إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 19 أغسطس 2018 - 8 ذو الحجة 1439هـ

دعوات غيرت مجرى التاريخ!

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي كثيرٍ مِن الأحوال والنوازل والمصائب يقف الانسان عاجزًا أمام الحلول المادية لما يتعرض له مِن مشاكل أو مطالب تكون أكبر مِن واقعه وإمكانياته مِن أحوال المسلمين وضعفهم وعجزهم، سواء كان في بورما أو أفريقيا الوسطى أو غزة أو حل المشكلة السورية أو اليمنية فحينئذٍ نقول: نبذل ما في أيدينا مِن الدعاء والتضرع والتوكل، والإخلاص والعبادة والدعوة، وترك الذنوب والمعاصي حتى يرى الله منا بذل الوسع والطاقة فيسقط عنا ما عجزنا عنه، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

فالبعض يتعامل مع الدعاء والأسباب الإيمانية لرفع البلاء والغلاء والمرض والهموم كأنها أسباب تقليدية أو أعمال روتينية أو تسكين أو نوع مِن الاستسلام للواقع حتى نسمع مَن يقول: "إحنا مش ورانا غير الدعاء! في كل مصيبة تقولوا لنا: الدعاء... الدعاء حجة البليد... !"، وغيرها مِن الكلمات التي فيها إساءة للدعاء وأهميته.

حتى وإن دعا، دعا بغير يقين وانعدام روح، وحضور قلب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: (إنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ وَإِنَّمَا أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ"، فأعجز الناس مَن عجز عن الدعاء وليس أكرم على الله مِن الدعاء، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

 ونحن الان في أيام الحج، وأفضل أيام الدنيا أيام العشر الأول مِن ذي الحجة، والارتباط وثيق بيْن هذه الأيام المباركة والدعاء؛ فنجد الدعاء موجودًا في الطواف والسعي، ورمى الجمار الصغرى والوسطى، ويوم عرفة فهو خير الدعاء، والدعاء عند الفطر في الصيام، والدعاء في مزدلفة عند المشعر الحرام فجر العيد، وكذلك نتذكر قصة إبراهيم -عليه السلام- ودعواته التي غيرت مجرى التاريخ.

فإبراهيم -عليه السلام- كان عقيمًا فدعا ربه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:100)، فقال -تعالى-: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات:101)، وهو إسماعيل -عليه السلام- جد العرب، وجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورُزق أيضًا بإسحاق -عليه السلام-، وهو الغلام العليم، ومِن وراء إسحاق يعقوب -عليهما السلام-.

كذلك دعا إبراهيم -عليه السلام- ربه فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37)، فتحولت مكة من مكانٍ قفرٍ جدب موحش، كلها صحراء، إلى مكان أمن فيه مِن فاكهة الشتاء والصيف، بل مِن أعمر بقاع الأرض، تهوي إليه أفئدة وقلوب العالم؛ شرقه وغربه، شماله وجنوبه، الأحمر والأسود، والأبيض والأصفر، قرابة عشرة ملايين بيْن حاج ومعتمر يقصدون هذه البقعة المباركة لدعوات إبراهيم -عليه السلام- التي أثرت في الجماد، وغيرت مجرى التاريخ.

فكان مِن أثر تلك الدعوات بئر زمزم: قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ) (الأنبياء:30)، وقبيلة جرهم التي استقرت، وتزوج منهم إسماعيل -عليه السلام- جد العرب.

وكذلك وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبب دعوة إبراهيم -عليه السلام-؛ لقوله: (أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، حينما قال إبراهيم -عليه السلام-: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (البقرة:129).

وكذلك أذان إبراهيم -عليه السلام- في الناس بالحج، فاستجاب الملايين مِن البشر مِن أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، ولم يرَ إبراهيم -عليه السلام- كل ذلك بعينيه في حياته، ولم يرَ النتائج، ولكن كان ذلك بسببه وبدعائه، فكم نتكاسل ونغفل عن هذا السلاح المهم المؤثر، وأن تتعلق القلوب بالله، وليس بالأسباب المادية، فالله -عز وجل- قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء.