الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 02 سبتمبر 2019 - 3 محرم 1441هـ

الفساد (26)

منظمات المجتمع المدني أداة للإصلاح والتغيير أم وسيلة للإفساد؟ (2-3)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ المفهوم الغربي للمجتمع المدني برحلةٍ طويلةٍ عبر التاريخ، قبل الاستقرار على المعنى السائد حاليًا مع بداية الألفية الثالثة، فقد ظهر اسم المجتمع المدني في أوروبا لأول مرة تاريخيًّا عند (أرسطو) (384 ق م - 322 ق م)، الذي يشير المصطلح عنده إلى تجمع سياسي أفراده مِن مواطني الدولة يعترفون بقوانينها ويتصرفون وفقًا لها، فلا تمييز عنده بين الدولة والمجتمع المدني.

وبعد فترة طويلة من الاستبداد السياسي والإقطاعي في أوروبا، بدأ الاتجاه إلى التمييز بين الدولة والمجتمع المدني، وذلك مع قرب الدخول في القرن التاسع عشر وظهور الثورات الديمقراطية في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، حيث طرح (آدم فيرجسون) (1723م - 1816م) فكرة مضاعفة التجمعات المدنية للمواطنين في مجالات الحياة الاجتماعية، والتي تختلف عن المنظمات والمؤسسات الحكومية، لتقوم بحماية المواطنين من مخاطر الاستبداد السياسي وعسكرة النظام السياسي (راجع: أسرى المال السياسي: وثائق التمويل الأجنبي السري لمنظمات مصرية، تأليف عبد القادر شهيب - ط. مكتبة الأسرة 2015 م - ص 26 - 29).

كما صمم (مونتسكيو) (1689م - 1755م) صياغة المجتمع المدني بما يقترب من المفهوم الحالي، بوصفه دائرة تتوسط بين سلطة الدولة والمواطنين كأفراد، ثم جاء (توماس باينيس) في كتابه: (حقوق الإنسان) الذي أصدره عام 1791م ليميز فيه بوضوح بين الدول والمجتمع المدني من خلال وجود حكومة بسيطة غير مهيمنة ومجتمع مدني حر، وقد بنى فكرته تأثرًا بانتصار الثورة الفرنسية وبالثقافة السياسية الأنجلوسكسونية، إلى جانب إيمانه وحرصه على الحقوق الطبيعية للإنسان، فرأى تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني.

وعلى خلاف فكر (توماس) جاء الفيلسوف الألماني (فريدريك هيجل) (1770م - 1831م) ليطالب بدولة قوية تتفوق على المجتمع المدني، متأثرًا بما كانت عليه حالة البرجوازية مِن ضعف في ألمانيا وقتها، في مقابل تمتع الأرستقراطية البروسية بامتيازات كبيرة، والحاجة لتقوية الدولة الألمانية لفرض سياستها التنموية على جميع السكان الألمان، فهيجل لم يكن يؤمن بالحقوق الطبيعية للإنسان وبالتالي بالحقوق الطبيعية للمجتمع المدني في مقابلة الدولة، والدولة عنده ينبغي أن تكون قوية، وهناك بين الدولة والمجتمع المدني مواجهة تقوم على المصالح الاقتصادية، فالمجتمع المدني هو مجموعة من الأفراد من طوائف غير منتمية لطبقات اجتماعية تعمل طبقا للقانون المدني، يمثل دائرة أخلاقية تقع بين العالم العائلي البسيط والدولة عالية التميز (المصدر السابق: 27 - 28).

فـ"المجتمع المدني في غياب الدولة هو مجتمع يسوده الفرقة والصراع والتمزق لتجسيده المصالح الخاصة للأفراد والمتعارضة في الكثير من الأحيان، ولهذا لا يتحقق له الاستقرار والوحدة إلا في وجود الدولة" (راجع مفهوم المجتمع المدني: قراءة أولية، تأليف علي عبد الصادق - ط. مكتبة الأسرة 2007 م - ص: 29).

