إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 14 يونيو 2008 - 10 جمادى الثانية 1429هـ

حوار موقع الجماعة الإسلامية مع الشيخ ياسر برهامي

وقفات إنسانية في حياتي، ج1 من حوارنا مع د. ياسر برهامي

حاوره وقدم له د. ناجح إبراهيم

الدكتور/ ياسر برهامي من أعلام الدعوة إلى الله عامة والسلفية خاصة. وهو من القلائل الذين أكرمهم الله بالجمع بين أمور كثيرة من الخير، وعلى رأسها الدعوة إلى الله، وتربية الناس في زمن عز فيه المربون الصالحون، وتخفيف آلام المرضي، والرفق بهم ورحمتهم.

فعيادته هو وشقيقه الطيب المتواضع الأستاذ الدكتور/ جمال برهامي أستاذ جراحة التجميل من العيادات النادرة في الإسكندرية ومصر، التي ترفع شعار الزهد في الدنيا داعية المريض الفقير صراحة بأنه يمكنه ألا يدفع ثمن الكشف أو يدفع ما معه أو ما يقدر عليه منه دون حرج.

وقد سمعت بنفسي قصصاً كثيرة لإخوة وفقراء عاديين وسعهم الدكتور ياسر بشفقته ورحمته وعطفه، ولم يقتصر ذلك عن تنازله عن أجر الكشف فحسب، بل يصل في كثير من الأحيان إلى تيسير الدواء لهذا المريض، أو إرساله إلى طبيب آخر يحتاجه المريض؛ ليقوم هذا الأخير بإكرام هذا المريض وعلاجه مجاناً في زمن عز فيه الإحسان والمحسنون.

إن عطاء الدكتور ياسر برهامي في هذا قد يفوق عطاءه في الدعوة والتربية وتعليم الناس العلم النافع.

ففي كثير من الأحيان يسبق ياسر الطبيب صانع الخير ياسر الداعية المبلغ للرسالة.

وكلا العملين دعوة إلى الله، ولكن صنع الخير أقوي أثراً من الكلمات وأكثر قوة في النفوس؛ إذ أن كلمات الدعاة تنسى، ولكن مواقف الرجال لا تنسى، وصنع المعروف لا ينسى. ولذلك فإن الدعوة بالقدوة أبلغ أثراً من الخطابة والكلمة، وهذا والله ما ينبغي معرفته عند عامة الدعاة وخاصتهم.

وهذه خديجة تقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)، فذكرت معروفه، ولم تذكر تبتله للعبادة وانقطاعه لها في غار حراء.

لقد جمع الدكتور ياسر بين خصال عديدة من الخير والمعروف، قلَّ في هذا الزمان من يجمع بينهم؛ فلا الأوقات أو الصحة أو الطاقة الإيمانية أو النفسية تدرك كل هذه الخيرات، ولكن أولو العزم هم اللذينَ يستطيعون الولوج إلى الخير والبر من أبواب كثيرة، ويحاولون تحصيل أكبر قدر من شعب الإيمان.

وهذا والله يتطلب جهداً عظيماً ومجاهدة كبرى وهمة عالية. فكيف تتصور إنساناً يقوم ليصلي الفجر في وقته في المسجد، ويصوم أيام التطوع، ويحاول جهده قيام الليل، وهو في الوقت نفسه  يحافظ على عمله في الوحدة الصحية، ويذهب إلى عيادته الخاصة، يقضى حاجات الناس، ويشرف على موقع صوت السلف، ويصنف الكتب، ويستقبل الناس، ويحل المشكلات.

إنها والله بركة العمر التي وهبها الله من قبل لأمثال النووي وابن تيمية، فقاموا بأعمال عظيمة للدين في سنوات قليلة. هذا والله هو التفسير الوحيد،. إنه التوفيق من الله (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)

وقد أثقلنا على الدكتور ياسر وأخذنا من وقته الكثير والكثير للإجابة على هذه الأسئلة.

ونحن نشكره على استجابته لدعوتنا للحوار معه عبر الانترنت، وأرجوا له كل التوفيق.

ونعدكم قريباً بحوار أخر مع الدكتور الإنسان/ جمال برهامي.

 

أولا وفي البداية، نرحب بفضيلة الدكتور ياسر برهامي.

