبهة في مهدها إذا وقعت، وهكذا: الوقاية خير من العلاج، وهكذا يكون التحصين من المرض ومقاومته قبل انتشاره.
- تمحيص المؤمنين وتمرينهم على الطاعة والسماع لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما يبلِّغه عن ربه، وذلك جلي وواضح في قول الله -تعالى-: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) (البقرة:143) يعني اتخاذ بيت المقدس قبلة أولى للمسلمين في الصلاة ثم التحول عنها إلى المسجد الحرام بعد ذلك (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (البقرة:143). فالاتجاه الأول في بادئ الأمر إلى بيت المقدس كان بأمر من الله -تعالى-، والاتجاه بعد ذلك إلى المسجد الحرام أيضًا بأمر من الله -تعالى-، والحكمة كما بينت الآية الكريمة (لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (البقرة:143)، والانقلاب: الارتداد، والعقب: مؤخرة القدم، والمراد: بالانقلاب على العقب: الارتداد عن الإسلام، وهو ما وقع من البعض من ضعاف الإيمان. فتميز بذلك أهل الإيمان الصادق ممن يأتمرون بأوامره -صلى الله عليه وسلم- على كل حال كانت ممن لم يدخل الإيمان الصادق قلبه، فدخل الإسلام وهو على حرف فارتد عن الإسلام بأدنى شبهة.
- وهذا الابتلاء هو صورة من صور التربية للصحابة -رضي الله عنهم- وغرس حب الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قلوبهم، فحين يأمرهم -صلى الله عليه وسلم- بأمر مهما كان يقولون سمعنا وأطعنا بلا تردد؛ فلا بد من تمحيص وامتحان للفئة المؤمنة من وقت لآخر. فهاهنا بعد الهجرة إلى المدينة بقليل كان تحويل القبلة امتحان، وقبلها كانت معجزة الإسراء والمعراج قبل الهجرة إلى المدينة بقليل امتحان، وهو الامتحان الذي قال فيه تبارك و-تعالى-: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) (الإسراء:60) ، ولله -تعالى- الحكمة البالغة في ذلك.
- قول الله -تعالى-: (لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (البقرة:143) لا ينافي علم الله -تعالى- الأزلي وأنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وإنما المراد هنا ظهور هذا العلم المكنون في الواقع، حيث أن الحساب والجزاء والثواب والعقاب والمؤاخذة عليه، فالله -تعالى- يحاسب العباد على عملهم الذي يعملونه لا على علمه السابق بهم، فيجعل الله -تعالى- معلومه في الغيب مشاهدًا للعيان، والعمل الواقع للعيان هو الذي تقوم به الحجة، ويترتب عليه الثواب والعقاب؛ أي: إن الله سبحانه و-تعالى- يعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبع قبل وقوع ذلك، وهذا العلم لا يوجب مجازاة في ثواب أو عقاب، ولكن المراد: ليعلم ذلك منهم شهادة، فيقع عليهم بذلك العلم أجر المطيعين وإثم العاصين، وتكون معلومة في حال وقوع الفعل منهم شهادة، كقوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (التغابن: 18).
فعلمه قبل وقوعه غيب، وعلمه حال وقوعه شهادة، وهذا يبين كل ما في القرآن مما هو مثله، أو يكون المراد بالعلم: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (البقرة:143)، تمييز مَن يتبع الرسول ممَّن يرتد؛ فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم يقع به التمييز، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب.
- التنويه بمنزلة ومكانة عبادة الصلاة في الإسلام حيث أطلقت الآية على الصلاة اسم الإيمان، وأشارت الآية إلى عدم ضياع ثواب المؤمنين الذين ماتوا قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام، فروى البخاري بسنده عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-: "أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندرِ ما نقول فيهم، فنزل قول الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم) (البقرة:143)".
وروى أيضًا الترمذي بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم) (البقرة:143). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح".
وقد فسَّر البخاري الإيمان في الآية بالصلاة، فقال: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة:143) يعني: صلاتكم؛ أي: صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس.
فالمراد بالإيمان في الآية الصلاة. وإطلاق اسم الإيمان على الصلاة هنا من باب المجاز، من إطلاق اللازم على الملزوم، فالإيمان لازم للصلاة؛ إذ لا صلاة بحقٍّ إلا مع الإيمان. وقيل: كنى بالإيمان عن الصلاة لأن الصلاة صادرة عنه، وذلك من باب ذكر السبب وإرادة المسبب؛ ولأن الصلاة أفضل شعب الإيمان، فهو من باب ذكر الكل وإرادة أشرف أجزائه.
وأيضًا ذكر الإيمان أولى من ذكر الصلاة؛ لئلا يتوهم اندراج صلاة المنافقين إلى بيت المقدس في الثواب، وأتي بلفظ: (إِيمَانَكُمْ) دون (إيمان بعضكم) وإن كان السؤال جاء على سبيل التغليب؛ لأن المصلين إلى بيت المقدس لم يكونوا كلهم ماتوا. والمراد من عدم إضاعة الصلاة في الآية: أن الله -تعالى- يجازيهم عليها بالجزاء الأوفى.
- بيان ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من الحرص في دينهم، ومن الشفقة على مصير إخوانهم الذين ماتوا. وقد وقع مثل ذلك أيضًا بعد ذلك لما نزل تحريم الخمر، فتساءلوا عن مصير إخوانهم الذين تناولوها قبل التحريم، كما صح من حديث البراء بن عازب أيضًا، فنزل قول الله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) (المائدة:93).
فلما كان أمر القبلة خطيرًا، ومَعْلَمًا من معالم الدين؛ تخيل قوم نقص مَن فاته، وكذلك لما حصلت الخمر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمة، فأعلم الله -تعالى- عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد، بل كانت تلك الأشياء مكروهة لم ينص عليها تحريم بعد، والشرع هو الذي قبَّحها وحرَّمها وأمر باجتنابها.
- بيان كرامة النبي -صلى الله عليه وسلم- على ربه -عز وجل-، ويدل عليه: قوله -تعالى-: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) (البقرة:144)، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقلب بعد الصلوات بوجهه إلى السماء التي هي مصدر الوحي منتظرًا نزول الوحي بالتوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة أبيه إبراهيم -عليه السلام-، وهي أدعى للعرب أن يؤمنوا، ولما فيه من مخالفة اليهود، فحقق الله -تعالى- له أمنيته وأعطاه ما أحب.
- كانت رحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى وإمامة النبي -صلى الله عليه وسلم- خلالها بالأنبياء فيه، ثم تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام فيها إشعار بانتقال إمامة الإنسانية للأمة المحمدية، وأنها الأمة الأهل لذلك، وزوال ما كان عليه اليهود من منزلة لما اقترفوه من جرائم ومخالفات في حق دينهم ورسلهم وأنبيائهم.
فـلله الحمد والمِنَّة على هذه الأمة.