الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 25 يوليه 2024 - 19 محرم 1446هـ

الكبائر (43) النمص والوصل والوشم (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء: 31).

- والنمص والوشم والوصل والتفليج، من الكبائر التي ورد في حقها تهديد ولعن؛ لما فيها من الغش والتدليس، والاعتراض على القدر بالتغيير للخلق: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقالَتْ: إنَّه بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقالَ: وما لي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، ومَن هو في كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقالَتْ: لقَدْ قَرَأْتُ ما بيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَما وجَدْتُ فيه ما تَقُولُ، قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقَدْ وجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فإنَّه قدْ نَهَى عنْه، قالَتْ: فإنِّي أرَى أهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ، قالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِن حَاجَتِهَا شيئًا، فَقالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنَا" (متفق عليه)، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، قال القرطبي -رحمه الله-: "وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها، وأنها من الكبائر" (تفسير القرطبي).

- الإشارة إلى انتشار هذه المنهيات في زماننا، وتهاون النساء بشأنها، بل انتقلت إلى الذكور المتخنثين، والمشاهير من الفنانين، ولاعبي الكرة، ونحوهم.

(1) المقصود بالنمص والوصل والوشم والتفليج:

- النمص هو: ترقيق الحواجب وتدقيقها طلباً لتحسينها، والنامصة التي تصنع ذلك بالمرأة، والمتنمصة التي تأمر من يفعل ذلك بها، والمنماص المنقاش.

- الوصل: الْوَاصِلَةِ: الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرِ النِّسَاءِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: الْمَعْمُولُ بِهَا.

- الوشم: وَهِي أَن تغرز الواشمة إبرة وَنَحْوهَا فِي شَيْء من بدن الْمَرْأَة حَتَّى يسيل الدَّم، ثمَّ تحشو ذَلِك الْموضع بكحل فيخضر، والمستوشمة هِيَ الَّتِي تطلب فعل ذَلِك بهَا، ومن الناس من ينقش على صدره امرأةً عاريةً، أو صليبًا، أو معبودَ كفار، أو عبارةً شركية، أو اسمَ محبوبته، ونحو ذلك.

- التفليج: وهو بَردُ الأسنان بالمِبْرد للتفريق بينها للحُسْن.

(2) حكم النمص والوصل والوشم والتفليج:

- دل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريمها جميعًا؛ لما اقتضته من جلب اللعن لفاعلها، وإليك بعض كلام العلماء في ذلك:

أولًا: حكم النمص:

قال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص، التماس الحسن؛ لا للزوج ولا لغيره؛ كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج، وعكسه" (نقله الحافظ في الفتح)، أما إن كان لها شارب ولحية على غير المعهود فإنهم يقولون: لا بأس أن تزيل ذلك، بل بعضهم يقول: يستحب؛ كالنووي رحمه الله. (انظر: شرح النووي على مسلم 14/ 106).

- فأين الرجال الذين يزيلون شعور وجوههم من ذلك؟ بل منهم مَن يتنمص كالنساء! فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَال:" لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري)(1).

ثانيًا: حكم الوشم:

- قال النووي: "هوَ حَرَامٌ عَلَى الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا بِاخْتِيَارِهَا وَالطَّالِبَةِ لَهُ وَقَدْ يُفْعَلُ بِالْبِنْتِ وَهِيَ طِفْلَةٌ، فَتَأْثَمُ الفاعلة ولا تأثم الْبِنْتُ؛ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهَا حِينَئِذٍ" (شرح النووي على مسلم).

- ماذا يفعل إذا تاب إلى الله من ذلك؟ قال العلماء: تجب إزالته إن أمكنه؛ إلا إن خاف منه تلفًا أو فواتَ منفعةَ عضو، فيجوزُ تركه، وتكفي التوبةُ في سقوط الإثم، ويستوي في هذا الرجل والمرأة، ويستره عن الناس ما أمكنه.

ثالثًا: حكم الوصل:

- الوصل (الباروكة ونحوها) لا تجوز للعروس المقبلة على الزواج؛ فغيرها أولى: عن أَسْمَاءَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتي أصابَتْها الحَصْبَةُ، فامَّرَقَ شَعَرُها، وإنِّي زَوَّجْتُها؛ أفَأَصِلُ فِيهِ؟ فقالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمَوْصُولَةَ) (متفق عليه)؛ فكيف برجال يفعلون ذلك متشبهين كذلك بالنساء؟!

- وأين هؤلاء من أهل الورع؟! جاء رجل إلى ابن سيرين فسأله فقال: "إن أمي كانت تمشط النساء، أترى لي أن آكل من مالها وأرثه عنها؟ فقال: إن كانت لا تصل؛ فلا بأس" (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر).

رابعًا: حكم التفليج:

- قال النووي -رحمه الله-: "وأما قوله: (المُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ) فمعناه: يفعلن ذلك طلبًا للحسن. وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس. والله أعلم" (شرح صحيح مسلم).

- وأما عمليات تقويم الأسنان فغاية ما فيها إعادة الأسنان إلى وضعها الطبيعي، وإزالة ضرر يمنع من نطق بعض الحروف، أو استواء نطقها، أو تسبب بوضعها الحالي تحشي الأوساخ وبقايا الطعام في الأسنان، وتسبب أذى نفسياًّ للبعض من هجوم الفك إلى الإمام، ونحوه.