أولا: أقول لكم: جزاكم الله خيراً على هذا التواصل الذي تحتاجه حركتنا وصحوتنا الإسلامية، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعمل بطاعته ونصرة دينه، وإعلاء كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجمعنا دائماً على ما يحب ويرضى في الدنيا، ويوم القيامة في جنته.

 

دكتور/ ياسر، حدثنا عن بطاقتك الشخصية بشيء من التفصيل؟

اسمي "ياسر حسين محمود برهامي حشيش".

ولدت في يوم الثلاثاء 25من صفر1378هـ، الموافق 9سبتمبر 1958م في مدينة "كفر الدوار- محافظة البحيرة"، حيث كان الوالد -رحمه الله- يعمل مهندساً في شركة "كفر الدوار للغزل والنسيج".

وبعد أشهر انتقلت الأسرة إلى "الإسكندرية" حيث قضيت معظم سني عمري.

ووالدتي -رحمها الله- ربة منزل، وكان والدها "الشيخ/ محمد الطوخي" -رحمه الله- من رجال الأزهر.

وأنا الأصغر في إخوتي: د/ آمال، ثم د/ سناء -رحمها الله-، ثم د/ جمال الدين، وبيني وبينه ثمان سنوات.

وكان خامسنا عمي د/ برهامي الذي أخذه والدي -رحمه الله- لتربيته عنده بعد وفاة والدهما -رحمه الله- فنشأ كأخ أكبر لنا، وبحمد الله كان التدين هو السمة الظاهرة في الأسرة.

انتهيت من دراستي الثانوية سـنـ1976ـة م بتفوق -بحمد الله- ودخلت كلية الطب، وانتهيت منها سـنـ1982ـة م بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف.

وتزوجت سـنـ1989ـة، ولي ثلاثة أولاد: محمد 16 سنة، والحسين 13سنة، ومريم 7 سنوات.

وحصلت على ماجستير طب الأطفال سـنـ1992ـة م، وليسانس الشريعة الإسلامية من "جامعة الأزهر" فرع دمنهور بتقدير جيد جداً سـنـ1999ـة م.

 

كل حواراتك السابقة لم تذكر فيها شيئاً عن زواجك وقصته، وكفاح زوجتك معك؟

كان أخي الحبيب "الشيخ/ كمال عاشور" في الدفعة الأولى لـ"معهد الفرقان لإعداد الدعاة" الذي أسسته "الدعوة السلفية" عام 86، والذي أغلق عام 94، وكان دائماً يوصلني بسيارته إلى الدرس الأسبوعي بمنطقة الدخيلة.

وذات مرة سألني عن ابنته، أو بالأحرى ربيبته التي نجحت في الإعدادية بتفوق، وما الأمثل لها؟ استكمال الدراسة أم التفرغ لطلب العلم الشرعي؟ خصوصًا أن المشاكل كانت قد بدأت في ذلك التوقيت في التعامل مع الأخوات المنتقبات في المدارس. فقلت له: "إني أفضل للأخوات الملتزمات عدم استكمال الدراسة لما في المدارس والجامعات من اختلاط يفقد المرأة حياءها في الأغلب، فأنا أختار لها -إن هي وافقت- البقاءَ بالمنزل".

وأنا في الحقيقة لست ضد تعليم البنات، ولكني أرى الثمرة ضعيفة جداً، والثمنَ باهظاً، ويمكن تحصيل المطلوب بالمنزل، مع اختيار الأصلح من العلوم بدلاً من علوم أكثرها لا ينفع، وإنما يتعلمن لأجل الشهادات التي يحتجنها لا للعمل، بل للزواج نتيجة للأعراف الاجتماعية، ونسبة ضئيلة هي التي تستطيع أن تخدم المجتمع بضوابط شرعية، وهي موجودة -بحمد الله- كالطبيبة المسلمة، والمعلمة المسلمة.

أنا في الحقيقة لست ضد تعليم البنات، ولكني أرى الثمرة ضعيفة جداً، والثمنَ باهظاً، ويمكن تحصيل المطلوب بالمنزل، مع اختيار الأصلح من العلوم

ثم نسيت هذا الموضوع حوالي السنتين كان لي خلالها تجربة غير ناجحة في الزواج انتهت بالانفصال قبل الدخول.

وبدأت أبحث من جديد فتذكرت النصيحة التي نصحت بها أخي "كمال" في شأن ربيبته، فسألته عنها وماذا صنعت؟ فأخبرني أنها عملت بالنصيحة بالفعل وتركت الدراسة. فقلت في نفسي: "هل أنصحها أنا بعدم استكمال الدراسة، ثم أبحث عن حاصلة على شهادة؟!"

