إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 20 سبتمبر 2018 - 10 محرم 1440هـ

تأملات في حجة الوداع (9)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً). فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: (دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ-؛ لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ).

وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ؛ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ: (صَدَقَتْ، صَدَقَتْ)؛ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: (فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ؛ فَلَا تَحِلُّ). قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ" (رواه مسلم).

هذا الجزء مِن الحديث يدل على ترجيح حج التمتع على القِران والإفراد، وأنه الأفضل مِن أنواع النسك الذي تمناه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لنفسه، لولا سوقه الهدي، وهو قول الإمام أحمد، وإن كان رَجَّحَ طوائف مِن العلماء -منهم: مالك والشافعي- الإفراد موافقة للشيخين أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، ولكن كما قال الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ-: "كُلٌّ يُؤخَذ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَك إلا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-".

وقد أنكر الصحابة على عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نهيه عن التمتع، منهم: عمران بن حصين، وابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- وغيرهما.

وهذه المسألة تُؤصِّل لأمر الاتباع ووجوب التزام السُنَّة وإن خالَفَها أكابر العلماء إذا تَبَيَّنَت لأحدٍ، كما قال الشافعي -رحمه الله-: "أَجْمَعَ العُلَماءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةٌ عَنْ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ لَهُ أن يَدَعَها لِقَوْلِ أَحَدٍ مِن النَّاسِ".

والحقيقة: أن هذا الأصل العظيم لا يختلف فيه أهل السُنَّة؛ فرغم نهي أبي بكر وعُمَر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عن متعة الحج كما قال عروة لابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- لما قال له: أَمَرَ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمتعة -أي متعة الحج-؛ فقال له: وأبو بكر وعمر كانا ينهيان عنها، فقال ابن عباس: "تُوشِكُ أن تَنْزِل عليكُم حجارة من السماء؛ أقول لكم قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتقولون: قال أبو بكر وعمر!"، وقد أجمع العلماء بعد ذلك -رغم اختلافهم في الأفضل- على عدم كراهية التمتع وعدم النهي عنه رغم صحة النهي عنه عن الشيخين، لنعلم منزلة السُنَّة عند العلماء كافة، وإن كان الظن بأبي بكر وعُمَر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أنهما لم يسمعا كلام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي رواه جابر هذا.

وقد وقع ذلك في مسائل غابت عن الأكابر ورواها الأصاغر؛ فقَبِل العلماء رواية الأصاغر ورَدُّوا رأي الأكابر، كما وقع ذلك في التيمم للجُنُب؛ فقد أنكره عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وشَدَّدَ على عَمَّار، ورواه عمار -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهو دون عمر في العلم والمنزلة، ومع ذلك أجمع العلماء على التيمم للجنب، وهجران قول عمر -رَضِيَ اللهُ عَن الْجَمِيعِ-.

والمقلدون يقولون: يستحيل أن يغيب أمرٌ عن أئمتنا! ويقولون للحديث: ألم يكن أئمتنا يعلمونه؛ ومع ذلك لم يقولوا به؟! وهذا باب للفتنة عظيم، فتنة مُخالِفة لاتفاق السلف وإجماعهم الذي نقله الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ-.

ويخالف هذا الإجماع مسألة التمذهب المتعصِّب الذي يؤصل له البعض أنه الطريقة الوحيدة للتعَلُّم رغم أنها لم تكن كذلك في القرون الثلاثة الخيرية؛ بل كان التعلم للقرآن والحديث ثم روايات الصحابة وأقوالهم ثم مَن بعدهم، مع تقديم الكتاب والسُنَّة ضرورة، حتى وصل البعض إلى تحريم تعلم الطالب المبتدئ الدليل! مع أن كبار أئمة المذاهب صَنَّفوا في السُنَّة وعَلَّموها للناس.

وهذا البغوي الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ- يؤلف كتاب "شرح السُنَّة"؛ السِّفْر العظيم الذي جَمَع جملةً كبيرة مِن أحاديث النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع أقوال العلماء؛ هذا الذي كان يُعَلِّمونه للناس.

وجمع مجدُ الدين ابن تيمية -جَدُّ شيخ الإسلام- كتابَه "مُنْتَقَى الأخبار" وهو حنبلي؛ إلا أن "منتقى الأخبار" يُعَدُّ مِن أَجْمَع الكتب في أحاديث الأحكام، وهكذا أهل العلم جميعًا؛ فإنهم يُعَلِّمون الناسَ الكتابَ والسُنَّة، وأقوال العلماء تابعة لها، وأما ما يطالِب به هؤلاء البعض مِن منع تعليم الناس الدليل؛ لأنهم مبتدئون حتى لا تحدث الفوضى الفقهية هو في الحقيقة الذي يُمَهِّد للفوضى الفقهية!