ومفهوم هيجل هذا يتفق مع مفهوم (كارل ماركس) (1818م - 1883م) الذي يرى المجتمع المدني ساحة للصراع الطبقي طبقًا لنظريته الماركسية حول الصراع الطبقي، وهي النظرية التي سادت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى "فالمجتمع المدني لدى ماركس هو أوسع وأشمل مِن الدول فهو الذي يقيم الدولة في مرحلة معينة مِن تاريخ الصراع بين الطبقات، وهو أيضًا الذي يؤدي إلى تلاشيها في نهاية الصراع، وبحسب طبيعة التكوين الطبقي في المجتمع المدني وعلاقات القوة السائدة بين الطبقات تتحدد علاقته بالدولة، فإذا تمكنت طبقة معينة أو قسم منها من فرض إرادتها على سائر الطبقات الأخرى، فإن الدولة تصبح مجرد تابع للطبقة المسيطرة اقتصاديًّا التي خرجت من عباءة المجتمع المدني، أما إذا تعذر على أي طبقة أن تستحوذ على هذا القدر مِن السيطرة فإن الدولة تظل في مواجهة المجتمع المدني، بل وتنصب نفسها قوة فوق المجتمع المدني" (المصدر السابق، ص 32).

بعد الحرب العالمية الأولى عاد مصطلح المجتمع المدني مجددًا للاستعمال بواسطة الإيطالي الماركسي (أنطونيو جرامشي) (1891 م - 1937م)، الذي لم يرَ في المجتمع المدني ما رآه ماركس وهيجل من كونه ساحة للتنافس الاقتصادي والصراع الطبقي، (إنما رأى فيه فضاء للتنافس الأيديولوجي، أو ما يمكن اعتباره رابطة للصراع حول التوجيه الفكري والثقافي أو الأيديولوجي للمجتمع، وقد توصل جرامشي لهذا التعريف للمجتمع المدني حينما ميَّز بين الحالة الروسية التي شهدت الثورة البلشفية وبين المجتمعات الغربية الرأسمالية، ففي روسيا كانت الدولة كل شيء بينما كان المجتمع المدني غير مكتمل، أما في الغرب الرأسمالي فقد كانت توجد بين الدولة والمجتمع المدني علاقة حقيقية؛ لأن بنية هذا المجتمع المدني كانت صلبة، وبالتالي انتهى جرامشي إلى أن إستراتيجية الطبقة العاملة في الغرب لا تستطيع -ولا يجب- أن تعيد إنتاج النموذج الروسي في الاستيلاء على السلطة، بل إن الطبقة العمالية الغربية عليها السيطرة على المجتمع المدني قبل أن تنخرط في صراع للسيطرة على المجتمع السياسي أو السلطة.

ومِن هنا يأتي الدور الإستراتيجي لطائفة المثقفين في المجتمع المدني، ويبدو أن هذا هو التحليل الذي تبناه الغرب الرأسمالي بعد عدة عقود لإنجاز التغيير السياسي في بلاد شرق أوروبا ثم في البلاد العربية" (انظر أسرى المال السياسي، ص 29).

بعد جرامشي قام الغرب الرأسمالي والليبرالي بمحاولات للتوصل إلى توافق حول صياغة المجتمع المدني مستفيدًا من التجارب التاريخية السابقة، فتم استبعاد صياغة (أرسطو) للمجتمع المدني، والاستفادة من المحاولات التي ظهرت بعده، واستقر الأمر على كون المجتمع المدني ساحة وفضاء مستقل عن الدولة لا يختلط بها ولا يضم أي مكونات منها، بعكس ما كان يراه أرسطو، وهو فضاء للصراع كما عند هيجل وماركس، ولكنه صراع اجتماعي يتم بشكل سلمي، وهو أيضًا فضاء يهتم بمبدأ الحقوق الأساسية الطبيعية ويقوم على رعايتها، وهو ما ذهب إليه (توماس باينيس) (راجع المصدر السابق، ص 30).