وكنت متخوفاً من المستوى التحصيلي، وبالتالي حصول التفاهم بيننا، فطلبت من "الشيخ كمال" أن يطلب منها قراءة كتاب منة الرحمن، وعمل ملخص له من الذاكرة بعد قراءته، وفوجئت بمستوى رائع لم أكن أتوقعه، وظننت أنه منقول من الكتاب، ولكن تأكدت مشافهة من ذلك أنه من الذاكرة، فاطمأننت تماماً، وتوكلت على الله.

وتقدمت وعلمت أنها خاضت معركة -مع عمها وخالها- من أجل النقاب، ثم من أجل الدراسة، حيث أنها نشأت يتيمة، وتزوج "الشيخ كمال" والدتها -وهي بنت عمه- من أجل تربيتها، وقد أحسن تربيتها -جزاه الله خيراً-، لكن كان لعمها وخالها اعتراض على النقاب، ثم على ترك الدراسة، وقالوا لها: "من سيتزوج فتاة بالإعدادية؟"

فلما تقدمت لها كان أمراً غريباً عليهم حتى حاول البعض عرقلة الزواج، لكنه تم -بفضل الله تعالى-.

وتأكدت أكثر أن الشهادات لا أثر لها في المستوى التحصيلي والعلمي، ولا في التفاهم، فهذه الأمور هبة من الله -تعالى- يمن بها على من يشاء من عباده، والحمد لله على نعمته.

وكنت قد تزوجت في جزء من شقة والدي -رحمه الله- لعدم وجود إمكانيات غير ذلك، فكان الأمر يحتاج إلى فقه في المعاملة، حتى لا تقع المشاكل التقليدية بين الأم وزوجة ابنها، لاسيما وقد كنت أقرب أولاد أمي إليها -رحمها الله-.

وبحمد الله -تعالى- وفق الله زوجتي ووالدتي لما يحب ثم أُحِبُ من العلاقة الحميمة الوطيدة التي كانت تماماً كعلاقة الأم بابنتها لا بكَنـَّتِها.

وابتلانا الله -تعالى- بعدم الإنجاب أربع سنوات دون سبب ظاهر، فكانت من رحمة الله بنا لندرك بذلك أنواعاً من العبادات والدعوات، أرجو الله أن تكون سبباً في صلاح الأولاد.

ثم كانت فترة التضييق على الدعوة منذ سـنـ1994ـة م، وبحمد الله كانت زوجتي دائماً سبباً في الطمأنينة داخل البيت، وعدم الاضطراب رغم كثرة المشاكل، وكذلك كانت خلال فترة الاعتقال سـنـ2002ـةم. أسأل الله أن يديم علينا نعمته ومنته، وأن يجمعنا يوم القيامة في جنته.

 

هل يغفل السلفيون دور المرأة في حياتهم ؟ وفي معظم كتاباتهم؟ حيث أنهم لا يتحدثون في حواراتهم عن دور أمهاتهم أو زوجاتهم في حياتهم؟

الحقيقة أن السلفيين لا يغفلون دور المرأة، ولكن كانت مهمتهم الأولى دائما هي تأكيد قضايا التوحيد والإتباع والدعوة والتربية، فكانت أكثر مصنفاتهم في هذا المجال، وأما دور المرأة فغالبا ما يذكر من خلال التراجم.

والإخوة في "الدعوة السلفية" لا يزالون -بحمد الله- أحياء، ولم يترجم لهم حتى يتسنى للناس معرفة دور الأمهات والزوجات والأخوات.

وأنا أعلم أن حضرتك تريد أن تسمع مني في ذلك، وأنا لا أمتنع؛ فكما علمنا السلف من خلال الحديث والسيرة دور زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- وبناته والصحابيات الفضليات، وأوضحوا بما نقلوا لنا علمهن وعملهن وسلوكهن، فلا مانع شرعاً عندنا من ذكر ذلك طالما كان للمصلحة.

وصيتي لكل أخ له أم أو أب أحياء ألا يترك الفرصة تفوته في الاستمتاع ببرهما.