كما وصل الأمر في زماننا إلى تقديم قول المتأخرين، بل وأقوال الأئمة، على نصوص الوحي، ثم مع القول بالتلفيق المبني على تتبع الرُّخَص حسب الهوى والتشهي دون دليلٍ! كما أَلَّف بعضُهم في الحج كتابًا سَمَّاه: "افعل ولا حرج" جمَعه مِن أقوالِ مَن تقدم ومَن تأخر في الرُّخَص بلا دليل! وشَبَّه على الناس ولَبَّس بتقديمه عنوان كتابه كلمة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "افعل ولا حرج" التي قالها في التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر بعذر الجهل والنسيان.

فصارت المذاهب عند المتأخرين حُجَجًا، وأقوال المجتهدين أدلة، بهذه الطريقة المنكرة، وصار الاجتهاد هو البحث عن الأقوال المختلفة ولو كانت شاذة مخالفة للدليل، والإفتاء بها! وما لم يجدوه في أقوال المتقدمين زعم بعضهم الاجتهاد بالتيسير على الناس بلا دليلٍ، وقال به؛ فصارت المسألة مختلفًا فيها؛ حتى صار دعاء الأموات، وطلب الرزق والمغفرة، وشفاء الأمراض، وقضاء الحاجة منهم، مسألة خلافية معتمد المذاهب عند المتأخرين جوازها وليس حتى تبديعها!

وصار الشرك بالله الذي دَلَّت عليه نصوص القرآن القطعية كقوله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) (فاطر:13-14)، صار الأمر عند هؤلاء مختلفًا فيه وهي رخصة للإفتاء! وكذا مسائل أخرى كثيرة، منها: مسألة الفوائد الربوية، بل صار الإفتاء بالصواب الذي أَجمَع عليه العلماء منذ زمنٍ في المَجامِع الكبرى مُنكرًا مُحَرَّمًا  يستحق صاحبه العزل والتشنيع والعقوبة عليه! وكذا مسألة بناء المساجد على القبور وشد الرحال إليها، وعقد الموالد حولها، مع علم الجميع بالفظائع والمنكرات والفواحش التي تقع في هذه الموالد، وأصل البلاء: مسألة التقليد الأعمى المتعصب بلا دليلٍ؛ الذي فتح باب الخرافة والبدع، ومهَّد لتضييع الدين في العقائد والأعمال والسلوك.

وفي هذا الجزء مِن الحديث: دليل على مشروعية الفسخ -فسخ الحج والقِرَان- لمَن لم يَسُق الهدي إلى عمرة، وقد أوجب هذا الفسخ طائفةٌ مِن أهل العلم، منهم ابن حزم وابن القيم، وأفتى ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- بأن مَن طاف بالبيت فقد حَلَّ، شاء أم أَبَى، يعني إذا لم يَسُق الهدي، وأوجب بعض المعاصرين التمتع لفظًا، وهذا قول ضعيف؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (رواه مسلم)؛ فدلَّ على عدم نسخ الأنواع الثلاثة إلى زمن عيسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فلا يصح القول بوجوب التمتع؛ بل هو الأفضل، وإنما يُنكَر على مَن أعرض عنه ورآه منكرًا يرفض فِعْلَه، ولهذا أنكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مَن لم يستجب لأمره مِن الصحابة؛ لأنهم قالوا: "نقدُم مِنَى تَقْطُر مَذَاكِيرُنا المَنِيّ!"، فقال لهم: "انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَافْعَلُوا" (رواه ابن ماجه)، فليس هذا إنكارًا عامًا على كل مُفْرِد أو قارِن، بل على مَن رأى التمتع أمرًا مستنكرًا بسبب ما كانوا عليه في الجاهلية مِن أنهم يرون العمرة في أشهر الحج مِن أَفْجَرِ الفُجور، فخَالَف النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أهل الجاهلية وشرع التمتع، بل فسْخ الحج المفرد والقِران إلى عمرة؛ ليتمتع الحاج بها إلى الحج، ولا ينطبق غضبه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مَن لم يَرَ التمتع مُنْكَرًا، والله أعلم.

وفي قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لسُرَاقَة: (دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ-؛ لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ)، دليل على بقاء مشروعية التمتع إلى يوم القيامة، بل وأفضليته على غيره مِن المناسك.   

وفي الحديث: صحة الإحرام المُبْهَم؛ لأن عَلِيًّا وأبا موسى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أحرما إحرامًا كإحرام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهما لا يعلمان ما أحرم به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حرصًا منهما على اتِّباع السُنَّة، ثم صرفه عَلِيٌّ لأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى القِران؛ لأنه كان قد ساق الهَدْي، وصرفه أبو موسى إلى التمتع أو فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لأنه لم يكن قد ساق الهدي.

وفي إهداء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِائة من الأبل دليلٌ على فضل الهدي والتَوَسُّع فيه؛ فهذا القدر زيادة عما وجب عليه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سبعمائة ضعف، وأشرك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلِيًّا معه في هَدْيِه.

وفيه استحباب التقصير لمَن اعتمر قبْل الحج؛ ليوفر شعره للحلق في الحج، أما إذا كانت المدة تطول حتى ينبت شعره -كمَن اعتمر في شَوَّال أو في أول ذي القعدة مثلًا- فالأفضل الحلق؛ لعموم الدليل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ)، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ)، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ)، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (وَالْمُقَصِّرِينَ) (متفق عليه).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.