إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 30 أغسطس 2018 - 19 ذو الحجة 1439هـ

مِن دروس الحج: تلبية نداءات الرحمن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيأتي علينا الحج في كل عام وهو يحمل معه ذكريات مباركة حيث يذكرنا ببداية دعوة الإسلام، وكيف لبى النبي -صلى الله عليه وسلم- نداء ربه، وصدع بالحق وهو رجل واحد في مواجهة قريش بأسرها!

ثم كيف قاوموه وضيقوا عليه، وعذبوا أصحابه، ثم كيف ساوموه؟ وجوابه -صلى الله عليه وسلم- لهم بأن إيقاد شعلة مِن الشمس أيسر مِن أن يغير شيئًا مما أوحاه ربه إليه.

وما زال -صلى الله عليه وسلم- يحمل رسالة ربه إلى الناس كافة حتى أكمل الله به الدين، وأتم النعمة على الأمة، فأنزل الله عليه في حجة الوداع: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3).

وفي تلك الحَجة خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبة جامعة، وبيْن فيها أن النجاة في التمسك بكتاب الله -عز وجل-، مع ما أتى في سنته -صلى الله عليه وسلم- مِن توضيح وبيان فقال: (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ) (رواه مسلم).

لقد كانت هذه الخطبة الجامعة تأكيدًا على هدم معالم الجاهلية، وتذكيرًا بمعالم الاسلام التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلقد هدمَ الاسلام إلحادَ الجاهلية، وأقام مكانه معرفة العبد بربه وخالقه، وأن هذا الخالق هو الإله الحق الذي يستحق أن يُعبد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5).

وهدمَ الغلو في الصالحين: فبيَّن أن الله وحده هو الرب، ووحده هو الإله، وما سواه عبيد له، ومِن ثَمَّ فلا يَتوجه المسلم بدعاءٍ، ولا ذبحٍ، ولا نذرٍ، ولا استغاثة إلا لله.

وهدمَ ما درج عليه البشر مِن تسلط الكبراء أو مدعي الحكمة على دماء وأموال غيرهم، يشرِّعون لهم فيها ما يحلو لهم! فبيَّن أن الحكم لله وحده فقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (يوسف:40).

وهدمَ الربا والميسر، وكل صور الشطط الاقتصادي، وأقام مكانها معاملات قائمة على البر والصلة والتراحم.

والآن أخي المسلم:

إنه مِن المؤسف بعد هذه النعمة والمنة، والدين الكامل أن يخرج علينا مَن يَصدق عليه قول الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم:28)، فمنهم ذلك الذي دعا إلى تنحية حكم الله في الميراث في "تونس" المسلمة، وقال: "لا شأن لنا بالقرآن!".

وعلى الرغم مِن الوقفة الرائعة التي وقفها "الأزهر" ردًّا على هذا العبث -اضطلاعًا بمسؤولياته تجاه الشريعة الإسلامية في كل بقاع الأرض-؛ إذا ببعض الإعلاميين "وفي بلاد الأزهر ذاتها!" يكرر ذات الدعوة الخبيثة، ولكنه يتذاكى فيقول: "اطمئنوا سنترك النص المقدس كما هو، ولن نبدِّل القرآن فنجعل الآية: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل الأنثى!"، وكأنه طالما أبقى النص مقروءًا، ولكن مع تعطيل أحكامه؛ فقد حقق الإيمان بالقرآن!

وفات هذا المسكين أن هذا الذي يدعو إليه هو عين فعل اليهود في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين أبقوا آية الرجم في التوراة، ولكنهم عطلوا حكمها، فقال الله في شأنهم: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44).

إن الله حَكمٌ عدل بيْن عباده، وكل حُكم مخالف لحكمه، جور وهوى؛ ولذلك قال -تعالى-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50).

ولا يمكن أن يجتمع في قلب العبد إيمان مع ظنه أن أحكام الله فيها ظلم أو أن أحكامه تصلح لزمانٍ دون آخر!

بل هذا ردة صريحة عن دين الله، بل وسب صريح له، وانتقاص فاحش منه!

وقد جاء الاحتلال إلى بلاد المسلمين يوم جاء وعينه على هذه الشريعة؛ ليهدمها ويقيم مكانها نظامًا مستمَدًا مِن تصوراته في شتى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنه مع نجاحه في فرض جزءٍ كبيرٍ مِن هذا كأمرٍ واقعٍ، ظلَّ متهيبًا مِن المساس بما أسماه الأحوال الشخصية؛ لشدة وضوحها في الشريعة، وصعوبة ادعاء أن الشريعة الاسلامية لم تعتنِ بهذا الجانب! ولشدة تمسك الناس بالحلال والحرام فيها.

حتى كانت هذه الآونة الأخيرة، وظن هؤلاء أن الطريق ممهد أمامهم لاستكمال تلك المسيرة الخبيثة، وهذا يوجب على الأمة كلها أن تقابِل هذا بالإنكار على هؤلاء الرويبضات، وبنشر العلم بالشريعة، والتمسك العملي بها، وبالتطبيق الصحيح لها؛ حتى لا تُستثمر الأخطاء مِن أعداء الشريعة، وتُنسب إلى الشريعة ذاتها.

إن هؤلاء يستثمرون أخطاء يقع فيها البعض مِن ظلم المرأة مِن أبٍ يفضِّل الذكور عليها أو زوج يظلمها أو أخ يمنعها ميراثها الشرعي.

وكل هذه انحرافات علاجها: أن نحض الجميع رجالًا ونساءً على التمسك بشرع الله -عز وجل-، وتنمية الباعث الإيماني الذي يمنع القوي مِن ظلم الضعيف، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إن هناك مِن النساء مَن ملكت أن تشتكي أباها أنه زوَّجها كرهًا عنها، والأخرى تشتكي ظلم زوجها لها، والثالثة تشتكي أن أخاها قد عضلها مِن الزواج ممَن ترغب في زواجه، مع أن المجتمع حديث عهد بوأد البنات، وغيره مِن صور ظلم المرأة! ثم جاءت خطبة الوداع لتجعل الوصية بالنساء مِن معالم الاسلام التي حرص -صلى الله عليه وسلم- أن يضمنها خطبة الوداع.

وأما ما يقدِّمه الغرب للمرأة: فظلم لها باعتبارٍ آخر "حيث يحولها إلى مسخٍ"؛ فلا هي أنثى كما خلقها الله، ولا هي رجل كما يريدون! وظلم للمجتمع الذي يجعلونه قائمًا على التنافس بيْن جنس الرجال وجنس النساء في حين أن الله أمرنا أن نقيمه على التكامل بينهما.

أخي المسلم:

لبى الحجيج ولبينا معهم بلسان الحال، واليوم نلبي نداءً آخر لله -عز وجل-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، فنصلي صلاة العيد جامعة ثم يذبح مَن قدر على الذبح، فيأكل ويهدي ويتصدق؛ امتثالا لأمر الله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (الحج:36).

ثم نُظهِر البهجة والسرور كما أرشدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال: (لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً) (رواه أحمد بسندٍ جيدٍ).

وهكذا يجب أن يعيش المسلم حياته كلها ملبيًا نداءات ربه، مطيعًا لأوامره، ومنتهيًا عن نواهيه وزواجره.

نسأل الله -تعالى- أن يمسكنا بدينه، ويرزقنا العمل بشريعته حتى نلقاه عليها.

وتقبل الله منا ومنكم.

وكل عام وأنتم بخير.