أما أمي -رحمها الله تعالى- "السيدة/ سعاد الطوخي"، فلا أزال إلى يومي هذا حزيناً على فوات الاستمتاع ببرها، فقد كنت -والله- مستمتعا ببرها، أساعدها في غسل الأطباق وعصر الغسيل ونشره وغير ذلك، مستمتعا به، لأنها كانت رحيمة جدا، لو نظرت إلى رَجُلَيْن يتضاربان في الشارع لا تعرفهما لسبقتها دموعها شفقة ورحمة، ومع ذلك كانت واعية قوية لا تضعف عند المحن.

عندما حصل لي اعتقالي الأول في حياتها، وحضروا للمنزل كنت أكفها عن الكلام الغليظ لمن أتوا، ورغم حبها الشديد لي وحرصها علي لم تطلب مني يوما أن أترك الدعوة أو حتى أن أقلل منها.

لقد وقفت معي بكل مشاعرها حين اخترت ترك العمل الحكومي مدة عند مشكلة حلق اللحية والتجنيد، ربما طالبني والدي بحلق اللحية، ولم تطلب هي مني ذلك يوما، بل كانت تشجعني على الخير والطاعة.

ويوم أن التحى د/ جمال -حفظه الله- وكان ذلك قبل امتحانات الماجستير بقليل، وسمع تهديدات وتوعدات بعدم النجاح من أساتذته إن لم يحلق، فاستمر، وكان ذلك بمباركتها وموافقتها.

حسن الخلق، وطيبة القلب سجية فطرية عندها تستوعب كل من حولها، وكما سبق في قصة زواجي، عاملت زوجتي كأنها ابنتها وربما أكثر، ولذا فقد شَعَرَت زوجتي عند فقدها أنها فقدت أمَّاً.

وصيتي لكل أخ له أم أو أب أحياء ألا يترك الفرصة تفوته في الاستمتاع ببرهما.

 

لم تتحدث من قبل عن أولادك؟ وماذا ترجوه لهم في الدين والدنيا؟ وما هي طريقتك العملية في تربيتهم؟ مع ذكر نماذج عملية في تربية الأولاد مرت بك شخصيا وتحب أن يعرفها القراء؟ كيف يتعامل د/ ياسر الأب مع ابنه المراهق؟

محمد ابني الأكبر عمره 15 عاما في الصف الثاني الثانوي حفظ القرآن، وإن كنت أرجو له مزيد الإتقان فيه، وأرجو له أكثر صدق الالتزام، والعمل بالقرآن، وطلب العلم، والاجتهاد في العبادة، حتى يكون من العباد العاملين الدعاة إلى الله، وأدعو الله أن يوفقه لما فيه الخير له في دنياه وأخراه، فهو يريد أن يدخل كلية الطب، ولا ندري أين الخير، فأسأل الله له ولإخوته خير الدنيا والآخرة ما علمنا منه وما لم نعلم.

أما الحسين فعمره 13عاما في الصف الأول الإعدادي، أرجو الله له التوفيق في طاعته، وأن يعافيه مما يشغل عنها، وأن يوفقه في أن تكون اهتماماته في العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصحبة الصالحة.

كثير من الإخوة يطلب أن يكون أبناء الشيوخ وأبناؤهم أيضا مثاليين بلا أخطاء، بل وبلا لهو ولعب!، كيف والمجتمع يؤثر فيهم أكثر مما نؤثر نحن؟، فالتوازن والواقعية في التربية أمر لابد منه.

وأما الصغيرة مريم فسبع سنوات في الصف الأول الابتدائي الأزهري، مازالت زهرة بلا شوك، أسأل الله أن يحفظها، ويرزقها من فضله ورحمته عفة وحياءً وحباً لله ورسوله.

وملخص ما أرجوه لهم ما قاله أخونا الشاعر عثمان على لساني في المعتقل:

محمد يا بني دعوت ربـــي

بأن تهدى وبالتقـوى تحـــف

سلامي للحسين من فؤادي

سلام من فؤاد لــــه يــــــرف

دعوت الله أن تحيى سعيدا

مقيما في الصـــلاح وما تكف

فبحر الحب للأبناء جــــــار

فما يخفى الــــوداد وما يجف

مريم ابنتي نور العيــــــون

لها مني نصـيحة لـم تـــــزف

أذكرها الحياء مع العفـــاف

وأرجـــــــوها عن الدنيا تعف

وأما عن مثال لموقف تربوي: فأنا أحاول أن أحقق لهم التوازن بين الجد واللعب، حسب ما يقتضيه سنهم، فلا أمنعهم من مباح ممكن، مع عدم التفريط في واجبات دينهم ودراستهم.