وهكذا تبلور مفهوم المجتمع المدني في الغرب ليكون وسطًا -وبديلًا- بين التنظيمات الإرثية كالأسرة والقبيلة -بل والجماعات العرقية والطائفية والمذهبية- وبين الدولة بكل مؤسساتها وتنظيماتها السياسية وغير السياسية بما فيها المؤسسات الأمنية (راجع: أسرى المال السياسي، ص 30-31)، حيث يختلف المجتمع المدني عنهما في أمور ذكرناها من قبل، من أهمها بالنسبة للمشتركين فيها أن العضوية في المجتمع المدني طواعية على عكس الانتماء لتنظيمات الأسرة والقبيلة -فعضوية الفرد لا اختيار له فيها- أو الانتماء لتنظيمات الدولة التي تكون مفروضة عليه، إلى جانب ما تكون عليه التنظيمات الإرثية وتنظيمات الدولة مِن تسلط قائم على الطاعة والامتثال، كما أن المجتمع المدني لا يمتلك حقوقًا قانونية لاستخدام القوة والعنف تجاه أعضائه مثل الدولة؛ فللدولة حقوق سيادية على كل مَن يعيش في نطاقها بما فيها الحق في استخدام المنع والمنح، والقوة والعنف كآليات للضبط الاجتماعي، وللفرد كذلك حرية الاشتراك في أكثر من منظمة من منظمات المجتمع المدني في وقت واحد دون أي مؤاخذة عليه.

دور المجتمع المدني الاجتماعي:

يرى علماء الاجتماع أن للمجتمع المدني دورًا لا غنى عنه في تحقيق التوازن الاجتماعي والسياسي في المجتمع، فهو حصن للأفراد ضد سطوة الدولة، وهو حصن للدولة ضد خطر الاضطرابات الاجتماعية العنيفة، وهو قيد على تعسف الحكام وتماديهم في استعمال السلطة، وهو يدير الصراع الاجتماعي الذي يكون طرفًا فيه بشكل سلمي، حتى ولو صاحبه اللجوء إلى تظاهر أو اعتصام أو إضراب أو عصيان مدني، فكل ذلك بعيد عن العنف العشوائي الذي يصحبه عادة تدمير وتخريب ونهب، يتسبب فيه أفراد أو فئات غير منخرطة في جماعات منظمة.

دور المجتمع المدني الاقتصادي:

تملأ منظمات المجتمع المدني في العادة الفراغ الذي تسببه سياسات اقتصاد السوق، حيث تتخلى الدولة عن تقديم بعض ما يلزم تقديمه مِن الخدمات الأساسية لأفراد المجتمع، خاصة من الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، فتقوم هذه المنظمات وبدرجة مؤثرة بسد جزء من تقصير الدولة في القيام بهذه الخدمات.

المجتمع المدني والعمل السياسي:

استقر علم الاجتماع على نزع الوظيفة السياسية عن المجتمع المدني رغم ما كان من ارتباط بينهما على مدى زمن طويل، فأرسطو رأى المجتمع المدني مرادفًا للدولة أو الجماعة السياسية، ومَن جاءوا بعده ظلوا يقدرون للمجتمع المدني دوره ووظيفته السياسية، باستثناء ماركس ومن قبله هيجل الذي رأى في المجتمع المدني ساحة للصراع الطبقي، فالغلبة عنده للدور الاجتماعي والاقتصادي، بينما جاء فهم جرامشي للمجتمع المدني مدخلًا للنظر إليه كآلية من آليات التغيير السياسي والوصول إلى السلطة، إذ رأى في ذلك سبيلًا للاشتراكيين للوصول إلى السلطة في أوروبا، من خلال السيطرة على وحدات المجتمع المدني أولًا قبل القفز إلى السلطة، وهو ما تعمق من خلال دعاة الحقوق المدنية في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا في إحداث التغيير السياسي في بلادهم وتحقيق الديمقراطية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ورغم كل ذلك جاء المشروع الدولي الحالي للمجتمع المدني بنزع الوظيفة السياسية للمجتمع المدني، حيث أكَّد على أن أحد سمات المجتمع المدني أن يكون غير مسيس، أي لا يسعى إلى السلطة ولا يساند حزبًا سياسيًّا ولا يدعم مرشحًا في انتخابات (المصدر السابق، ص 34-35).