(3) حكمة تحريم النمص والوشم والوصل والتفليج:

- بداية.. المسلم مستسلم لأمر ربه ونهيه؛ سواء ظهرت له الحكمة أو لم تظهر: قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور: 51).

- قال القرطبي: "اختلف في المعنى الذي نهي لأجلها؛ فقيل: لأنها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله -تعالى-، كما قال ابن مسعود، وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول. ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه من باب تغيير خلق الله -تعالى-، فأما ما لا يكون باقيًا: كالكحل، وما تتزين به النساء؛ فقد أجاز العلماء ذلك" (تفسير القرطبي).

(4) عقوبة فاعل هذه المنهيات؟

- هو مذموم، مخالف لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -عز وجل-: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7).

- هو ملعون من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ يمشي في الدنيا تطارده لعنة الله وغضبه عليه، ثم يكون عقاب لازم اللعن في الآخرة أشد؛ فكيف إذا جمع الفاعل بين أكثر من منهي من هذه المنهيات؟ بل إذا الفاعل رجلًا؟! قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ".

(5) ملخص كلام العلماء في حكم عمليات التجميل:

- عمليات التجميل التي تعمل لإزالة عيب أو تشوه ما؛ الأصل فيها الجواز والإباحة، وذلك من يسر الشريعة وتخفيفها على الناس(2): فعن عرفجة بن أسعد -رضي الله عنه- قال: "أُصيبَ أنفي يومَ الكِلابِ في الجاهليَّةِ، فاتَّخَذتُ أنفًا من ورِقٍ فأنتنَ عليَّ، فأمرَني رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أن أتَّخِذَ أنفًا من ذَهَبٍ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- وأما التجميل الزائد، وهو ليس من أجل إزالة العيب، بل لزيادة الحسن، فهو محرم لا يجوز(3)؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "لعن النامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة"؛ " ولما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي، وليس لإزالة العيب" (انظر كلام الشيخ ابن عثيمين - فتاوى علماء البلد الحرام).

خاتمة:

- أباح الإسلام للمرأة أن تتزين لزوجها بكل ما تستطيعه من أنواع الزينة المباحة التي لم يرد نص بمنعها وتحريمها؛ روى الإمام أحمد في المسند عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْتَضِبُ وَتَطَّيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا: ‌أَمُشْهِدٌ ‌أَمْ ‌مُغِيْبٌ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ كَمُغِيْبٍ، قُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ فَقَالَ: (يَا عُثْمَانُ، أَتُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ؟)، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (فَأُسْوَةٌ مَا لَكَ بِنَا) (رواه أحمد، وقال محققو المسند: صحيح لغيره).

- فليتق الله كل مسلم ومسلمة، ولا يعرض نفسه للعن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغضب الله وعقابه، وعنده الحلال المباح، الموافق للفطرة السليمة: قال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31)، وقال -تعالى-: (‌قُلْ ‌مَنْ ‌حَرَّمَ ‌زِينَةَ ‌اللَّهِ ‌الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 32).

فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هل يجوز النمص تزينًا للزوج؟

- ذهب بعض الشافعية إلى جواز النمص بقصد التزين للزوج؛ وذلك لكمال الإحصان، واحتجوا بأثر عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها-، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: "أميطي عنك الأذى ما استطعت" (ضعيف جدًّا؛ أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وقال الدارقطني عن العالية -امرأة أبي إسحاق-: مجهولة، لا يُحتَجُّ بها). والصحيح مذهب جماهير العلماء من تحريمه على الإطلاق؛ لحديث ابن مسعود المرفوع المتقدم، وقد أطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه التحريم ولم يقيده بالزوج، ولا غيره، وحديث عائشة -رضي الله عنها- لو صح؛ فهو محمول على شعر الجبين والخدين إذا ظهر للمرأة.

(2) كإزالةُ آثار الحروق والتشوهاتِ الناتجةِ عن الحوادث، وتتميمِ الأذن الناقصة، وإزالةِ البُقع المشوهةِ في الوجه، وكذا آثار البرص؛ فهذا كلُه لا بأس به؛ لأنه ليس تغييرًا للخلقة الطبيعية التي يريد صاحبها من خلالها التجملَ والتحسين، وإنما يريد إزالةَ ضرر وعيب قد يمنعه من النكاح، وقد يمنعها من الخطاب، ومن الرحمة في الشريعة بالبشرية: أنه لا ضرر فيها، بل إنها تحث على ما فيه منفعة للإنسان في دنياه وآخرته.

(3) كتصغير ثدي أو تكبيره أو رفع للأنف أو شد للوجنتين أو تضخيم للشفتين، ونحو ذلك! ويلحق بهذه الأشياء من الحرمة ما استحدث من رموش صناعية، وأنواع الطلاء التي صنعت لمثل ذلك، ومنها شد جلد الوجه بإجراء عملية جراحية أو بمواد كيميائية تؤدي إلى ظهور المرأة بأنها أصغر سنًّا وأكثر شبابًا، وهذا أيضًا نوع من التزوير والخداع والغش، وعدم الرضا بما خلق الله الخلق عليه وفطره عليه.