وإن كان الأمر ليس سهلاً، ولكني أحاول استيعاب الموقف خاصة مع كثرة الممنوعات لدينا، والتي لا نستطيع أن نفرط فيها، فلا يوجد لدينا تليفزيون، ولكن يوجد كمبيوتر، ولا يمكن السماح بالسينما ولا بالشواطئ في فترات الازدحام والصيف والاختلاط والمنكر.

ولكن توجد رحلة سنوية للإجازة، ورحلات أسمح بها مع زملائهم ومدارسهم، وهم يلعبون بالمنزل فهذه طاولة الصالون والنجفة مكسرة من لعب الكرة، وأمهم حزينة لذلك، ومع ذلك لابد لهم من اللعب.

وكثير من الإخوة يطلب أن يكون أبناء الشيوخ وأبناؤهم أيضا مثاليين بلا أخطاء، بل وبلا لهو ولعب!، كيف والمجتمع يؤثر فيهم أكثر مما نؤثر نحن؟، فالتوازن والواقعية في التربية أمر لابد منه.

وفي البداية والنهاية الدعاء والتضرع إلى الله أن يكونوا صالحين من أهل الجنة.

 

كيف يتعامل د/ ياسر الأب مع ابنه المراهق؟

إن التربية بالحب وتنميته بالمشاعر الصادقة بين الطرفين هو أعظم أهمية من التوجيه المباشر والنصيحة الجافة

مرحلة المراهقة مرحلة حساسة جدا وتعاملي مع الأولاد فيها أجتهد فيه أن أبتعد عن العنف، ومحاولة الدفع غير المباشر إلى صحبة صالحة بعيدا عن أصدقاء السوء، مع التوازن والواقعية كما ذكرتهما في الإجابة السابقة، والتي يدل عليهما قول عائشة -رضي الله عنها-: (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ).

ثم إن التربية بالحب وتنميته بالمشاعر الصادقة بين الطرفين هو أعظم أهمية من التوجيه المباشر والنصيحة الجافة التي يسديها البعض لأولادهم كأوامر عسكرية من قائد لجنوده في حالة حرب وطوارئ مستمرة، تجعل المنزل عند الأولاد كمعتقل يلزم الفرار منه، أرجو من الله أن أنجح.

وهناك سلسة شرائط "كيف نفهم المراهقين" للشيخ محمد إسماعيل. في فن التعامل مع المراهقين، وكتاب الشيخ سعيد عبد العظيم "الإشكالية المعاصرة في تربية الطفل المسلم" يمكن الرجوع إليهما.

 

كيف بدأ حبك للدين؟ وما هو أثر الوالدين في ذلك؟ وهل كان لمحنة والدك وعمك مع الإخوان سنة 1965 أثر في نشأتك الإسلامية؟

حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وحب دينه فطرة إنسانية في قلب كل منا، غذَّاها الوالد -رحمه الله- وتوجيهه للأسرة كلها نحو الالتزام بالدين، ثم كان الوالد -رحمه الله- صديقاً لي لاسيما حيث كانت شدته التي عـُرف بها قد خفت أو زالت بتقدم السن، وكنت أنا أصغر إخوتي فانتفعت جدا بمصاحبته. وأنا قد اخترت استعمال لفظ الصديق إرشادا للآباء، فإن هذه الصداقة والمصاحبة لها أعظم الأثر في تكوين شخصية الابن.

ورغم أنه بسبب ما مر به من محن كان متحفظاً على بعض صور الالتزام، لكن كان يعوض هذا التحفظ جرأة الوالدة -رحمها الله- في هذا الجانب، وحبها الشديد الذي كان مؤيداً لي على طول الطريق.

وعلى سبيل المثال فصلاة الفجر في المسجد لم يكن يعرفها في ذلك الزمن إلا من خرج على المعاش، وربما بلغ السبعين، وأتذكر حينما كنت أدخل المسجد لصلاة الفجر لم يكن يصلي إلا حوالي الخمسة أو الستة سنهم من 60-80 سنة، فكان الوالد متحفظا على صلاة الفجر في المسجد خوفا علي، حيث أنه كان في تلك الأيام من يفعل ذلك يعدُ رجعيا على اصطلاح ذلك الزمان، ولكن سرعان ما أصبح هو يصلي الفجر في المسجد، ويوقظني إذا تأخرت وكذا الوالدة والحمد لله.