وظيفة جديدة للمجتمع المدني:

أضافت النخب الحاكمة في الغرب للمجتمع المدني دورًا جديدًا يتمثل في تعبئة الجماهير وقيادة التغيير السياسي والديمقراطي في الدول العربية، ودول العالم الثالث التي ترزح تحت حكم متسلط أو ديمقراطي شكلي غير حقيقي، على غرار ما حدث في دول شرق ووسط أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أي تحول منظمات المجتمع المدني مِن أداة لتحقيق التوازن السياسي والاجتماعي في المجتمعات -كما يحدده ويراه علماء الاجتماع- إلى أداة لتحقيق الديمقراطية على الطريقة الغربية، وهو ما اتجهت أمريكا وغرب في العقود الأخيرة -خاصة في العقد الأخير- مِن دعمه ومساندته بقوة معنويًّا وماديًّا (المصدر السابق، ص 35).

تجربة نقابة تضامن البولندية:

تعد تجربة (حركة تضامن)العمالية في بولندا في الثمانينيات من التجارب الرائدة في إحداث التغيير السياسي وتحقيق الديمقراطية، فمع التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتدني الأجور وسياسة القبضة الحديدية التي كان يمارسها الحكم الشيوعي الموالي للاتحاد السوفيتي في بولندا قامت في عام 1980م حركة عمالية عُرفت باسم: "حركة تضامن" بإضراب في حوض السفن في مدينة (جادنسك) بقيادة أحد العمال ويدعى (ليش فالينسا)، وقد قام المضرِبون بالتواصل مع بعض الإذاعات العالمية لمتابعة أخبار الإضراب (إذاعة بي بي سي وإذاعة أوروبا الحرة)، وللقيام بضغط إعلامي عالمي على السلطة الحاكمة في بولندا، وقد قدم المضربون للحكومة البولندية نحو من 20 مطلبًا وطنيًّا للتفاوض حولها؛ في مقدمتها: السماح بإقامة نقابات عمالية مستقلة، وعودة القيادات العمالية المفصولة لعملها، والاعتراف بحق العمال في الإضراب السلمي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وقد جذبت "حركة تضامن" الكثير من عمال بولندا حيث أعلن نحو مائتي مصنع الإضراب تضامنًا مع الحركة، وتحولت الحركة إلى حركة شعبية تضم مختلف الفئات من مثقفين وطلاب وعمال تضامنوا جميعًا مع حركة تضامن، وبعد مفاوضات مع الحكومة تمت الموافقة على العديد من مطالب الحركة.

ومع تزايد التضامن والانضمام لحركة تضامن والتي بلغت عدة ملايين من سكان بولندا دعت الحركة في بيان لها في ذكرى مرور سنة على إنشائها إلى مواصلة المطالبة بالإصلاح من خلال تعزيز الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة والديمقراطية من خلال أساليب احتجاج سلمية.

وفي عام 1981م قامت روسيا بالضغط على بولندا للتصدي لنشاط نقابة تضامن فتولى (يورزليسكي) رئيس الوزراء ووزير الدفاع مقاليد الأمور، وعمد إلى السيطرة بقوة على البلاد، فأعلن الأحكام العرفية وتصدي بعنف للتظاهرات الشعبية فسقط عشرات من القتلى والجرحى واعتقل الآلاف.

أبدى الإعلام الغربي تأييده الكامل وتعاطفه مع نقابة تضامن، وفي مقدمة المؤيدين كان الرئيس الأمريكي "ريجان" ورئيسة وزراء بريطانيا "مارجريت تاتشر"، ومع توالي ضغط المجتمع الدولي تم رفع الأحكام العرفية في بولندا.