وكذا قضية اللحية، اعترض أولاً، ثم أطلق لحيته بعد ذلك، فكان اعتراض الوالد لا يصل إلى حد الغضب أو الخصام أو حتى التعنيف -والحمد لله-.

ثم كانت محنة عمي "د/برهامي" أشد أثراً على الأسرة كلها، فقد اعتقل والدي أولاً أيام سـنـ1965ـة، ولما خرج وجد عمي الذي يعتبره ابنا له بالتربية قد اعتقل، فكان يبكي بكاء شديداً خوفاً عليه مما يحدث، وأنا لا أزال أتذكر صورته إلى الآن، وكنت قد بلغت السابعة، فطلب مني المحافظة على الصلاة والدعاء أن ينجي الله عمي "برهامي".

وكنت أنا وعمي شريكان في سرير واحد قبل اعتقاله، فكان هذا الاضطهاد - الذي لا سبب له إلا مجرد التزام جزئي بالدين - من أكبر المؤثرات في دفعي نحو التدين خصوصاً أن هذا الاعتقال استمر خمس سنوات.

وكنا نزوره خلالها في مزرعة "طره"، ولا أزال أتذكر صوراً من هذه الرحلات حين كنا نمشي في حر الشمس حوالي 3كم. لم تكن هناك وسيلة انتقال داخلية في السجن مثل "الطفطف" في هذه الأيام، بل نحمل الزيارة هذه المسافة حتى نلتقيه لساعة أو ساعتين، وذلك بعد حوالي سنتين من الاعتقال دون زيارة حيث كانت ممنوعة، ثم بعد الزيارة نتغدى في أحد المطاعم غداء شهياً.

لقد كان داخل الإخوان توجهات سلفية قوية متأثرة بجهود الشيخ "محمد رشيد رضا" الذي كان أستاذاً للشيخ "حسن البنا"، وكذا جهود الشيخ "حامد الفقي"، والشيخ "محب الدين الخطيب"

وكان لثبات عمي -حفظه الله- والروح المعنوية العالية التي كان وهو وإخوانه يتمتعون بها الأثر الكبير في هذه النشأة.

وكان عمي يلخص كتابي "سبل السلام" و"المغني"، والنسخة التي عندي إلى الآن من "زاد المعاد" كانت هدية منه للوالد.

لقد كان داخل الإخوان توجهات سلفية قوية متأثرة بجهود الشيخ "محمد رشيد رضا" الذي كان أستاذاً للشيخ "حسن البنا"، وكذا جهود الشيخ "حامد الفقي"، والشيخ "محب الدين الخطيب" الذين يـُعدون من قرناء الشيخ "البنا" رحمهم الله جميعاً.

وأول نسخة رأيتها من كتاب "معارج القبول" كانت أيضاً من عمي.

شقيقتي الدكتورة سناء -رحمها الله- كانت هي وأخرى الطالبتين الوحيدتين المحجبتين في الكلية -حجابا ليس بالشرعي في الحقيقة- ولكنه كان طفرة هائلة في ذلك الوقت- ثم كانت هداية الله -سبحانه وتعالى- قبل هذه الأسباب وبعدها. فالحمد لله.

 

ظل عمك محبوسا من سنة 1965 وحتى سنة 1970، ثم خرج بعدها لتقترب منه وتتعلم منه، فما هو أثره؟ ولماذا لم يؤدِّ ذلك إلى دخولك الإخوان رغم أن أسرتك كانت إخوانية؟

بعد خروج عمي ظل معنا حوالي سنة أو أكثر إلى أن تزوج، وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية، وكان يعلمني بعض التجويد والصلاة من كيفية القعود ورفع اليدين ونحو ذلك.

وبعد زواجه كان تيسير الله لي بأن وجدت كتاب "رياض الصالحين"، فقرأته وعندما وجدت فيه فضل صلاة الجماعة في المسجد بدأت في المواظبة عليها.

وكانت إمكانياتي البدنية ضعيفة، ولا أحسن اللعب، فلم أنشغل بما يشغل الشباب في تلك المرحلة، ووجدت في القراءة، ثم التفوق والدراسة بديلاً عن ذلك، ولم يكن للإخوان في ذلك الوقت أي نشاط أو تنظيم، وكما ذكرت كان عمي متأثرا في الحقيقة بالتوجهات السلفية داخلهم دون تسميات طبعا، ولم يكن هناك تعصب أو محاولة استقطاب، بل كان الإخوان في ذلك الوقت يمثلون روح التدين العام، والاتجاه الذي يستوعب طاقة الشباب.

وكان لكتاب "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" للأستاذ/ سيد قطب أثرا كبيرا في تعميق هذا التوجه، فلذا لم يكن هناك توجه ولا رغبة في الانضمام للإخوان كتنظيم.

 

حدثنا عن ياسر برهامي الطالب بالمدرسة الثانوية... آمالك... نشاطاتك الدعوية... أفكارك... زملائك في الدعوة... ذكرياتك الجميلة.

ثم جاءت المرحلة الثانوية مؤكدة على نفس التوجه من خلال الاشتراك في الجماعة الدينية بمدرسة اسمها جمال عبد الناصر الثانوية العسكرية، وكانت تحت إشراف الأستاذ -الدكتور حالياً- "شاكر القطان" ذي الاتجاهات الإخوانية، مثل التي ذكرت عن عمي ووالدي، ولم يكن يحجر علينا في شيء، بل كان يمثل لنا الغطاء الآمن للعمل في المدرسة، وكان لمجموعتنا التي شاركت العمل في الجماعة الدينية الأثر الكبير على بعضنا البعض.

كان معي في الفصل 1/2، ثم 2/2، ثم 3/2، وفي الجماعة الدينية أخي الحبيب رفيق العمر، الذي له المنزلة الخاصة جداً عندي "الشيخ/ أحمد حطيبة"، وكان كل منا معيناً للآخر على زيادة العلم والالتزام والدعوة.

ولا أزال أتذكر أبيات شعره التي كتبها لي إهداء لنسخة من الجزء الثامن من الأجزاء الصغيرة من كتاب فقه السنة، وكذلك كنت أكتب له الإهداء على الكتب.

وكذا الأخ الحبيب "د/ مصطفى خليل"، وتوطدت العلاقة جدا بيننا في الدراسة والإجازة الصيفية، ورحلات المدرسة المشتركة وظلت هذه العلاقة -بحمد الله- إلى يومنا هذا، على هذا الحب الذي أرجوه صادقاً خالصاً في الله -تعالى-، وأن يجمعنا يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

أرجو أن يكون لأبنائي مثل إخواني هؤلاء تعاونا على البر والتقوى، وبعداً عن الفساد والمنكرات.

أتذكر يوم أن بلغنا وجوب إعفاء اللحية، وراجعتها من "فقه السنة"، وذلك قبل أن نلتقي بالمشايخ الكرام "د/ محمد إسماعيل"، و"د/ أحمد فريد"، و"د/ سعيد عبد العظيم"، إذ هم يكبروننا بنحو الست سنوات، فنقلت هذا الأمر لإخواني فأطلقنا اللحية جميعاً قبل أن ندخل الجامعة، وكان نجاحنا بتفوق في الثانوية العامة، حيث دخلنا أنا و"د/ مصطفى" كلية الطب، ودخل "د/ أحمد حطيبة" طب الأسنان، والتقينا بإخواننا في الجامعة فكانت مرحلة جديدة من العمل الدعوي وطلب العلم.

 

كيف ترى بعد عمرك الطويل في الدعوة إلى الله أمثل الأساليب لهداية الشباب وخاصة في مرحلة المراهقة؟

إن من أهم الوسائل لهداية الشباب -بعد التأثير الأساسي للأسرة- الصحبة الصالحة، ويكفي في أهمية ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: (هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)، ونصيحة العالم للتائب مِن قتلِ مائة نفس فإنه قال له: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ)، ثم مصاحبة الكتاب النافع، وملازمة المسجد، ولعلها كانت -بفضل الله تعالى- من أسباب التزامي، جعلنا الله من المهتدين.

 

من هو أول داعية نقش في قلبك وجوارحك معاني الإسلام والدعوة والتربية الإسلامية العظيمة،. وهل لنا أن تذكر لنا بعضا من ذكرياتك معه؟

الحقيقة أن زمن الشباب بالنسبة لنا كان عدد الدعاة والشيوخ فيه قليلاً، كما ذكرت في مرحلة الستينات كان الأثر الأول لوالدي وعمي.

وفي السبعينات أذكر خطيباً مؤثرا اسمه "الأستاذ صادق" لا أدري أين هو الآن؟ كان يأتي في الصيف يخطب في مسجد "الشهيد عزت" بجوار منزلنا، وكان أسلوبه يتميز بالسمو الفكري، فكانت تعجبني خطبته.