عمدت نقابة تضامن إلى العمل السري في الفترة من 1982م إلى عام 1988 م من خلال المطبوعات السرية والتواصل مع الجماهير وتعبئتها وتجديد الإضرابات، ومع ظهور جورباتشوف ومنهجه الإصلاحي في الاتحاد السوفيتي تم الاعتراف بشرعية حركة تضامن العمالية كنقابة عمالية في عام 1989م.

وفي عام 1990 م تم انتخاب (فاليسا) كأول رئيس منتخب لبولندا بإرادة شعبية، وكان قد حصل على جائزة نوبل للسلام، وقدم (يورزليسكي) للمحاكمة بتهمة قتل المتظاهرين السلميين، ولكنه توفي بعد إصابته بالسرطان، ليسدل الستار على التجربة بنجاح التغيير السياسي والتحول إلى الديمقراطية، وتحولها إلى نموذج وضع ليحتذى به في دول شرق أوروبا والعالم الثالث.

الجمعيات الأهلية في مصر والعالم العربي:

كان لمصر ثم البلاد العربية سبق في تكوين الجمعيات الأهلية غير الحكومية، والتي تعد المرادف لوحدات المجتمع المدني الغربية في العالم العربي والإسلامي، أي أن المجتمع المدني في مصر والبلاد العربية قديم، حيث ظهر قبل أن يتم صك مفهوم المجتمع المدني بمعناه الغربي المعاصر، ففي فترة حكم محمد علي (1805م - 1854م) تأسست العديد من الجمعيات الأهلية، كان أولها الجمعية اليونانية بالإسكندرية عام 1821م، ثم جمعية معهد مصر وجمعية المعارف في عام 1868م، ثم توالى إنشاء العديد من الجمعيات الأهلية خاصة التي تهتم بأداء الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية.

وقد كانت مصر هي أيضًا أول دولة عربية يعترف دستورها -دستور 1923م- بحق المصريين في تأسيس الجمعيات الأهلية، أي إعطاء المجتمع المدني في مصر الحماية ومن وقت مبكر، والتي تطورت إلى الاهتمام بالدفاع عن حقوق العديد من الفئات والمحتاجين، والتي بلغت حاليًا أكثر من 35 ألف و500 جمعية أهلية حتى نوفمبر عام 2011م طبقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعي.

وهذا العدد لا يتضمن عدد الجمعيات غير الحكومية -خاصة الحقوقية- غير المسجلة في وزارة الشئون الاجتماعية، إلى جانب الجمعيات التي تكونت على شكل شركات لتفادي إجراءات التسجيل، أو للابتعاد عن الإجراءات البيروقراطية التي تعرقل تأسيسها وبدء نشاطها، وقد تأسست في لبنان جمعية المقاصد الإسلامية في عام 1878م، وفي نفس العام تأسست في ليبيا مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية، وبعدها بتسعة أعوام تأسست في اليمن جمعية نادي الجالية الفارسية، وقد توالى تأسيس الجمعيات الأهلية في العديد من الدول العربية خلال القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين.

وتأتي محافظة القاهرة في مقدمة المحافظات من حيث الجمعيات الأهلية والجمعيات غير الحكومية المسجلة، حيث يوجد فيها نحو 6639 جمعية، يليها محافظة الجيزة، ثم الإسكندرية، ثم الشرقية، ثم الدقهلية، بينما تأتي محافظة جنوب سيناء كأقل المحافظات تأسيسا للجمعيات إذ بها نحو 111 جمعية، وبعدها مرسى مطروح بنحو 146 جمعية، فالأقصر بنحو 186 جمعية، فالوادي الجديد بنحو 222 جمعية فبورسعيد بنحو 251 جمعية. وتوجد فقط محافظتان لن تسجل فيها رسميا أي جمعيات أهلية وهما محافظتا بني سويف وأسيوط" (راجع: أسرى المال السياسي، ص 74-77).