ثم "الأستاذ/ شاكر القطان" المشرف على الجماعة الدينية، ثم الشيوخ الأفاضل شيوخ "الدعوة السلفية" الحاليين "د/ محمد إسماعيل"، و"د/ أحمد فريد"، و"د/ سعيد عبد العظيم"، و"الشيخ محمد عبد الفتاح" "أبو إدريس".

 

لماذا اخترت كلية الطب بالذات؟ وهل ترى أن مهنة الطب هي أقرب المهن لخدمة الدعوة الإسلامية دون رياء ولا سمعة؟

ولا أشك أن مهنة الطب من أعظم المهن تأثيراً في الناس مع حسن الخلق، وترك الكبر والرياء

كنت وأنا صغير كثيراً ما أمرض، وكثيراً ما تذهب أمي بي للأطباء، وكان تعاملهم مختلفا ومتفاوتا، منهم من أحببته، ومنهم من كنت أكره الذهاب إليه، فكانت تحدثني نفسي دائما أن أكون طبيبا، وطبيب أطفال على وجه التحديد، ألاعبهم وألاطفهم، وأخفف عنهم آلامهم، وكبرت معي هذه الرغبة حتى تحققت -بفضل الله-.

ولا أشك أن مهنة الطب من أعظم المهن تأثيراً في الناس مع حسن الخلق، وترك الكبر والرياء، عافانا الله من كل أمراض القلوب.

 

عيادتك أنت وشقيقك صانع الخير الأستاذ الدكتور/ جمال برهامي , أستاذ الجراحة، وشقيقتك أ.د/ آمال برهامي (أستاذة الجلدية)،. هي العيادة الوحيدة التي قرأت بداخلها يافطة مكتوب عليها كلمات جميلة أعجبتني جدا وهي: "أخي إذا لم تستطع دفع الكشف فلا تستح أن تطلب الإعفاء منه أو بعضه "،. هذه الكلمات هزتني من الداخل؟ فما هي قصة هذه الكلمات؟ ومن الذي تأثرت به من الأطباء في فعل الخير حتى صارت أسرتكم الطيبة علماً في صنع الخير للناس؟

حقيقة هذه الكلمات كتبتها من أول ما افتتحت العيادة سـنـ1984ـةم، ولم تزل هذه نيتي قبل أن أتخرج، لا أتذكر أني وجدتها عند أحد، ولكنها هبة من الله مَنّ بها علي، وأوجدها في نفسي، طبقها معي أخي الحبيب "د/ جمال الدين برهامي" -حفظه الله- الذي أحبه في الله قبل كونه شقيقي؛ فنعم العون كان لي، يوم أن أطلقت لحيتي وقف بجانبي، ووقتها لم يكن هو قد التحى بعد، ثم أطلقها بعد ذلك، ويوم أن رغبت في السفر للعمرة وقف أيضا بجانبي وهو الذي أوصلني إلى الميناء، ودائما كنا معا على الخير -بحمد الله-.

وقد كانت رغبتي عجيبة عند أهل زماننا، حيث كان الحج والعمرة لكبار السن فقط، ولم يكن يطلق لقب (الحاج) إلا على كبار السن.

وأما "د/ آمال" ففي طبعها وفطرتها خدمة الآخرين خصوصاً الضعفاء والفقراء -حفظها الله وسددها-.

 

بماذا تنصح الطبيب المسلم لكي يجمع بين الدين والدنيا، وأنت من القلائل الذين جمعوا ذلك؛ إذ أن كثيرا من الدعاة الأطباء تركوا الطب وتفرعوا للدعوة؟

أنا أنصح بتنظيم الوقت وتقسيمه بين الواجبات المختلفة، ومع الدعاء وطلب البركة من الله وإعطاء كل ذي حق حقه يمكن الجمع -إن شاء الله- بين الطب والعلم والدعوة إلى الله.

 

إلى هنا ينتهي الجزء الأول من حوارنا الثري مع الداعية الشهير والطبيب الناجح د/ ياسر برهامي، مع وعد بلقائكم في الجزء الثاني من حوارنا معه قريباً إن شاء الله. وله منا كل الشكر على تفضله بالإجابة على أسألتنا؛ فقد أخذنا من وقته الثمين الكثير والكثير.


صوت السلف
www.salafvoice.com

مواد ذات صلة
اقرأ أيضا