وقد "صنفت بيانات وزارة التضامن الاجتماعي أنشطة هذه الجمعيات على نحو 48 نشاطا مختلفا، شملت الخدمات الثقافية العلمية والدينية، والرعاية الاجتماعية، والخدمات الصحية، ورعاية الطفولة والأمومة، ورعاية الفئات الخاصة والمعوقين، ورعاية المسجونين، وتنظيم الأسرة، والصداقة بين الشعب المصري والشعوب الأخرى، والنشاط الأدبي، وأرباب المعاشات، وحماية البيئة والحفاظ عليها، والتنمية الاقتصادية للأسرة، وحماية حقوق المستهلك، وتنمية المجتمعات المحلية، وحقوق الإنسان، وتنمية الديمقراطية، وأنشطة ثقافية وتعليمية ورياضية، والحد من الفقر، وخلق فرص عمل، والنهوض بالمرأة، وإصلاح ذات البين، ومحو الأمية، وإنشاء نوادي تكنولوجيا المعلومات، ودار مسنين، وحج وعمرة، وتدريب، وبحث علمي، والغوث في النكبات العامة، ورعاية الأيتام، والتوعية بالحقوق الدستورية والقانونية، والتنمية البشرية، وتنمية دخل الأسرة والأفراد، وخدمة تكريم الإنسان، فضلا عن الأنشطة الدينية" (المصدر السابق، ص 77).  

وتدل الإحصائيات على أن جمعيات الخدمات الثقافية والعلمية والدينية هي الأكبر عددًا، حيث تأتي جمعيات العمل الخيري التي يقوم نشاطها على البر والإحسان، وتستند في الأغلب إلى الوازع الديني، حيث تقدم مساعدات مالية وعينية للفقراء والمحتاجين في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج وبدء العام الدراسي، وكذلك الأعياد الدينية، وتمثِّل نسبة هذا النوع من الجمعيات حوالي ثلث إجمالي عدد الجمعيات الأهلية، أما الجمعيات الخدمية التي توفر الرعاية الاجتماعية لبعض الفئات مثل الأطفال الفقراء، وأطفال الشوارع، والأيتام، والمسنين، والمعاقين، وغيرهم -وهي خدمات تقدم مجانًا أو بأسعار مخفضة أو رمزية- فلا تقل نسبة هذا النوع من الجمعيات عن نصف إجمالي عدد الجمعيات الأهلية وغير الحكومية في مصر، ويرجع زيادة أدوارها إلى تراجع دور الدول في ظل تبنيها اقتصاديات السوق الحر وسياسيات الخصخصة.

وأقل أنواع هذه الجمعيات عددًا في التصنيف الرسمي هي جمعيات التدريب في مجال التكنولوجيا وجمعيات الغوث في النكبات، وجمعية إنشاء دور المسنين، وجمعيات تنمية دخل الأسرة والأفراد (المصدر السابق، ص 77).

أما المنظمات الحقوقية -وهي منظمات حديثة العهد في مصر- فهي منظمات لا تقدِّم خدمات، ولكنها تتولى الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وتتبنى مطالب فئات محددة بشكل خاص كالنساء أو المعتقلين السياسيين والسجناء وغيرهم، كما أنها تسعى إلى توعية وتثقيف الرأي العام بحقوقه، بل والتأثير علي السياسات العامة وممارسة الضغوط على صانعي القرار.  

وبعد ثورة 25 يناير أضافت هذه الجمعيات لنفسها الدفاع عن حقوق الشهداء والمصابين وتشكيل التحالفات لرد الأموال المنهوبة والمهربة في الخارج، ومتابعة قضايا فساد رموز النظام السابق سواء أمام المحاكم أو أمام الرأي العام، وهذه المنظمات يبلغ عددها نحو 237 منظمة تمثِّل نحو 1% تقريبًا مِن مجموع الجمعيات الأهلية، ولكن رغم انخفاض نسبتها، فإنها أكثر المنظمات جذبًا للتمويل الأجنبي وتوفر الدعم المالي لها، خاصة التمويل الأمريكي والأوروبي، بدعوى أنها تلعب دورًا مهمًا في تحقيق الديمقراطية، بينما حظيت بعض الجمعيات الدينية والخيرية الأخرى بدعم من دول خليجية (المصدر السابق، ص 77 - 82).